شكَّلَ فجر الرابع عشر من سبتمبر نقطة تحوّل في المشهد السياسي في المنطقة، حيث تجاوز قيام حركة أنصار الله اليمنية بتوجيه ضربة قاسية لمصافي شركة أرامكو في بقيق وخريص السعودية رَسْم المشهد الحربي اليمني السعودي، وقصْره على الصراع بين الجيش واللجان اليمنية وتحالف العدوان بقيادة السعودية. لِيُسْمَع صداهُ في عواصم القرار الإقليمي والعالمي ويستمر.

هجوم أرامكو لم يَقُّض مضاجع الإقليم بتهديد منشآت الطاقة، والتي سيكون أثرها على المستوى الاقتصادي،وارتفاع أسعار النفط عالمياً، لكنها ضربت ناقوس الخطر حول التطور العسكري اليمني، والذي تعتقد كثير من الأطراف أنْ من وراءه إيران. وعلى الرغم من أنّ "إسرائيل"قد اتخذت موقفاً واضحاً من حركة أنصار الله اليمنية؛ بأنها حركة "إرهابية" تحمل أيدولوجيا متطرفة تتعلق بزوال الكيان الإسرائيلي عن الوجود، وانتماء أنصار الله إلى محور المقاومة والممانعة في المنطقة، وأنها أصبحت عضواً فاعلاً في هذا المحور، ويسيطر على سواحل استراتيجية تقع على البحر الأحمر، والتي ترى "إسرائيل" أنّ البحر الأحمر يُشكّل عمقها الإستراتيجي البحري، يجب أنْ يكون تحت وصايتها الأمنية العامة من إيلات وحتى باب المندب، بحيث لا تصل أي جهة تُهددها، وتُهدد وجودها وسيطرتها المائية، إذا ما اعتبرنا أنّ السعودية وحكومة هادي والأجزاء اليمنية المُسيطَر عليها سعوديًا وإماراتيًا لا تُشكّل أي تهديد للكيان الإسرائيلي. بل على العكس هي جزء لا يتجزأ من منظومة ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر وفق الرؤية الإسرائيلية.

هذا كله لم يمنع أنْ يسود اعتقاد لدى الدوائر الأمنية الإسرائيلية بأنّ إيران هي من تقف خلف هجوم أرامكو، فقد صرّح رئيس وزراء الإحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الثامن عشر من سبتمبر، وبعد هجمات أرامكو بأربعة أيام؛بأنّ وتيرة العدوان الإيراني تزايدت مؤخراً، بما في ذلك في الخليج!! وأيّدَ العقوبات الأمريكية الجديدة ضد طهران. كما وأنّه في الرابع والعشرين من سبتمبر صرّح وبشكلٍ واضحٍوصريح؛ بأنّ الهجوم على المنشآت النفطية في السعودية،إيران مَنْ نفَّذته من الألف إلى الياء!!

منذ الهجوم على أرامكو والذي تفترض "إسرائيل" بأنّإيران هي اللاعب الأساس وحجر الزاوية في هذا الهجوم؛سواءً بتنفيذ الهجوم بشكل مباشر أو عبر أحزاب المقاومة العراقية أو عبر الجيش واللجان اليمنية؛ فإنّ المشهد السياسي والأمني والإعلامي في إسرائيل يُسيطر عليه هوس هذا الهجوم، ويسود القلق دوائر صناعة القرار الإسرائيلي، وذلك لمجموعة من الأسباب: السبب الأول؛ ضعف الرد الأمريكي على هذه العملية، وعدم قيام واشنطن بردةفعل عسكرية لردع إيران، وحماية حلفائها وعلى رأسهم السعودية. بل على العكس تماماً فقد اتخذت القيادة المركزية للجيش الأمريكي قرارها بسحب العديد من طائراتها والقيادة الجوية في قاعدة العديد القطرية إلى الولايات المتحدة خوفًا من تهديدات القيادة العسكرية الإيرانية باستهداف القوات الأمريكية في جميع قواعدها المنتشرة في الخليج والعراق وأفغانستان. والسبب الثاني؛ حيازة إيران للقدرات العسكرية التي فاقت توقُّعات صاحب القرار في "إسرائيل"، حولدقّتها ومدياتها وحجم تدميرها ومجهولية ما وراء ذلك.والسبب الثالث؛ هو مصداقية إيران في تنفيذ تهديدات القيادةالسياسية والعسكرية، واستخدامها فعلاً وعلى أعلى المستويات. 

هذا القلق في "إسرائيل" أدّى إلى انعقاد المجلس الوزاري الإسرائيلي المُصغّر "الكابنيت"، في السادس من أكتوبر ولمدة أربع ساعات، بعد انقطاع اجتماعاته لمدة شهرين بسبب انتخابات "الكنيست"، ووجود حكومة تسيير أعمال،وعدم تشكيل حكومة جديدة. وناقش الكابنيت في هذا الاجتماع سيناريوهات قيام إيران بمهاجمة أهداف إسرائيلية،حيث نقلت قناة "كان" الإسرائيلية تحذيرات شعبة الإستخبارات من إمكانية إطلاق صواريخ إيرانية من العراق تجاه "إسرائيل"، كما نقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية وجود تخوّفات استخباراتية من هجمات إيرانية قد تستهدف مفاعل ديمونا النووي.

ما نُرجّحه أنّ هذا الاجتماع قد ناقش ثلاثة مسائل أساسية: المسألة الأولى؛ مكان إنطلاق الصواريخ الإيرانية باتجاه "إسرائيل"، فهل ستقوم إيران بإطلاقها مستخدمةًأراضيها، أم الأراضي العراقية، أم السورية، أم أنّها ستوعِز لأنصار الله اليمني أو الحشد الشعبي العراقي بتبنيإطلاق هذه الصواريخ؟! أم أنها سوف تستخدم حاملات نفطها التي تجوب البحر الأحمر والأبيض المتوسط وتحوّلها لمنصات إطلاق صواريخ؟! أمّا المسألة الثانية؛ فتتعلق بالهجوم الإيراني على الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية،هل ستستهدف موقعاً نووياً، حيث يفوق عددها عن خمسة عشر موقعًا مُوزّعًا على كامل الجغرافية الفلسطينية المحتلة،وعلى رأسها ديمونا؟! أم أنها ستستهدف منشآت ذات طابع اقتصادي كمثيلتها في السعودية بضرب منصات الغاز في المتوسط، أم ضرب المناطق الصناعية بحيفا والاقتصادية بتل أبيب؟! أما المسألة الثالثة؛ فيتعلق بسيناريو الرد الإسرائيلي والأمريكي على إيران إذا ما أقدمت فعلا ًعلى هجوم من هذا النوع، مُتبنيةً إياه بشكل مباشر مُتذرّعةًبالمحاولة الإسرائيلية الخليجية الفاشلة لاغتيال قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني؟!أو تبني إحدى حلفائها الهجوم المفترض؟! ذلك يدفعها لفحص برنامجها للدفاع الجوي بمنظوماته المتعددة، وفحصقدرتها للرد المناسب على هذا الهجوم. وفي هذه المناسبة قال نتنياهو في اجتماع الكابنيت أنّ على الحكومة توفير عشرات ملايين الدولارات من أجل تطوير منظومات الدفاع الإسرائيلية. وفي الخطوة اللاحقة كيف سيكون الرد الإسرائيلي والأمريكي على هذا الهجوم.

يُعد اجتماع "الكابنيت" الأول من نوعه والذي تم الإعلان فيه عن أنّ هدف هذا الإجتماع هو تدارس هجوم إيراني مفترض ضد "إسرائيل"، بعد أنْ كانت الإجتماعات بقيادة نتنياهو تناقش وتدرس على مدار سنوات توليه رئاسة الحكومة سُبل الهجوم الإسرائيلي على إيران، عبر محاربة التموضع الإيراني في سوريا، واستهداف مصانع الصواريخ الدقيقة لدى حزب الله في لبنان، وشن هجمات بطائرات مسيرة على مواقع الحشد الشعبي في العراق، ومشاركة إسرائيل تحالف العدوان السعودي الإماراتي على اليمن لتقويض نفوذ أنصار الله. هذا يعني أنّ إيران انتصرت في رسم مشهدية جديدة في غرب آسيا لصالحها وصالح محورها، وفرض معادلة جديدة على المستوى السياسي والعسكري والأمني في "إسرائيل "وفق قواعد جديدة للصراع والاشتباك والردع المتبادل.

المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة أسستها الهجمة اليمنية على أرامكو، وسوف تدفع دول الخليج دفعاً نحو تحالف علني سياسي وأمني وعسكري واقتصادي مع إسرائيل؛ ظهرت بوادره باجتماع وزير خارجية الإحتلال الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك مع وزراء خارجية خليجيين، عُرف منهم وزير الدولة لشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد،ووزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد. ثم تلاها تصريحات "كاتس" بعد أيام من لقاءه وزراء الخارجية الخليجيين بطرح مبادرة على دول الخليج لتوقيع معاهدات واتفاقيات تعاون وحماية وعدم اعتداء. هذا كله سوف يُفضي بالنتيجة إلى مزيد من الحرائق في المنطقة، ومزيد من التوترات الأمنية بين محور المقاومة بقيادة إيران والمحور الإسرائيلي الخليجي.

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه