من المعلوم أن قانون الصراع من أجل البقاء على هذه الأرض، يتّسم ويتميّز بقساوته وعنفه، ويجعل إستمرارية الأقوى مضمونة، في معظم الأحيان. إنه قانون ينطبق على واقع الإنسان والحيوان والطبيعة، وهو قانون معروف ب"شريعة الغاب"، حيث التنافس الشرس على لقمة العيش والديمومة وإثبات الوجود وحماية الذات والسيطرة، والغلبة هي للأقوى. إنها شريعة ثابتة وقوية تسُنُّها وتفرضها طبيعة الغرائز المتوحشة.

               في خضمّ تنازع البقاء الطبيعي هذا، يأخذ التنافس في عالم الإنسان، معنىً خاصًا يعكس ويجسّد جوهر حقيقته كمجموعة حواس وغرائز حيوانية يتصل من خلالها بالعالم المحيط به ويتفاعل معه، وكعقل يتفاعل معها ليضبطها وينظمها بالإستناد إلى قواعد إخلاقية وروحية، ويتفاعل مع مجتمع العالم الخارجيّ الماديّ والإنسانيّ بقوانينه وأنظمته الهادفة إلى تنظيم حياة الناس وضبط أو منع فوضى الغرائز قدر الإمكان، وحفظ الأمن والهدوء والسلام. ومن خلال هذا التفاعل، ينمو العقل ويفكّرُ ويتخيّلُ ويأمرُ ويَكْمُلُ وينضج، وتنمو الإرادة وتقوى  وتنفّذ وتعمل. 
 
               نفهم جيدا، إذاً، أن روحَ التنافس، نتيجةً لهذا الصراع من أجل البقاء، شيءٌ طبيعيٌّ، ملازمٌ لطبع الإنسان، ومظهر من مظاهر الصراع. إنها تخلق في الإنسان حافزا قويا لتحقيق أهدافه في كل المجالات، بقياس نفسه مع الإنسان الآخر في محاولته للتعادل معه أو للتفوّق عليه. هذه الروح تأخذ منحىً شرسًا، أحيانا، خاصة في دنيا المال والتجارة والعمل والسياسة، وحتى الرياضة، حين تصبح فكرة الربح والنجاح والإنتصار على الخصم المنافس بأيّ ثمن، هي المسيطِرة على عقل الإنسان والموجِّهة لنشاطه ونشاط الدول.

               ما هو معروف ب"الروح الرياضية" في مجالات التنافس بين الأفراد والشعوب في حقل الألعاب الرياضية البدنية، أو النشاطات الفكرية (الشطرنج)، أو الفنيّة، أو الجمالية (إنتخاب ملكات الجمال)، هو تنافس محبّ، ودّي، بين فريقين أو أكثر، بنيّة الربح والإبداع والتفوّق، وتقبّل الخسارة بكل طيبة خاطر، وتهنئة الخصم الرابح. إنه تنافس لا ينبغي أن تحرِّكه روح العنف والغضب والإحتقار والحقد والحسد، وتوصله إلى حدّ اشتهاء تحطيم الآخر وإلغاء وجوده، كما يحصل معظم الأحيان في دنيا السياسة.

               في ممارسة بعض الدول الديمقراطية للتنافس في عملية انتخابات ممثلي الشعب، نرى الخاسرين يهنِّئون الفائزين بكل "روح رياضية"، وتنتهي القصّة هنا. الشعب يعود إلى عمله كالمعتاد، وممثلوه الفائزون يبدأون بملء مراكزهم ولعب أدوارهم تحت مراقبة ومحاسبة الفريق الخاسر المعارض، ويصبّون اهتمامهم وجهودهم في سبيل خدمة الشعب. غير أن التنافس بين هذه الدول هو تنافس طاحن أحيانا، في ميادين التسلح واحتكار الثروات الطبيعية والذهب والمال والماس والمعادن، وما شاكل ذلك، وكلها أدوات تُستعمَلُ طلبا للقوة، وسعيا للتفوّق العلمي والتكنولوجي للإستقواء على دول أخرى بنيّة السيطرة عليها.

               أمّا التنافس في لبنان بين أبناء الشعب، فهو قائم، بشكل غرائزيّ غير طبيعي، في كل الأماكن وفي كل الأوقات، وبين كل الفئات، والطبقات الإجتماعية. روح التنافس هذه قوية جدا، وظاهرة للعيان بشكل فاضح، حتى في المجال الرياضي، مثلا، المسيّس، والخالي من "الروح الرياضية"، والذي تتخلّله معظم الأحيان مواجهات تحدّ وعنف بين اللاعبين وبين مؤيديهم، وفي التسابق المستميت على نهب الأرض نهبًا على الطرقات بين سائقي السيارات، وعلى مخالفة قوانين السير، وعلى عدم الوقوف في خطّ منتظم لدفع أو قبض فاتورة، أو إجراء معاملة في المصارف أو في الإدارات الحكومية، وعلى التهافت المستميت على محطات الوقود لدى انتشار خبر إضراب الشركات والمحطات بسبب ارتفاع سعر الدولار (والدولة الغائبة والعاجزة تتفرج)، وعلى إفراغ رفوف الغذاء والمياه بسرعة هائلة في المخازن الكبرى، إذا سمع الناس بقدوم عاصفة ثلجية كبيرة، أو عاصفة حربية، أو عاصفة غلاء معيشة، خوفا من حدوث مجاعة. 

               إن روح التنافس هذه، جلية في المجتمع "المخملي" بنوع خاص، في حبّ التباهي بالمظاهر في الحفلات والسهرات والمطاعم والفنادق، حيث يتحول لقاء الناس إلى معرض لإبراز الذات من خلال التنافس والتباهي ب"ثقافة" اللباس والزينة والأكل والشرب، وتدخين أفخم وأغلى سيغار كوبي والتفنّن بطرق عضّه، وأنواع السيارات وألوانها وأثمانها، والجمال الجسماني والمجوهرات النادرة المتلألئة الباهرة، وتبادل أحاديث الثرثرة (دون إصغاء) وتنعيم الصوت وتلطيف (وتشويه) لفظ الكلمات العربية بلكنة أجنبية، والكلام والفهم والمعرفة في كل الميادين والمواضيع، وإجادة النطق والتكلم بأكثر من لغة غربية في الوقت عينه، وإتقان مزج كلمات وتعابير كل هذه اللغات معا في سياق الحديث، وطمس اللغة الأم طمسا كاملا.

               في هذا الجوّ الطاغي من المنافسة على كل شيء وفي كل شيء، يمكننا أن نفهم روح التنافس بين اللبنانيين في عالم السياسة، وانعاكسه في وسائل الإعلام، خاصة في الجوّ الإنتخابي المليء بالعنفوان الشخصي والمذهبي والطائفي والقومي والعِرقيّ والعنصري والعائلي والعشائري، والمليء بأحاديث عن معارك بين الزعماء والطوائف فيها "كسر عظم"، و"فك رقاب" و"إثبات وجود" و"مسألة حياة أو موت". لا بدّ أن نتوقّف، هنا، بعض الشيء، عند وصف تفاصيل حالة اللبنانيين الطريفة جدا يوم الإنتخاب، وقبله، وبعده. 

               إن التنافس يكون، عادة، حامي الوطيس بين المرشحين المستميتين للوصول إلى الندوة النيابية من أجل "خدمة" الشعب، وبين أبناء الشعب المستميتين لإيصال مرشحيهم إلى تلك الندوة. وفي جوّ التنافس هذا، يلعب المال (مال أثرياء الداخل والخارج) الدور الأكبر في المعركة، منذ بدء رؤساء اللوائح بقبول انضمام الأثرياء إلى لوائحهم لتمويل الحملة الإنتخابية (وطبعا، لملء خزنات رؤساء اللوائح)، إلى شرائهم أصوات الناخبين ذوي الشهيّة القوية لرائحة المال وملمسه، إلى آخر اللحظات الحاسمة قبيل انتهاء ساعة الإنتخاب وإقفال صناديق الإقتراع، حين ترتفع جدا بورصة العرض والطلب في لعبة قمار بيع وشراء الأصوات، وحين يتم بسرعة هائلة إقناع "المتردّدين" ممن لم يقترعوا بعد، بانتظار ارتفاع "السعر"، بالإنتخاب لقاء مبالغ طائلة من المال، ب"الجملة" وب"المفرّق". والحديث عن دور المال يدور بكثرة وب"وشوشات" مسموعة في أوساط ما يسمّى ب"المفاتيح" الإنتخابية وفي أوساط الشعب (ذات الرادار اللاقط القوي) حول تقلب وارتفاع "سعر" الصوت من بداية النهار حتى نهايته، وحول من دفع أكثر لمن وكم، ومن قبض أكثر، وممّن، وكم. كل ذلك يتمّ في جوّ حماسيّ تنافسيّ سعيد، وبإفتخار زائد.

               بعد هدوء العاصفة وانجلاء غبار معارك التنافس الإنتخابي، يبدأ التنافس الحقيقي الجدّي بين ممثلي الشعب. ولكن، تنافس على ماذا؟ على خدمة الشعب كما وعدوا الشعب، وكما وعد الشعب نفسه؟

               يبدأ التنافس العنيف (بالكلام النابي والمواقف والتحدّيات والتهديدات) على الحصص الوزارية (السيادية والخدماتية "الدسمة") لكل زعيم وطائفة وحزب وتكتل وتيار، في الحكم، ويبدأ الخلاف والجدل والنقاش حول من حجمه أكبر ووزنه أثقل و"حيثيته" أصدق وأقوى شعبيا، وحول عدد و"نوعية" الحقائب الوزارية المُسْتَحَقَّة، فقط، من أصحاب الوزن الثقيل "على الأرض". ويبدأ، من جديد، كما حصل في الماضي أكثر من مرة، تأجيل تأليف الوزارة إلى أجل غير مُسَمّى، وتبدأ الإستشارات مع بعض آلهة المال والقرار في الخارج للوقوف على رأيها وقرارها. وفي حال تألفت الحكومة بعد مخاض طويل وعسير، يتعسّر على أعضائها الإتفاق والتعاون على خدمة الشعب اللبناني الساكت على الضيم والصابر على مصيبته الكبرىو حظه التعيس بسياسيين فاشلين، ووضع أمنيّ وإقتصادي خطير. 
   
               إن التنافس الشرس على تنازع البقاء يتوقف بين الساسة، ويتمّ بينهم التفاهم الكامل، بشكل مدهش، وبسرعة فائقة، حين يقررون زيادة رواتبهم الضخمة (لا رواتب الشعب الفقير) بحجة غلاء المعيشة، والتمديد لولايتهم كحاجة وطنية ملحّة بحجة "دقة" و"خطورة" الأوضاع. وأيضا، حين يستدينون المال، بفوائد عالية وباستمرار، من مراكز المال والقرار في الخارج، لإقامة مشاريع "من أجل مصلحة الشعب العليا"، فيختفي المال ويُهدر ويُنهب، وتختفي معه المشاريع، أو تقام مشاريع فاشلة، خاصة مشاريع السدود والمياه والكهرباء (ويبقى اللبنانيون دون مياه ودون كهرباء). ثم إنهم يعمدون، في دراستهم للموازنة، لإيفاء الديون المتراكمة بشكل مخيف، وملء خزينة الدولة الفارغة، المنهوبة، واستحقاق ثقة الخارج من أجل المزيد من الإستدانة، إلى زيادة الضرائب والرسوم على الشعب ودعوته إلى التقشّف والتضحية ب"مكتسباته" و"كمالياته" وتحمّل الوجع. أما هم، فإنهم يتابعون حياة البذخ والترف والسفر وهدر مال الشعب وزيادة ثرواتهم وأملاكهم، وتجنب المسّ ب"مكتسباتهم" الهائلة و"كمالياتهم" لإنقاذ الوضع المالي المتدهور والكارثي على الشعب وحده، دون أن يرفّ لهم جفن، أو يندى لهم جبين. ولا حسيب ولا رقيب.

               ثم يُكْمِلُ الساسة هذا التنافس فيما بينهم ولكن بشكل راق، وبوتيرة صامتة، وتفهّم عميق لبعضهم البعض، في التمتع بحصانتهم وتجميع المال وتكديس الثروات بكل الوسائل المتاحة في الدولة-مزرعة الأبقار الحلوب، والحفاظ على كثير من بنود الموازنة التي تشرّع هدر المال على أشياء سخيفة وتافهة ومضحكة مبكية مقرفة، وأحيانا مبهمة بحسب التسمية المعطاة لها، على حساب الشعب الذي يزداد فقرا وتعاسة وضعفا، يوما بعد يوم. من هذه الأشياء (وكلها تستحق وضع آلاف علامات الإستفهام والتعجب حولها):

               مشاريع لا ترى النور، صفقات، عمولات، إستثمارات، إستملاكات بحرية، إيجارات خيالية لمباني حكومية، سفرات إلى الخارج ونقل وانتقال في الداخل، التبرع لجمعيات خيرية وأخرى وهمية لنساء ساسة الحكم، قرطاسية للمكاتب، لوازم متخصصة، لوازم مكتبية، إعلانات، علاقات عامة،علاقات عامة أخرى، بدلات أتعاب، اعياد وتمثيل، مكافآت، تعويضات وأعمال إضافية، مستشارون، تقديمات زواج وولادة ووفاة. ولا حسيب ولا رقيب.
 
               والتنافس (أو تنازع البقاء) "الناعم" والمبطّن بين الساسة يشمل أيضا، إلى جانب تكديس المال، تجميع الرجال والسلاح لحماية أنفسهم وثرواتهم وممتلكاتهم (بالإضافة إلى حماية الدولة لهم)، لا حماية الشعب، ولتخويف ومواجهة بعضهم البعض لا العدوّ الصهيوني العنصري، وفي بناء أو شراء القصور، واقتناء السيارات الفخمة المصفحة، والطائرات الخاصة واليخوت، وفي إقامة حفلات زفاف خيالية أسطورية لأولادهم، في الداخل والخارج (بينما الشعب الذي انتخبهم يئِنّ من الفقر والعوز، لا بل إن قسما منه يتضوّر جوعا)، وفي الإستمتاع بالمواكبات الصاخبة المزعجة في ذروة عجقات الطرقات، وبالسفرات إلى الخارج مع حاشية ضخمة جدا على حساب الشعب، وفي زمن محاربة الفساد والهدر وإفلاس الدولة والشعب (سفرات تجمع بين الإستجمام والعمل "من أجل المصلحة الوطنية العليا")، وبالظهور في الحفلات الخاصة، وفي الإحتفالات الوطنية وسط الأعلام اللبنانية وأمام عدسات آلات التصوير، وتسجيل المواقف على شاشات التلفزة المحلية والعالمية، والإكتفاء بذلك، مع لفظ بعض الجمل والكلمات البليدة والمفرغة من معانيها لفرط تكرارها على ألسنتهم وتداولها في الإعلام بشكل آليّ، والمحفوظة عن ظهر قلب، والتي تصلح لكل مناسبة، ومنها: 

               "العيش المشترك"، و"مصلحة الشعب"، و"الحفاظ على الوحدة الوطنية"، و"بناء الدولة القوية"، و"بناء دولة القانون والمؤسسات"، و"تفعيل الديمقراطية"، و"القضاء على غلاء المعيشة"، و"إنعاش وتحسين الإقتصاد"، و"وضع الليرة اللبنانية جيد"، وتخليص لبنان من "عين العاصفة"، وحمايته من تداعيات "صفقة القرن"، و"استخراج النفط والغاز بشروط لبنان"، و"ضرورة الإسراع بتسليح الجيش"، و"دعم المقاومة" (همسا)، و"محاربة الإرهاب"، و"حق الدفاع عن النفس". 

               من أجل تأمين كل ذلك، يتنافس السياسيون مع مؤيديهم في الإعلام (سرا وجهارا) على زيارة واسترضاء (مع الإعتذار عن أي تقصير) دول "مانحة" غنية جدا، وكريمة جدا بضيافتها وبإغداقها "مكرُمات" و"هبات" و"مساعدات" و"ودائع" خيالية على الشعب اللبناني (لا يصله منها شيء) من خلال سياسييه وإعلامييه ومصارفه، مقابل الإمساك بزمام الأمور الساسية والإقتصادية والعسكرية (أي قهر الشعب وإفقاره وإخراس صوته) في الوطن اللبناني. ولا حسيب ولا رقيب.

               هؤلاء السياسيون (مع إعلامييهم دائما)، هم قراصنة آخر زمان، وطلاب مغامرات ومقامرات واستكشاف الكهوف والمغاور بحثا عن الكنوز المرصودة، وهم يعرفون جيدا كيف يقنعون اصحاب وحراس الكنوز في دول الخارج "المانحة"، بأنهم خير من ينفّذ سياستهم في لبنان، ويوهمونهم، ويوهمون أنفسهم، ويحاولون أن يوهموا الشعب اللبناني بأن ثمة تلاقيا كبيرا بين مصلحة هذه "الدول المانحة" ومصلحة الشعب اللبناني الوطنية "العليا" التي لا تعني، في الحقيقة، إلّا مصلحتهم الشخصية السافلة والسفلى، وحسب. وتراهم، سياسيين وإعلاميين، يتفنّنون بكبرياء، وبثقة كبيرة بالنفس، في لعبة التنافس التافهة هذه، والخطيرة والمذلّة والقاتلة للشعب، بالترويج للباطل وإخفاء الحقيقة، وبتسفيه وتسخيف واحتقار وهجاء وتخوين الفريق كل من لا يؤيد آراءهم ومواقفهم، لإرضاء سابغي النعم عليهم، غير آبهين، وهم في ذروة عمى بصرهم وبصيرتهم، وفي ذروة غبطتهم وسكرتهم بمجد مالهم ومراكزهم وحياتهم، بان كلّ لعبة المصالح الأنانية المخادعة هذه تنعكس على الشعب اللبناني وحده بشكل حتميّ وسيّء، ويفرح بها كثيرا العدو الصهيوني وحماته وداعموه شرقا وغربا الذين بدأوا يستطيبون إنزال العقوبات المالية بالشعب اللبناني لإضعاف المقاومة وفرض التوطين وسرقة المزيد من أراضي لبنان (كجزء من "صفقة القرن" المُذِلّة)، فيبقى مشرذما، منقسما على ذاته، ضعيفا، فقيرا، غارقا في مستنقعات همومه وأزماته، يتغذّى بالأوهام، ويندب حظه، ويتصبّر، ولا يقدر أن يتحد ويثور على ظلم ساسته، ويحلم بالهجرة، وينازع ببطء، ويتمنى الموت والخلاص من عيشة القهر والذلّ.

               إن السياسيين، بمعظمهم (ومعهم أجواق إعلامييهم)، يتنافسون على كل شيء إلا على خدمة الحقيقة، وخدمة الشعب الذي انتخبهم. فوجودهم المتعاقب والمتوارث على مرّ الزمن في الندوة النيابية وفي عالم الإعلام، مليء فقط بالكلام المنمّق والبليغ وغير الصادق، وبالأصوات المرتفِعة، المصطَنَعَة، وتسجيل المواقف. لم يحلّ وجودهم في الحكم أية مشاكل حياتية أو إجتماعية أو أمنية أو عسكرية أو تربوية أو إقتصادية أو سياسية أو صحّية أو بيئيّة، يعاني منها الشعب ويئنّ من شدّة وطأتها، بل زادت هذه المشاكل تعقيدا وسوءا، إلى درجة تنغيص حياة اللبنانيين تنغيصا دائما، وتعطيل عمل الدولة تعطيلا كاملا وإضعافها حتى الشلل، ومنع لبنان، وطن الرسالة، من لعب دوره الإنساني الحقيقي، وفرض احترامه على العالم. وهذا شيء يعجب أعداء لبنان الظاهرين والمستورين، ولا يبدو أنه يزعج عشاق مال الخارج من سياسيين وإعلاميين. وإذا حاول أحد السياسيين أو أحد الإعلاميين أن يكون صادقا وحرّاً، وقرّر أن يلعب دوره الحقيقي بوحي ضميره الحيّ، يقدر الشعب أن يرى بوضوح كيف يتنافس بعض السياسيين والإعلاميين من غير فريقه، المرتبطين بالخارج والمُمَوَّلين من هذا الخارج، أن يغروه بالمال لينتقل إلى جهتهم. هم ينجحون، معظم الأحيان، في مسعاهم هذا. وإن فشلوا، فإنهم ينتقدونه ويهجونه ويعرقلون مساعيه الخيّرة عن غير اقتناع، ودون خجل أو وجل، وهم يختلقون دائما الأعذار لفعلتهم، ويحاولون، من خلال إعلامهم القويّ (أي المُمَوَّل تمويلا ضخما على الدوام)، إقناع الرأي العام بصحّة وجهة نظرهم. في الذاكرة اللبنانية، ما زالت حيّة ذكرى مفكرين وإعلاميين أحرار قد أفلسوا وأقفلوا مراكز إعلامهم، أو استشهدوا في سبيل الحقيقة والشرف والنزاهة والكرامة. 

               الأمثلة على هذا الواقع التنافسي، المخزي، متوّفرة ومعروفة، لا ينكرها إلا أصحاب منطق "عنزة ولو طارت" وهم كثر في هذا الوطن المعذّب والسيّء الطالع.

               إن واقعا سيئا من هذا النوع، هو واقع سليم وسعيد بالنسبة لمعظم السياسيين المستفيدين فقط (ومعهم أجواق إعلاميّيهم)، وهو واقع مأساوي بالنسبة للشعب اللبناني وحده، يتجدّد، باستمرار، عبر التاريخ. إنه لعبة قمار تدور ليلا نهارا في كازينو ضخم تديره قوى عالمية ثرية وقوية وبلا رحمة، حيث كل اللاعبين يخسرون إلا مالكو الكازينو، فهم دائما يربحون، ويرمون بفتاتهم لمن يخضع لهم ويمدحهم ويسبّح بإسمهم، ومن يتمرّد يرمونه بقسوة خارج اللعبة. إنها لعبة قمار يتمتع بالتنافس على لعبها، حتى الإدمان، معظم السياسيين اللبنانيين (ومعهم إعلاميوهم)، ويقامرون، بلا أي خوف وبلا أي توبيخ ضمير حيّ فيهم، بحياة شعب بكامله. إنها لعبة تستمرّ من جيل إلى جيل، وهي تكرّر ذاتها بلاعبيها العتاق والجدد، وبقواعدها الخبيثة، وبنتائجها السيئة للشعب اللبناني وحده، كالمعتاد، لا للساسة.

               يحسن بنا، هنا، ونحن، أبناء الشعب اللبناني، نَنوءُ ونَئِنُّ تحت ثقل المأساة، أن نطرح هذه الأسئلة على أنفسنا: 

               ما العمل لتغيير هذا الوضع الشاذّ؟

               كيف نجعل الخراف الضالة، العنيدة، والمتلذّذة بضلالها وعنادها وارتمائها المستميت في أحضان ذئاب الخارج الكاسرة، مقابل فيض من فتات "علف" مكافآت و"مَكرُمات" و"هبات" و"مساعدات"، هي دسم شهيّ لهم وحدهم، ولكنها سمّ زُعاف يَدُسُّه شياطين الفتنة بخبث ودهاء في دَسَمِ "علفهم" وفي حياة الشعب اللبناني وكرامته، أجل، كيف نجعل تلك الخراف الضالة تعود إلى حظيرة الوطن اللبناني، حظيرة الشعب؟
 
               كيف نواجه، نحن أبناء هذا الوطن غير الموحّد، الضعيف، قوى عالمية قوية، مسيطرة، لا ترحم أحدا؟

               الجواب هو: 

               على ما تبقّى من النُّخَبِ اللبنانية الصالحة، الخيّرة، والمتحررة من كافة الإرتباطات والضغوط المالية والسياسية والمذهبية والطائفية، خاصة النخب الدينية والتربوية والفكرية والنقابية والإعلامية والسياسية، أن تهتمّ، رغم قلتها وندرتها، اهتماما رصينا بتشجيع عملية تعليم الأجيال الطالعة في البيت والمدرسة والجامعة والمجتمع، وكل فئات الشعب اللبناني من كل الأعمار، وتوعيتها باستمرار وثبات على معنى الوطن الحقيقي، الإنساني، السامي، الجميل، الذي يتخطى ويجمع كل المذاهب والأعراق والأديان والقوميات والعصبيات والأنانيات والغرائز والمصالح والأحزاب والفلسفات، ألا وهو وطن الرسالة، وعلى معنى الحرية والإستقلال والسيادة والأمانة والصدق والإخلاص والوفاء والمحبة والتضحية والعطاء والإحترام والتواضع والوداعة والشهامة والكرامة والعنفوان، حتى الشهادة، في سبيل الوطن، وعلى ضرورة مقاومة كل أنواع الإغراءات والإحتلالات والإستعباد والذلّ، وعلى ضرورة التوحّد في وطننا الواحد لبنان، وضرورة احترام وجود الشريك الآخر في الوطن، وضرورة الحوار معه من أجل التفاهم حول كل المسائل الوطنية، وضرورة ممارسة المحبة وكل الفضائل في العلاقات اليومية بين أبناء الوطن الواحد. كم تهون كل الأمور الأخرى، حين تجمع المحبة كل أبناء الشعب اللبناني، وتوحّدهم على أرض مقدسة واحدة، وتحت سماء مقدّسة واحدة، وحول رسالة مقدّسة واحدة، فلا يعود لأبواب الجحيم أي سلطان على الوطن الموحّد القويّ. 

               خلاصة القول: لا خلاص للبنان دون تبنّي الشعب، بكل فئاته وممثليه، مبادىء الأخلاق وممارستها يوميا ممارسة صادقة، والتنافس على تحقيقها. التناقض الموجود بين الأخلاق والسياسة أصبح واقعا لا يُنَاقَشُ، لفرط ما تعوّد الناس على سماع وقراءة كلمات "مصلحة" و"فساد" و"صفقات" وغيرها، في بعض وسائل الإعلام، وفي ممارسة السياسيين لسياسة الباطنية وفي تصريحاتهم المضلِّلة، وممارسة الإعلاميين لمهنتهم المُسيَّسَة والمتحيِّزَة (للباطل)  معظم الأحيان، في تقاريرهم ومواقفهم. وقد اتخذت كلمة "سياسة" معنى المصلحة الأنانية والكبرياء والقسوة والوحشية والفساد، في صراع عنيف لا يتوقّف من أجل البقاء، بين الأفراد والأحزاب وزعماء الطوائف في لبنان، وبين حكومات الدول، فلا يبقى إلّا القويّ بقوة المال والسلاح، ولا وجود ولا تعايش لكلمة "محبة" معها، ولا لكلمة "خدمة" او "رحمة" أو "تضحية" أو "عطاء"، أو "صدق"، أو لأية كلمة أخرى تدور في فلك شمس الأخلاق المنيرة، المؤنسة، الشافية. هذا التناقض ينبغي أن يبطل. إنه قد سبّب وما زال يسبّب تعاسة الإنسان في كل مكان وزمان وليس في لبنان فقط. هنا يكمن التحدّي الحقيقي الكبير الذي ينتظر اللبنانيين، كلّ اللبنانيين، ليحققوا، معا، رسالة لبنان، لبنان وطن الإنسان والمحبّة، لبنان الوطن الرسالة.

               كيف يبطل هذا التناقض؟
     
               يبطل حين يقرّر السياسيون (وحلفاؤهم من إعلاميين ورجال مال وأعمال)، وكل من يعمل أو يتعاطى بشكل أو بآخر، سرا أو جهارا، في حقل السياسة، ألّا يستحوا بدرس وحفظ الوصايا الإلهية، وتطبيقها بصدق، فهي إرثٌ ثمينٌ جدا وواجب لجميع الناس، لا لبعض رجال الدين الأتقياء الصادقين، فقط. صحيح وجميل ما يردده كثيرون أن الوطن للجميع والدين لله، بمعنى أنه لا إكراه ولا كره في الدين، وكل إنسان حرّ بدينه، فقها ولاهوتا، وحرّ بطريقة ممارسة طقوس وشعائر دينه، ولا لزوم للخلاف والتناحر حول أمور الدين. هذا شيء حسن. ولكنّ الدين، في حقيقة جوهره السامية، يبقى معنا، ولا ينفصل عن تفكيرنا وشعورنا وسلوكنا وحياتنا، إذْ إن "الدين معاملة"، بحسب قول الحديث الشريف. إنه معاملة حسنة للقريب، والسياسة ينبغي أن تكون تنافسا وُدِّيّا بين السياسيين من أجل معاملة الشعب معاملة حسنة وخدمته، وعدم احتقاره واستغلاله والغدر به وخيانته ونسيانه وقهره.

               في النهاية، وببساطة، ماذا يتمنى الشعب اللبناني، وماذا يريد، وماذا ينتظر ويتوقّع من زعمائه وحلفائهم وشركائهم (بالمال والدين والمصلحة) من الطبقات الحاكمة، وبماذا ينصحهم؟

               إن لسان حال الشعب يقول:
 
               على كل العاملين في حقل السياسة أن يتذكروا أن ما هو معروف ب"الوصايا العشر" (أنا هو الرب إلهك لا يكن لك إله غيري، لا تقتل، لا تسرق، لا تَزْنِ، لا تشهد بالزور، لا تشتهِ مقتنى غيرك...)، ووصية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، موجهة إليهم أيضا، ومطلوب منهم أن يطبّقوها على أنفسهم، وأن يبشروا بها بأقوالهم وأفعالهم. 

               عليهم أن يتذكروا أيضا قول الإنجيل: "أحبب قريبك كنفسك". وأيضا: "الكبير فيكم فليكن للصغير خادما". وأيضا: "أطلبوا أولا ملكوت الله وبرّه والباقي يُعطى لكم ويزاد". وأيضا: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه"؟
 
               عليهم أن يتنافسوا فيما بينهم على التحرّر من غرائزهم المتوحشة وذواتهم الضعيفة، ومن التبعية المذلّة للخارج، وإغراءاته المالية، والخوف من تهديداته.

               عليهم بتطلّب الكمال الروحي بشغف وصدق وشجاعة، من خلال ممارسة عبادة الله (لا ذواتهم ولا المال ولا السلطة) ومحبته بصدق، ومحبة القريب ومساعدته على حمل أثقاله والتخفيف منها، حتى إزالتها. 

               عليهم بالتخلي عن أهوائهم، وبممارسة الفضائل الأخلاقية والروحية، وخدمة الشعب بتواضع، وإسعاده.

               عليهم أن يوقفوا هذا التنافس السخيف والعبثيّ (ولو أسعدهم ذلك الوهم مؤقتا) على التزيّن بلباس سلاسل العبودية الذهبية البرّاقة، من خلال ممارسة طقوس عبادة المال والذات وحبّ المجد الباطل، ومن خلال ممارسة الرذائل وخدمة آلهة الأوثان، المؤدّية حتما كلها، في النهاية، إلى موت الروح، روحهم، وموت روح الشعب، وموت روح الوطن، وطن الرسالة.

               عليهم، في نهاية المطاف، أن يتذكروا دائما أن الحياة قصيرة، وأن الموت لا مفرّ منه، وأن يصحوا من سكرتهم، سكرة الكبرياء والغرور والمال والجاه والأنانية، وان يكثروا من أعمال الخير والصلاح والبرّ، ويباشروا بالعمل الجدّي والصادق لآخرتهم، ولملاقاة ربهم، بالحماس نفسه الذي يعملون به لدنياهم، فيربحوا الإثنتين معا، الدنيا والآخرة. 

               لم يفتِ الأوان بعد، من أجل تخليص وطن الرسالة الإنسانية الرائعة، وطن الشعب الطيّب، لبنان، من براثن الوحوش الكاسرة الساكنة في داخل نفوسنا، وبيننا في ربوع وطننا، وفي حكومات العالم التي تحاول الإستيلاء على الكرة الأرضية.

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه