لا يمكن للمتبع المهتم بالشأن التونسي إلا أن يكون سعيدا بتوالي التحولات التي تعرفها البلاد منذ 2011، وذلك للأمل الذي تبعثه لدى شعوب المنطقة في أن إرادة الشعوب عندما تكون قوية لا يمكن أن يقف في وجهها أي عائق مهما كانت حدته. 

وليس غريبا على تونس هذا الثوب الذي تتحلى به في محطاتها التاريخية، والذي ساهمت في تفصيله الكثير من العوامل، أليس منها خرج الصوت الجهوري لشاعر لم يكتب له أن يعيش طويلا ولكن خلدته كلماته عند كل شعوب العالم وهو ينشد: 

"إذا الشعب يوما أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي.. ولابد للقيد أن ينكسر"

غير أن المتتبع للتفاعل الشعبي العربي مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة لتونس، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو مختلف الوسائط، سيلاحظ كما كبيرا من المبالغة، وهي مبالغة نابعة أساسا من "التعاطي العاطفي" الذي يحكم الشعوب العربية تجاه الأحداث والوقائع بشكل عام.

تونس خاضت انتخابات رئاسية بعدد من المترشحين المتنافسين يمتاز كل واحد منهم بثقله داخل المجتمع والدولة، فاعتبر المتتبعون أن هذا استثناء في الدول العربية، حيث أننا –حسب تعبيرهم- لم نعتد على المنافسة وأن قدر الشعوب العربية إما توريث الرئيس أو الانقلاب عليه. إلا أنه غير بعيد عن تونس كثيرا في الزمان والمكان، شهدت الجمهورية الموريتانية انتخابات رئاسية عرفت منافسة بين مترشحين ينتمون إلى مختلف ألوان الطيف السياسي، ولكل مرشح كذلك حجمه داخل المجتمع والدولة.

تحدثت مختلف المتابعات عن مرشح للرئاسيات، فاز في الجولة الأولى وهو داخل أسوار السجن، وقيل كلام كثير في الموضوع، ولكنه كلام غرد في نفس سرب الاحتفاء، مع أن المرشح متهم بقضايا فساد. والواقع أنه في أيام قليلة بعد إعلان زعيم حركة "إيرا" المناهضة للعنصرية نيته الترشح للانتخابات التشريعية تم اعتقاله، وفاز بمقعد نائب بالبرلمان من داخل السجن، ثم أصبح مرشحا ومنافسا قويا في الانتخابات الرئاسية. لم يشارك "بيرام الداه اعبيد" في حملة انتخابية ولا ألقى خطابا في تجمع انتخابي، ووصل إلى المجلس التشريعي، وليس في صحيفته تهم بالفساد، وإنما أحكاما لها علاقة بنشاطه السياسي ونضاله المستميت في مناهضته للعبودية بموريتانيا.

لست أدري حجم معرفة الشعوب العربية بالجمهورية الإسلامية الموريتانية، لكنني أتذكر جيدا أنني قرأت قبل سنين أو ثلاثا، منع مواطن موريتاني من دخول الأراضي اللبنانية عبر المطار بدعوى عدم توفره على تأشيرة للدخول، فلما واجه أمن المطار بأن المسافرين من جنسيات عربية يحصلون على التأشيرة داخل المطار، سأله رجل الأمن: "وهل موريتانيا دولة عربية؟" ومعظم العاملين في أمن المطار لم يستطيعوا الإجابة عن هذا السؤال إلا بعد ولوج متصفح البحث "جوجل".

نعم، موريتانيا دولة عربية وإسلامية، يجمعها بتونس إنتماؤها لاتحاد المغرب العربي، الذي يضم خمس دول هي "المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا وليبيا"، وهي أول دولة عربية تعرف مناظرة بين المترشحين في الجولة الثانية للرئاسة سنة 2007 "سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله و أحمد ولد داداه"، وبالتالي لم تكن أول مناظرة هي ما تابعناه قبل أسابيع على شاشة التلفزيون التونسي.

يحتفي الكثيرون بالرئيس التونسي الفائز في الدور الثاني قبل أيام باعتباره الرئيس العربي الوحيد الذي يتحدث لغة عربية فصيحة وأنيقة، وبهذا سيكونون غير متابعين لموريتانيا كما أسلفت، كما أنهم بذلك يؤكدون على التعاطي العاطفي الذي أسلفنا مع انتخابات تونس، وإلا ماذا يمكن أن نقول عن فصاحة  الرئيس السوري "بشار الأسد" وحنكته السياسية.

هنيئا لتونس مسارها الديمقراطي المتميز، ولموريتانيا تجربتها الحافلة، وما أسلفناه أعلاه فقط للاستدلال على أننا في مختلف الدول العربية، شعوب "العاطفة" و "المرحلة الجارفة".

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه