إن كلمة "ثورة" كلمة شيّقة وجذابة جدا، تغوي وتسحر كل المجتمعات، وبنوع خاص الشباب الطَرِيء العود والذهن والقلب، كونها تعني، بالنسبة لهم، فرصة لتغيير الأوضاع الإجتماعية السيئة والرتيبة، ووعدا جميلا بمستقبل أفضل. 

               تعني كلمة "ثورة" للشباب، اليوم (خاصة في لبنان)، التمرّد على التقاليد العائلية والإجتماعية والسياسية والدينية التي تقيّد، في اعتقادهم (وهم على حقّ)، تفكيرهم وطموحهم وسلوكهم وحريتهم وحيويتهم، وهم على مفترق طرق، يعانون من اختبار جديد وصعب لمرحلة دقيقة من عمرهم، مرحلةُ نموّ جسدي ونفسي وعقلي ونزوع شديد إلى استقلال الشخصية وتوق إلى التعلّم والمعرفة والتحرّر. لذلك، فإن دعاة الثورة يخاطبون دائما الشباب، العنصر الحسّاس في المجتمع، المتوثبّ، المُعترض، الرافض، المتحمِّس، الحالم، ويتّكلون على همّتهم وسواعدهم وقبضاتهم وأقدامهم وحناجرهم القوية، في أي حراك ثوريّ في الشارع، حين تدعو الحاجة.

               ما من ثورة في التاريخ قد حدثت دون أن ترافقها أعمال شغب وعنف. وهذا ما يدفع معظم الشباب إلى التجاوب مع نداء قادة الثورة. ثمّة دائما من يحرِّكها ويموِّلها من أجل قلب نظام الحكم والإستيلاء عليه بالقوة. لذلك، كان مبدأ "الغاية تبرّر الواسطة"، بحسب فلسفة "ماكيافلّي" المعروفة، هو المحرّك لكل الثورات، والمبرّر "الشرعي" أو "العقلاني" إذا صحّ التعبير، الذي لا بدّ منه، لها. وبعد انتهاء الثورة بكل شعاراتها وهيجانها وإثارتها وعنفها ودمائها ومآسيها، وبعد دفن الذين ماتوا والترحّم عليهم، ومداواة الجرحى والمعاقين، والبدء ببناء ما تهدّم، سرعان ما يموت الحماس في قلوب معظم أبناء الشعب، ويدبّ النسيان في ذاكرتهم، وسرعان ما تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي القديم المتعثر، السيّء، ويعود الحكام الجدد، زعماء الثورة، إلى ذواتهم البشرية الحقيقية، ويبدأون بإبراز، وتسليط، وممارسة أطماعهم وأنانيتهم وكبريائهم وطغيانهم وظلمهم، فتتبخّر "إنجازات" الثورة، والشعب يعود إلى تململه، ولملمة شمله، وجرّ أذيال الخيبة، وندمه، وتَصَبُّرِه، يحلم، من جديد، بثورة جديدة، وبقادة جُدُد.

               في الحقيقة، لم تحلّ الثورات، بعنفها، مشاكلَ الناس الإقتصادية والنفسية والإجتماعية والسياسية. وإذا حلّت بعض هذه المشاكل، فمؤقتا، والثمن كان دائما باهظا جدا من ناحية مآسي البؤس والإعاقات وخسارة الأرواح والممتلكات والذكريات المحزنة. تحقيق الحرية والمساواة والإخاء (شعارات الثورة الفرنسية) كان دائما، وما يزال حتى اليوم، ناقصا، بعيدا عن الكمال المنشود. في الحقيقة والواقع، لم يؤمّن أيُّ نظامِ حكم بديل، العدل والإزدهار والإستقرار والأمن والأمان والسعادةَ للشعوب كما يَعِدُها، إلا فيما ندر، وبشكل محدود ونسبيّ وغير دائم.
 
               الديمقراطية تُعتبَر من أفضل الأنظمة حتى اليوم. ولكنها لا تُمارَس بالطريقة عينها ولا تحظى بالنجاح عينه في مختلف الدول، ولا تناسِب كل الشعوب، بسبب من التفاوت الحضاريّ والثقافيّ ومستوى الوعي والنضوج، ومدى القدرة على حسن ممارسة حقّ وحرية الإقتراع والإختيار، فيما بينها. هي، أي الديمقراطية، في كل الأحوال، أفضل من الدكتاتوريات على أنواعها (شخصية، عائلية، ملكية، حزبية، عسكرية)، كونها، بالمبدأ، وإنْ مورِسَت كما ينبغي، تحترم حقوق الإنسان، وكونها مبنية على تداول السلطة من خلال الإقتراع الحرّ المسالم، لا الإنقلابات الصاخبة والثورات الدمويّة التي تطيح بحكم الطغاة على أنواعهم. 

               مهما يكن من أمر، ثمّة مشكلة تبقى قائمة، دائما، بغضّ النظر عن نوع نظام الحكم، وهي سوء إستعمال النظام على يد الحكام الضعفاء، الأغبياء، أو المستبدّين، أو غير الأوفياء لشعبهم. في الحقيقة، حتى النظام الجيّد، بحدّ ذاته، لا يعود صالحا إذا استغلّه الحكام الفاسدون لمصلحتهم الشخصيّة أو العائلية والطائفية والمذهبية، كما يحصل في لبنان، لتحسين حياة الشعب والحفاظ على كرامته وتحقيق إزدهاره وأمنه وسعادته.

               لدى إلقاء نظرة خاطفة على تاريخ القرن الماضي، نلاحظ أنه ثمة محطّة تاريخية كبرى ألا وهي عقد مؤتمر الأمم المتحدة (50 دولة) في 25 نيسان، سنة 1945، في مدينة سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الأميريكية، وصياغة دستورها، بعد حربَيْن عالميّتَيْن مُدمِّرتَين للبشرية جمعاء. وكان إنجازا كبيرا جدا وضعُ "شرعة حقوق الإنسان"، التي وافقت عليها الدول الأعضاء في ذلك الوقت، والتي ساهم في صياغتها نوادي الأسود العالمية، المعروفة بانتمائها الماسوني- الصهيوني-التلمودي. هذه الشرعة الجديدة تحمي، بالمبدأ، وبحسب النوايا الحسنة الظاهرة، بنوع خاص الدول الصغرى الضعيفة والأفراد والمجتمعات، وتمنع حدوث حروب جديدة بين قادة الشعوب، وتضع حدا لسباق التسلّح التقليدي والنوويّ، وتعمل من أجل حفظ السلام، وتشجع التبادل الإقتصادي والثقافي بين الشعوب. على هذا الأساس، يصبح مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك المكان الأفضل والمثالي لحلّ كل خلافات الدول بالحوار، وسلميا. 

               لقد ساهم هذا الحدث الجلل الذي يحدّد ويقدّس "حقوق الإنسان"، في إحداث ثورة تفكير ووعي وأخلاق في الشعوب ونُخَبِها، وفي كيفية ممارسة أنظمة الحكم، وفي عالم الإعلام والتربية. وكان بمثابة وعد للإنسانية جمعاء بغد أفضل. ولكن، سرعان ما دخل الشيطان التلمودي-الصهيوني-الماسوني، شيطان المال والسلطة والحقد والقوة والطمع والتفوّق على سائر الشعوب، في نفوس الذين خلقوا الحربَين العالميتَين، وصاغوا، في الوقت عينه، "شرعة حقوق الإنسان"، وأسسوا وموّلوا الأمم المتحدة، وأسسوا البنك الدوليّ والبنك الفدرالي الأميريكي، والمؤسسات المالية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة شكليا (كلها أدوات لمعاقبة الدول غير المطيعة لهم، ومكافأة الدول الطيّعة المطيعة)، والذين لم يتخلوا لحظة واحدة عن مشروعهم المجنون للسيطرة بالقوة والعنف على الكرة الأرضية كلها، وإنشاء نظام عالميّ جديد، وحكومة تلمودية واحدة لحكم العالم، من خلال السيطرة قبل كل شيء على الأمم المتحدة (تمويلا ورشوة وسياسة وابتزازا وفرض مشيئة)، وعلى حكام الشعوب الضعفاء الفاسدين. فأفسد هذا الشيطان، شيطان "القوة الخفيّة" الذي لا ينام ولا يتعب من إشعال الفتن والحروب، وخلق "الفوضى الخلاقة" في كل مكان، روحية "شرعة حقوق الإنسان" وكسر قوانينها. أكبر برهان وشاهد على ذلك هو ما حصل لأرض فلسطين وللشعب الفلسطينيّ بعد إنشاء الأمم المتحدة بفترة وجيزة، وتحت أنظارها وبتأييد منها. إنتُزِعَت الأرض من الشعب الفلسطينيّ بالقوة وأُعطِيَتْ لأبناء وأقارب التلموديين العنصريين ليؤسسوا عليها كيانا قوميا تلموديا يهودياعنصريا يستعدي ويقاتل ويُرهِب كل الدول والشعوب من حوله، ويوسّع بالقوة رقعة كيانه باستمرار على حساب الدول المجاورة، ويسرق الأرض والمياه والنفط والغاز، بهدف تحقيق حلمه القديم بإنشاء "دولة إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات. الأمم المتحدة، منذ نشأتها حتى اليوم، وقد تحوّلت إلى شبه حكومة عالمية مُصغَّرَة، برئاسة أهل التلمود، تبدي دائما ودون تحفظ، حرصها على وجود وسلامة هذا الكيان العنصريّ، ولا تدينه على أيّ من أعمال الإرهاب التي يمارسها ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة له، وعلى انتهاكاته المستمرّة لحقوق الإنسان، لا بل فقد ابتكر المسيطرون عليها تعبير "حقّ الدفاع عن النفس"، لتبرير كل أعمال العنف للكيان العنصري المستقوي والمعتدي، وتعبير "متطرّف" و"إرهابيّ" لمن يقاوم ويدافع عن نفسه ضدّ هذا الكيان، وتعبير "محور الإرهاب" للدول التي تدعم مقاومته.

               منذ تأسيس "الأمم المتحدة"، وقعت حروب متواصلة وانقلابات وأعمال عنف في معظم الكرة الأرضية: كوريا، وفيتنام، وأميركا اللاتينية، وأفغانستان، وأوروبا الشرقية، والقارة الأفريقية، وبنوع خاص شمال أفريقيا وجنوبها، والشرق الأوسط. بقيت هذه الحروب إلى حدّ ما مضبوطة ومحدودة بحسب مشيئة ومصالح من افتعلوها وأوقفوها ساعة شاؤوا. وظلّت الأمم المتحدة دائما أداة طيّعة بيد "القوة الخفية"، عاجزة عن منع حدوث الحروب أو إيقافها، وعاجزة عن الدفاع عن حقوق الدول المُستَضعَفَة، وكأنها أول اختبار لحكومة عالمية واحدة في "النظام العالمي الجديد" تحت سيطرة القوة االتلمودية الخفية. وقد تحوّل دورها إلى مجرّد جمعية خيرية ترسل الغذاء والثياب والأدوية للملايين من النازحين واللاجئين، ضحايا حروب "الكبار" ضد "الصغار"، وإلى بوق لأقطاب "القوة الخفية" وأذنابهم، تدين وتعاقب كل من لا يأتمر بأوامرهم. آخر هذه الحروب المدمِّرة ما سُمِّيَ ب"الربيع العربي" في ليبيا وتونس ومصر، والحرب التي ما يزال يشنّها حتى اليوم الإرهاب التكفيري (المعروف جيدا من هم مُموِّلوه ومدرّبوه وداعموه ومديروه من الدول الكبرى وحلفائها الدولة التلمودية العنصرية والمملكة البترولية الوهابية العنصرية، وتركيا) على سوريا والعراق ولبنان واليمن، من أجل خلق "شرق أوسط جديد" ينسجم مع منظومة "النظام العالمي الجديد".        
       
               إننا، وفي هذه الأجواء الفاسدة، المخادعة والغدارة والعنيفة والمقلقة، التي تخلقها وتديرها قوى مالية وسياسية وعسكرية هي لا شك أقوى منا بكثير، نجد أنفسنا في وضع لا خيار آخر لنا فيه إلا أن نحاول الإتكال، قدر الإمكان، على أنفسنا، وعلى أنفسنا فقط، وأن نفتش عن طريقة ما، أو فلنقل عن ثورة ما، لتنظيف وترتيب بيتنا الداخليّ، وللتخلص من حكام ظالمين متكبّرين، عملاء للخارج، عاجزين عن خدمة الشعب، حين لا يحسنون إلا تكديس الثروات، وحين يصرّون على إدارة الأذن الطرشاء لصراخ الشعب الفقير في الشارع واعتصاماته المتكرّرة أمام مراكز حكمهم المحصَّنَة، ولتحذيرات الإعلام والنخب الروحية والتربوية والنقابية والسياسية والعسكرية، وحين لا تعود، من أجل تحقيق تداول وتغيير السلطة بسلطة أفضل، تنفع الإنتخابات (بقوانينها الخبيثة) وما يتداخلها ويعتريها من تحالفات هجينة، كاذبة، مؤقتة، وتزوير ورشوة وصفقات وخيانات، وحين تقرّر أكثرية (هي في الحقيقة أقلية) متعصّبة للزعيم والطائفة، مصيرَ الشعب، ومصير أكثريته الصامتة المسؤولة، بالدرجة الأولى، عن خلق هذا الواقع الديمقراطيّ الشاذّ، بسبب هذا الصمت والحرد والإعتكاف بالذات، ورفض إسماع صوتها في الشارع وفي الإعلام وفي صندوق الإقتراع. 

               لا ينبغي أن تغرينا مسألة الثورة الدموية، مهما ساءت الظروف. إنها عمليّة إنتحار للوطن بأسره. في لبنان، بنوع خاص، لا تنجح هذه الثورة، فيما لو قرّر أحدهم القيام بها، لأن اللبنانيين منقسمون على أنفسهم، ومُصطَفّون، بأغلبيتهم الساحقة، إصطفافا نهائيا وراء زعمائهم الطائفيين والمذهبيين. بالإضافة إلى ذلك، هم لا يثورون ضدّ من يمثلهم طائفيا ومذهبيا في الحكم، مهما تمادى في ارتكاب الأخطاء، ومهما ظلمهم. 
  
               هل ثمة ثورة من نوع آخر لها أمل بالنجاح دون إراقة دماء، وخلق فوضى، ودون الإلتجاء إلى الخارج المتربّص بنا شرا، ودون معاداته، إذا أمكن، و دون استضافته في عقر دارنا استضافة دائمة لدرجة يصبح فيها هو ربّ المنزل ونحن الضيوف؟

               هل ثمّة ثورة تساعد الشعب على أن يُسمِع صوتّه للمسؤولين الفاشلين عن إدارة شؤون حياته، ويقول لهم ويصرخ في وجوههم أنهم مقصّرون بحقّه ومهمِلون لواجباتهم تجاهه، دون الإصطدام بقوى الأمن والجيش التي سرعان ما يحوّلها أقطاب الحكم المتكبرون والمتسلطون والخبثاء، من قِوىً دورها الأساسيّ، وهو حماية الشعب، إلى قوىً لحماية أنفسهم، وإلى قوىً تقمع الشعب وكأنه عدوّ لها؟

               أجل، ثمة ثورة شعبية ممكنة، ومسموح بها في النظام الديمقراطي الحرّ، ولا يستطيع شياطين الخارج والداخل أن يمنعوها. هذه الثورة هي بكل بساطة حقّ التظاهر السلميّ، الهادىء، الصامت، غير الحاقد، في الشارع، إلى درجة العصيان المدني والإعتصام في الشوارع والبيوت، إذا دعت الحاجة، ورفض التعاون مع أهل الحكم، ورفض دفع الضرائب، مثلا، للإعتراض على أداء الحكم السيّء (الذي لا يريد أقطابه أن يسمعوا حقيقة معاناة الشعب من خلال الإعلام، ولا يريدون أن يقرّوا بأن ثمة شيئا فاسدا في المجتمع هم مسبّبوه على مدى ثلاثة عقود)، ولدفع المسؤولين الفاشلين إلى تصحيح مسارّ حكمهم، أو إلى الإستقالة. وتبقى، في نهاية المطاف الطويل، العسير، الثورةُ الصامتةُ، الواعية، في صندوق الإقتراع، هي الثورة الحقيقية المتحرّرة، الصارخة، المسالمة، الفعّالة، المضمونة النتائج، التي لا يمكن لزعماء الطوائف وأقطاب الحكم وحلفاء المال، أن يقمعوها، أو يُجهِضوها، أو يرشوها ويشتروها ويستعبدوها. 

               ينبغي طرح عدة أسئلة، هنا، مع وعينا الكامل بأن التظاهر السلميّ في الشارع، رغم كونه أحيانا ضروريّا وغير عبثيّ، لا يشكّل في الحقيقة الحلّ السحريّ الوحيد لكل مشاكل الشعب وظلم حاكميه، وهو، في كل الأحوال، معرّض، دائما، مهما بلغ من درجات الرقيّ، لإندساس المشاغبين (من أزلام أقطاب الحكم الخبثاء) بين صفوفه، وللقمع على يدهم: 

               هل يريد الشعب الثائر، حقا، أن يعيَ جيدا معنى الوحدة، وأن يعرف كيف يتوحّد، قبل كل شيء، ليكون قويا، وكيف يحافظ على هدوئه وسلمية ثورته ورُقِيِّها، وكيف يمنع المندسّين الخبثاء من التغلغل في صفوفه وتعطيل تحرّكه النبيل؟ 

               هل يعرف الشعب الموحَّد كيف يعلن العصيان المدنيّ في الوقت المناسب، وكيف يرفض التعاون، بشكل فعّال، مع ساسة الحكم الظالمين، وعلى مدى طويل الأمد، لعلهم يتواضعون ويعودون عن غيّهم وضلالهم؟

               هل يعرف الشعب أن يختار قيادة حكيمة، مخلصة، لتقود تحرَّكه وتمنعه من التهوّر والضياع، ريثما يحين موعد الإنتخابات؟

               هل يقبل وهل يسمح ساسة الحكم، وهم مصابون بعقدة الكبرياء والعظمة والكمال، ولا يقرّون أبدا بأنهم يُخطِئون، بأن يتظاهر الشعب ضدّهم حتى ولو سلميّا، ويعلن العصيان المدنيّ؟

               هل يقمعون، كالمعتاد، تحرّك الشعب، إن طال أمده، على يد الجيش والقوى الأمنية؟ 

               هل يستجيبون لمطالب الشعب بسهولة، ودون مماطلة وخداع؟ إلى أي حدّ؟

               ما هو نصيب هذا النوع من التظاهر الواعي السلميّ، غير الحاقد، من النجاح، في وطن متعدّد المذاهب والطوائف والأديان، ومتعدّد الإنتماءات السياسية والأمزجة والمصالح المتناقضة المتنافرة، في وطن يكثر فيه حتى التخمة والبطر أباطرة التذاكي والفهم والمعرفة والدين والسياسة والمال؟

               هذه الثورة، قد جرّبها الشعب اللبنانيّ في تظاهراته (التي لم تصل إلى حدود العصيان المدنيّ ورفض دفع الضرائب، مثلا) ضدّ تقصير الحكومة في معالجتها لأزمة النفايات، مثلا (ولأزمات كثيرة متفاقمة ما زالت بلا حلّ حتى الساعة)، بالسرعة المطلوبة للحفاظ على صحة المواطنين، وسلامة البيئة، وجمال لبنان كوطن مميَّز، بطبيعته الخلابة، لجلب السائحين. نزل الشعب بأعداد قليلة إلى الشارع، ليمارس حقه المشروع بالتعبير عن رأيه والتظاهر، وليطالب بمساءلة المسؤولين عن الأزمة واستقالتهم من منصبهم، ومحاسبتهم أمام القضاء، ورَفَعَ شعاراتِه ضدّ الحكم، وحاول جهده ضبط التظاهرة، وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير. 

               لقد مارس المتظاهرون، في حينه، حقهم الديمقراطي على أكمل وجه، وكانوا أقرب ما يكون إلى البراءة والمثالية. ولكن، ماذا حصل؟ 

               بدأ بعض أهل الحكم أنفسهم، مع جوقات إعلامييهم، باتهامهم بالعمالة وبنيّة التخريب، وأرسل بعض أباطرة أهل الحكم مشاغبين من قبلهم لاستفزازهم واتهامهم، إثر ردات فعلهم للدفاع عن أنفسهم، باستعمال العنف والإخلال بالأمن، ولإجهاض تحرّكهم المحق والمشروع. أما قوى الأمن، فقد أعطيت الأوامر لضرب المتظاهرين بالهراوات والرفس واللّكم، ورشقهم بقنابل مسيّلة للدموع والتسبب لهم بالإغماء، ورشّهم بالمياه، وتوقيف بعضهم قصد الإخافة والترويع. فعل كل شيء أهل الحكم إلا شيئا واحدا لم يفعلوه: الإستجابة أو الوعد الصادق بالإستجابة للمطالب الأساسية للشعب، وبالسرعة اللازمة.

               تَعِب معظم المتظاهرين من التظاهر، ولم يتعب أهل الحكم المتكبرون من محاولة استيعاب المتظاهرين بشتى الإغراءات والوعود، حينا، وبتخويفهم وتيئيسهم بالصدّ والقمع أو بالتجاهل، حينا آخر، ولم يتعبوا من البقاء سعداء وبصحة جيدة، كل الوقت، متربعين على عروش الحكم، لا تهزّهم ريح، ولا تخطر على بالهم أبدا فكرة الإعتذار أو الإستقالة، ولم يتعبوا من عقد الصفقات ومناقشة تقاسم العمولات وانتظار موافقة ورضى هذا الزعيم أو ذاك، وهذه الجهات الخارجية أو تلك، ولم يتعبوا من الإجترار السمج للشعارات الباهتة حول "المصلحة الوطنية العليا" و"الخطوط الحمراء" (أيْ أمن وراحة الساسة والدولة، لا الشعب)، الممنوع تخطيها، وللتصريحات والتحليلات والتعليقات الكاذبة العبثية المملّة عينِها. 

               المتظاهرون تحت شعارات عدة، قد تابعوا، رغم أن حماسهم قد خفّ كثيرا مع مرور الوقت، إسماع صوتهم وإثبات وجودهم، بين الفينة والفينة، متنقلين من مركز حكوميّ إلى آخر ومعتصمين أمام كل مركز، والشعب اللبناني، بأحزابه وتياراته ونقاباته، يراقب ويخاف أن يعلن تضامنه القوي والدائم معهم. إلى أين يمكن أن يفضي بهم التظاهر البطوليّ الذي يمارسونه بشكل متقطّع؟ لا أحد يعلم. ولكن، كعادتهم، يبدو أقطاب الحكم مرتاحين جدا، وغير قلقين من أي شيء.
 
               أجل، مهما يكن من أمر، إنها الثورة الوحيدة الممكن اعتمادها في النظام الديمقراطيّ، رغم خبث ودهاء وكيديّة وخداع المسؤولين المتكبرين. المتظاهرون، وهم من أبناء الشعب، قد لعبوا دورهم على أكمل وجه، وعلى قدر استطاعتهم وإمكانياتهم. لم يحدثوا تغييرا ثوريا تاريخيا، ولم يصنعوا المعجزات، ولكنهم قد سجّلوا مواقف مشرّفة، وكانوا مصدر إزعاج وقلق لبعض المسؤولين. لا شك أنه سوف يُذكَر تحرّكهم كشرارة أولى لإشعال روح الثورة الحقيقية القادمة في نفوس اللبنانيين، حين يتمّ (وها هو يتمّ اليوم في الشارع وفي بعض وسائل الإعلام) تأريخ هذه الحقبة من تاريخ لبنان، حتى ولو لم ينزل كل الشعب اللبناني من الأكثرية الصامتة إلى الشارع لينضمّ إليهم. 

               الحقيقة، هنا والآن، ينبغي أن تُقال، ولو لم يوافق عليها كثيرون، ربما، في الوقت الحاضر، وهي أن التظاهرات ضدّ تلكّؤ (أو عجز، أو رفض) اهل الحكم (الذين يتفاجأون دائما بحدوث المشاكل والأزمات، بسبب من أنانيتهم وقصر نظرهم وقلّة إهتمامهم) في إيجاد حلول لمشكلة النفايات، ولمشكلة سلسلة الرتب والرواتب، وكل التحرّكات البارحة واليوم ضدّ الضرائب والرسوم، والبطالة وغلاء المعيشة وتدنّي الأجور، وضدّ فساد الدولة وهدر مال الشعب وسرقته ونهب خزينته، في مشاريع تبرّع لجمعيات وهمية وأشياء أخرى تافهة في الحكم قد أبقى الساسة على بنودها في دراستهم لموازنة 2019، وفي مشاريع كهرباء فاشلة، ومشاريع بناء سدود وجرّ مياه غير مدروسة دراسة علمية، عقيمة ومؤذية للشعب وللبيئة، ومفيدة، ماليا، فقط، للساسة وفريق عملهم للإستثمارات، والتجنّي على العسكريين بقضم معاشاتهم وتعويضاتهم، إلخ...، أجل التظاهرات ليست مجرّد فورة غضب وصراخ، وعملية عبثية لا قيمة لها ولا فائدة منها، ما تلبث أن تهمد وتتلاشى، دون أن يتحقق شيء. إنها، دون مبالغة، ولأول مرة منذ الإستقلال حتى اليوم، إنعكاس حقيقيّ وتجسيد صادق قويّ لحالة كل الشعب اللبنانيّ النفسية الثائرة، غير الراضية عن الطبقة الحاكمة، رغم بقاء أكثريته الصامتة بعيدة عن التحرك، تتفرّج وتنتظر النتيجة، لعلها تقطف ثمار تعب المتظاهرين. وهي ظاهرة تستحق دراسة خاصة لتقييمها وإعطائها حق قدرها، كونها تشكل مثالا أعلى للتحرك الشعبيّ الراقي، الأبيّ، الشجاع، الهادف، الصبور، المخلص، وكونها سابقة مشرّفة، رائعة، مميّزة، لا مثيل لها في تاريخ الشعب اللبناني، المنفصل تاريخه الحاضر، كلّيّا، عن تاريخ الزعماء اللبنانيين الفاسدين، المخادعين، الفاشلين، الذين هم من "صُنعِ" جزء (هو أقل من نصف الشعب اللبناني) قد انتخبهم في صندوق الإقتراع لأسباب عائلية وطائفية ومالية، ولكنهم، بمعظمهم، لا يعيشون مع الشعب، ولا يعملون من أجل الشعب.

               فلنحافظ، معا وبقوّة، نحن، أبناء الشعب اللبناني، بأقليتنا التابعة للزعماء والفعّالة في رفعهم إلى عروش الحكم، وبأكثريتنا الصامتة غير المهتمّة وغير الفعّالة، على هذا الحقّ المقدّس، حق التظاهر السلميّ، وحقّ العصيان المدنيّ ورفض دفع الضرائب، وحقّ الإعتصام في الشوارع وفي البيوت، وحقّ تحقيق ثورة سلمية، إلى جانب الحفاظ، معا، وبقوة أيضا، على حقنا بالتعبير المسؤول، الحرّ، عن رأينا، في عالم الإعلام. 

               ولنعِ جيدا، ولنقرّ بصدق، بأننا، في لبنان، نعاني، شعبا وسياسيين، من مشكلة أخلاقية كبيرة في التعامل مع بعضنا البعض. نحن بحاجة ماسّة إلى معالجة هذه المشكلة، بالتربية والتوعية والحوار أوّلا، لأنها سبب فشلنا جميعا في بناء دولة القانون والمؤسّسات التي يتغنّى ويتشدّق بها كل طالب شهرة من الساسة وإعلامييهم وحلفاء المال، وسبب فشلنا في توعية الشعب اللبناني وتوحيده، واحترام وجوده وحقوقه، وتكوين رؤية واحدة لمستقبله والعمل يدا واحدة من أجل بناء هذا المستقبل، وفي خلق ثقة متبادلَة بين الشعب والحكام، وسبب فشلنا، بنوع خاص، في استحقاق إحترام الدول لوجودنا، ودورنا، ورسالتنا، وفي وقف استلشاقها بنا. 

               إنها، بادىء ذي بدء، ثورة أخلاقية فكرية روحية بإمتياز، يمكنها أن تسير، يدا بيد، مع ثورة الشارع السلمية إذا دعت الحاجة إليها، بعد تعطّل وفشل كل سبل ووسائل الحوار والنقاش والإقناع والمنطق والمناشدة والتنبيه والتحذير، من أجل إعادة المسؤولين المتكبرين إلى رشدهم، واستعادة الشعب، الضحية الدائمة لخياراته السياسية الخاطئة في صندوق الإقتراع، لحقوقه المهدورة، ولكرامته المسحوقة، ولإزدهاره الذابل، ولسعادته المسروقة.

               إن الثورة الأخلاقية والفكرية والروحية مَنوطَة بالأهل والمعلمين والمربين، وما تبقى من مفكرين ورجال دين وإعلاميين متحررين من سطوة أصحاب المال وأعداء الحقيقة والحرية، وما تبقّى من رجال سياسة أقوياء، أشراف، مخلصين، صادقين. إنها تبدأ بإعادة تحديد وإحياء المفاهيم الأخلاقية والروحية بمعناها الأصيل الحقيقيّ، وقد اختلطت، لقلة الصدق والجدية والإخلاص والوضوح، على عقول اللبنانيين، سياسيين وشعبا، وتحكّمت بعقولهم وأمزجتهم وسلوكهم بشكل سيّء جدا، فأضرّتهم جميعا، وأضعفتهم، وجعلت سائر الدول تستلشق بهم وبوطن إسمه لبنان. 

               مفهوم "الوطن الواحد"، مثلا، فقد قيمته ورونقه ومعناه، وصار عدة أوطان لعدة شعوب، ولعدة زعماء يشعلون نار الفتنة إذا مُسَّت كبرياؤهم وتعكّر مزاجهم أو فشلت تجارتهم وصفقات مشاريعهم السياسة والمالية، ثم يطفئونها، والشعب، الحطب السريع الإشتعال، يلملم، وحده، كالمعتاد، ضحاياه، ويداوي جراحه، ويمسح دموعه، ويجرّ أذيال أحزانه على دروب الحِداد والخيبة. 

               مفهوم "المصلحة الوطنية العليا" فقد صدقيته على لسان سياسيين مخادعين وإعلامييهم، لا تهمّهم إلا مصالحهم الخاصة الأنانية (مال، رخاء، عظمة، سلطة)، لا مصالح الشعب "العليا". بالنسبة لهم، هدر مال الشعب بشكل فاحش على اللبس الفخم وسيارات المواكبة والحراسة، والسفر والإستجمام، وعلى مشاريع نفط وكهرباء ومياه (ولا شيء يتحقق)، وأشياء أخرى كثيرة، أهمّ من تأمين وحماية أمن وصحة ودواء ورغيف ورفاهية المواطنين، وأهم من شراء وسائل فعالة لإطفاء الحرائق المتوَقَّعَة (أكانت مفتعَلة على يد إرهابيين مأجورين، عملاء للعدو الصهيوني العنصري الذي لن يغيّر أبدا طبيعته الحقودة والإرهابية، خاصة تجاه لبنان، أم طبيعية بسبب موجة الحرّ الشديد)، وأهم من نشر القوى الأمنية والجيش في كل الأراضي اللبنانية الموحشة دون وجود هذه القوى، لمنع المواطنين من مخالفة قوانين السير وحمايتهم من الحوادث القاتلة، ومن أعمال العنف، ولحمايتهم وحماية البيئة من خلايا الإرهاب النائمة في لبنان (تماما كما يحمون المراكز الحكومية وقصور وعائلات الساسة)، والمستعدة دائما لحرقه ببشره وحجره وشجره في غفلة من الزمن، هي، في الحقيقة، غفلة ساسة لبنان العتاق والجدد من ذوي الثراء الفاحش، الذين أفرزهم "إتفاق الطائف"، الغافلين تماما عما يجري حولهم، السكارى بالأمجاد والعظمة وبعبادة أنفسهم وآلهة المال، والذين يتفاجأون بالشعب، ويلومونه بغضب، ويستهزئون به، ويتهمونه بعدم التعاون لحل مشاكله، ويقمعونه دون رحمة، حين يجرؤ أن يتظاهر ويعترض ويصرخ ويحترق ويتوجّع من نار غلاء المعيشة وثقل الضرائب والرسوم والبطالة والتلوّث والأمراض، ويتفاجأون بأشجار لبنان وبيوته وشعبه حين تلتهمهم النيران، وبعدم وجود طائرات إطفاء جيّدة للإستعمال، فيلجأون إلى دول الخارج طلبا (أو بالأحرى إستجداءاً) للمساعدة.

                مفهوم "الشعب مصدر السلطات"، ومفهوم "صوت الشعب من صوت الله"، مفهومان جميلان جدا وواقعيان، تلوكهما ألسنة الكذب والنفاق والغدر، ويردِّدُهما، في العلن، و باستمرار، ممثلو الشعب، وهم، في حقيقة باطنهم الخبيث، يحتقرون الشعب.

               مفهوم "الإعتدال" و"التطرّف" قُلِبَ رأسا على عَقِب في لبنان: صار معنى الإعتدال أن تمشي في رَكب الدول  الغنية، المستقوية، المتسلطة، التي تريد أن تسيطر على العالم بقوة العنف والمال، والتي تظلم الشعوب وتخلق لها الحروب والمآسي، وصار التطرّف أن تكون مُقاوِما لهذه الدول الظالمة.

               ونضيف بعض المفاهيم المهمّة التي تحدّد علاقاتنا الإنسانية ومسلكيتنا، والتي قَلَبَ الإستعمالُ المخادعُ معانيَها رأسا على عَقِب: الخير والشر، الصداقة والعداوة، الأمانة والوفاء والخيانة، الحق والباطل، العدل والظلم، الصِّدق والكذب، الشجاعة والوقاحة والجبن.

               هذه المفاهيم للقِيَم السامية، هي الأساس المتين لبناء لبنان، كوطن رسالة لحضارة السلام والمحبة. لذلك ينبغي معرفة كيفية تدريسها في المدارس والجامعات بحسب معناها الحقيقيّ، ومعرفة التمييز بين القيمة الأخلاقية والروحية الصالحة ونقيضها، وينبغي تعميمها في وسائل الإعلام على جميع اللبنانيين، كل يوم، ومحاولة إقناعهم بجدوى وضرورة وعيها وفهمها وتبنّيها وممارستها بصدق وإخلاص وإيمان، من أجل خيرهم الأخلاقي والروحيّ والماديّ الخاص والعام، ومن أجل بناء جوّ من الثقة المتبادَلَة والمحبة والوحدة بين أفراد الشعب اللبناني، ستنعكس حتما، عاجلا أم آجلا، على السياسيين الغافلين عن هموم الشعب وحاجاته، إما إيجابا بالعدوى، وإما سَلبا بالإنتخابات النيابية حين يعرف الشعب كيف ومَن ولماذا يقترع أو لا يقترع، أو يقترع بورقة بيضاء، أو يقاطع الإنتخابات ويعلن العصيان المدني ويمتنع عن دفع الضرائب، بكل محبة، وبوعي وحرية كاملَين. 

               الثورة الأخلاقية الفكرية الروحية عمل جماعيّ جبار، بحاجة إلى مساهمة كل النّخب في المجتمع اللبنانيّ، وإلى المبادرة لِلَعِبِ دورها القياديّ في هذه الثورة الرائعة. لسنا هنا في وارد ادّعاء القدرة على تحقيق هذا المشروع، وحدنا. غير أننا نودّ بكل صدق، ونحاول بكل إخلاص وغَيرَة، هنا والآن، أن نلفت النظر إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي تتحكم بتفكير وتصرفات معظم أبناء الشعب والسياسيين، وتخلق جوّاً من النفور والتباعد وانعدام الثقة بين أبناء الوطن الواحد، فيتعثّر مشروع بناء "وطن الرسالة". 

               لعلّ في مزيد من التذكير مزيدا من العبرة، وفي مزيد من الإعادة مزيدا من الإفادة؟

               في لبنان، ما يزال بعض المخلصين من أبنائه "الساذجين" القلائل (ونحن، بكل تواضع وعلى قدر عزيمتنا ومساهمتنا، منهم) يحاولون، بوحي من رجائهم الصالح وإيمانهم القويّ بإله الخير والمحبة والرحمة والحكمة والقوة، خلق دور إنسانيّ و رسالة روحيّة مميَّزَيْن لشعب وطنهم المُستضعَف المعذَّب، في عالم مجنون، صاخب، يقوده أشرار، وتسوده شريعةٌ هي أسوأ بكثير من شريعة الغاب المعروفة في أدغال الحيوانات المفترسة، أجل في لبنان هذا، فلنلقِ نظرة أخرى على معاني بعض الكلمات التي يُكسِبها التعامل اليومي بين أبناء الشعب اللبناني، بكل طبقاته وتنوّعه، معانيَ خاصة، مناقضة ومشوّهة للمعاني الأصلية الصحيحة التي أقرّتها القواميس والمعاجم، وأعراف الأخلاق الحميدة:

               "الشطارة"، مثلا، وهي أخت "التذاكي"، تعني أن تكون داهية، لا بل، وفي جوّ منافسة شرسة، تافهة، عبثيّة، على كل شيء، أدهى وأقوى من الآخرين. لم تعد تعني الذكاء والقدرة على الخلق والإبداع وحلّ المشاكل واستباق حدوثها. 

               "الشطارة" تكمن في أن تكسب، مهما كانت مهنتك ووظيفتك، المال بكثرة وبكل الوسائل القانونية وغير القانونية، في الوطن وفي دول الخارج، لا من أجل أن تحيا في وطنك حياة كريمة قانعة مع أهلك وعائلتك وشركاء الوطن، بل من أجل أن تصبح ثريا عظيما، مفرطا في الثراء والعظمة، ومن أجل شراء القصور والسيارات والطائرات واليخوت، وشراء المراكز السياسية الحزبية والحكومية من زعماء الطوائف، ومن أجل السفر الدائم، والحفاظ على مكانة مرموقة في نظر أبناء الوطن وفي نظر حكومات العالم، بوحي من حِكَمٍ معروفة تغذّي الأنانية: معك قرش بتسوى قرش. ما حدا لحدا. ما حك جلدك إلا ظفرك. إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا.
  
               "الشطارة" هي في أن تتذاكى، وأنت تبتسم، بالكلام وبالحيلة، على "الآخر"، شريكك في "وطن الرسالة"، وأن لا تصغي، وأنت تصطنع الإصغاء، لما يقوله، وأن تتجاهله وأنت تفتعل الإنتباه، وأن لا تأمن جانبه وان تمنعه، دون أن يشعر بنواياك، من "اكل رأسك" (ما حدا بينعطى ريق حلو). 

               "الشطارة" هي في الطريقة الجنونية لقيادة السيارة أو الشاحنة أو الدرّاجة النارية على كل الطرقات وفي كل الأوقات، وفي خلق جوّ من حالة الطوارىء والإستعجال والمنافسة والسّباق والتحدّي والإزعاج والضجيج والرعب للناس وتعريضهم للخطر. 

               "الشطارة" هي في أن تقبل الرشوة يوم الإنتخاب ومن الفريقَين المتنافسَين في الوقت عينه، ولا تنتخب أحدا منهما (الشاطر ما يموت).

               "الشطارة" هي أن تعرف كيف ومتى تحفظ "سرّك" لحماية نفسك من "صيبة العين" والحسد (لا أحد يريد لك الخير)، وأن تتجنب قول الصدق (الكذب ملح الرجال)، و(لا أحد يستحق الثقة)، وتسمح لنفسك بممارسة نوع من الكذب يُسَمّى بال"الكذبة البيضاء".

               "الشطارة" هي أن تخالف قوانين السيرّ على مرأى من رجال الشرطة، وأن تكسر قوانين البناء بمعرفة وتواطؤ أهل القانون ورجال قوى الأمن، وأن يكون لك "ظهر" يحميك في الدولة، أو "واسطة" تجعلك لا تخاف ولا تستحي من أي ضبط مخالفة، أو من دخول السجن (الحبس للرجال)، و(يا ويلو يلّي ما عندو "واسطة" بهالبلد). 

               "الشطارة" هي، إن كنت نائبا عن الشعب في المجلس النيابيّ، أو وزيرا في الحكومة، أن يكون لك، أنت ورؤساؤك، "حصانة" تنقلك إلى مصاف الآلهة فجأة، فتُعفى من دفع الضرائب وتتركها للشعب وحده الذي تدعي محبته، وتكتسب مناعة ضدّ المحاكمة وضد السجن مهما فعلت، أكذبت على الشعب، أم سرقت ماله، أم خنته مع حكومات الخارج، ومرّغت كرامته في أوحال ومستنقعات البيع والشراء والصفقات والعمولات وتبييض الأموال، لبناء ثروتك الفاحشة ولإفقار الشعب.

               "الشطارة" هي أن تكون ذئبا لئلا تأكلك الذئاب، بحسب المثل الشائع، وان تقتني سلاحا (السلاح زينة الرجال) و(ما في دولة تحمينا بدنا نحمي حالنا) في أقبية بيتك أو قصرك أو قلعتك أو في الكهوف، لك ولعائلتك ولأقاربك ولحراسك ولطائفتك ولجيشك الصغير المدرَّب خير تدريب والمستعد دائما للنزول إلى الشارع، لا للمطالبة بحقوق الشعب، أو لمساعدة الجيش اللبناني في محاربة العدوّ الصهيوني والإرهابيين، بل لمجابهة سائر شركاء الوطن وكسر شوكتهم عند اللزوم، فتكتمل هكذا فيك صفات "الشطارة"، والذكاء، والعبقرية، والتحسّب والإحتساب، والفطنة، وبعد النظر، والقوة، والعمر الطويل.
 
              الأنانية، على سبيل المثال أيضا، التي ينتج عنها التعدي على حقوق الآخرين، لا تُعدّ عيبا، بل هي من ضروريات الحياة ومتطلبات تنازع البقاء، بلا رحمة. إن لم تكن أنانيا فأنت غبيّ.

               الكبرياء هي الدليل على قوة الشخصية وعظمتها، تفرض بها خوف الناس منك واحترامهم لك.

               خدمة الآخر هي تنازل كبير وصعب ومؤلم عن أنانية الشخص وكبريائه، خاصة عند السياسيين المُتوَقَّع منهم أن يلعبوا دور "خدام الشعب" لا أن يُنَصِّبوا أنفسهم آلهة عليه ويستعبدوه.

               التواضع هو ضعف وسخافة، وكذلك الرحمة، والمحبة، والعطاء.

               الإيمان بالله متروك لأهل الدين فقط، وهو لا يطعم خبزا (صوم وصلّي بتركبك القلة).

               الصدق دليل جهل وسذاجة، وكذلك الوفاء والبساطة وصفاء النيّة ونقاوة القلب. 

               هذه هي طريق الثورة الحقيقية الصامتة التي ينبغي سلوكها والتي لا تستطيع قوة على الأرض أن تمنعها: تصحيح المفاهيم الخاطئة للقِيَم الإنسانية السامية في ذهن الشعب والسياسيين، من أجل تصحيح العقليّة والسلوك الوطنيَّين وإنقاذ الوطن اللبناني من خطر حتميّة الإنحطاط الروحيّ والأخلاقيّ والفكريّ، إلى جانب الإنحطاط الإقتصادي، ومن الإنهيار والإندثار. إنها مسيرة صعبة ل"وطن الرسالة" لبنان، ولا خيار آخر له، إن أراد أبناؤه، حقا، الحياة الكريمة. 

               المسيرة بحاجة إلى قائد إستثنائيّ يكون قويّ الشخصية، رؤيويّا، حكيما، متواضعا، زاهدا بالمال والغنى وعروش المجد والعظمة، ذا حدس لا يخطىء، يستبق الأحداث قبل حدوثها ولا يتفاجأ بها، يحب شعبه ويحترمه، ويخطّط بواقعية لتحقيق وحدته وأمنه وازدهاره وكرامته وسعادته. 

               هل من قائد واحد، يا ترى، يحمل هذه الصفات، ليقود المسيرة بتصميم وشجاعة، حتى النهاية؟
 
               أين "النخب" الكثيرة في هذا الوطن، نخب الفكر والروح والإعلام والفنّ؟ أين ما يُسَمَّى ب"فاعليات" هذا الوطن؟ إنها موجودة، ولكنها مبعثرة، غير موحَّدَة، وهي، بمعظمها، غير متواضعة، تسعى إلى الشهرة وتحب الرئاسة والتقرّب من السياسيين وأصحاب المال.

               إن بذور المعرفة وبذور الثورة موجودة في باطن كل إنسان. ينبغي لهذه البذور أن تنموَ لتتحقق الثورة. ثورة الإنسان على نفسه، أولا، شرط أساسيّ لأية ثورة أخرى ضدّ الحكام إن كانوا ظالمين ومتكبرين ولا رجاء منهم. إنها تعني معرفته الصادقة لنفسه، وتعني تنمية هذه البذور من خلال تخطّي الإنسان الجريء لضعفه ونقصه وجهله وأخطائه بقوة الوعي والإرادة. يصبح الإنسان الثائر على نفسه باستمرار، طَلَبا للحرية والكمال، مستعدا، عند الضرورة القصوى، ليثور على كل أنواع الظلم، وليتظاهر في الشارع، وليعلن، مع شركاء الوطن، العصيان المدنيّ ورفض دفع الضرائب، بشكل مسالم متطهّر من الحقد والغضب، قدر الإمكان. 

                      إن لثورة الشارع السلمية حظا كبيرا بالنجاح، لا شكّ، إذا تسنّى لها أن تحرّكها روحية المفاهيم الصحيحة. دور النخب هو توعية وتربية الشعب والمسؤولين. إنها عملية دقيقة جدا تحتاج، ككل مشروع بِنَاء، خاصة بناء الإنسان، إلى شجاعة ودراية وتضحية ومجهود وصبر ووقت. كل إنسان يملك عقلا سليما هو، في نهاية الأمر، مسؤولٌ، ومدعوٌّ إلى تلبية نداء الثورة. على كلّ إنسان أن يسأل نفسه: 

               ماذا أستطيع أن أفعل لكي أَعِيَ أولا المفاهيم الصحيحة وأطبّقها على نفسي، ثم أساهم في نشرها بين شركاء الوطن؟

               بالتفكير والتأمّل، والقول والممارسة والمثال الصالح، تتم عملية إشعال ثورة الوعي والحرية الصامتة في نفوس أبناء الشعب. إنها ثورة سقراط: "إعرف نفسك". إنها ثورة المسيح: "إعرفوا الحق والحق يحرّركم". إنها الثورة الحقيقية المثالية، ثورة معرفة الإنسان ووعيه لقدراته النفسية والعقلية والروحية الهائلة، في سبيل التطوّر والنموّ على طريق الكمال، والتصميم القويّ على اكتشافها وتحقيقها في ذاته. إن ثورة معرفة الذات والحق تخوّل الإنسان المغامر، الشجاع، أن يُحَوِّل ذاته من طين كثيف، لزِج، مُعتِم، إلى نور شفّاف يفضح ويقاوم ويطرد ظلمات الظالمين والأشرار، ولا يخاف من أي شيء. إن روح الشهادة للحق تُسَيِّر هذا الإنسان الصادق النوراني المتفوّق، وروح العطاء وبذل الذات من أجل الآخرين حتى الإستشهاد.
  
               إنها ثورة صعبة لا شك، وتبدو، أحيانا، شبه مستحيلة، كونها لا تجذب إليها إلا القليل من الناس، من محبّي "الجهاد الأكبر" الحقيقي، الصامت، الصبور، ضدّ ضعف النفس ومحدوديتها وأهوائها. أجل، إنها الثورة التي تحتاج إلى قائد روحي وأخلاقيّ وفكريّ وسياسيّ إستثنائيّ ليقودها بحكمة وينير الدرب للآخرين، ويشدّد من عزيمتهم، ويضمن للثورة النجاح. إنها ثورة لا تستطيع أن تمنعها او تقوى عليها لا "القوة الخفية" الشريرة التي تتحكم بسياسة العالم، ولا أبالسة جحيمها وأتباعهم من سياسيّي الخداع والتدجيل والكذب والكبرياء والتسلّط والطغيان وعبادة المال.

               الثورة حلم جميل، غير أنه يصبح واقعا ملموسا بتضافر الجهود والمثابرة والصبر. جذور الصبر مُرّة، ولكنّ ثمارالصبر حلوة، كما يقول الفيلسوف اليونانيّ "أرسطو". فهل من يملك الشجاعة الكافية ليصبر على طعم المرارة في مغامرة ثورة الوعي والحرية الشيِّقة، المثيرة، على رجاء تذوّق حلاوة الإنتصار الأكيد في ساحة معركة الذات ضدّ الذات، وفي ساحة معركة الذات ضدّ حكم الأشرار؟ 

               أجل، إنه الإنتصار الحتميّ، إنتصار الحكمة على الجهل، والمحبّة على الحقد، والقوة على الضعف، والحق على الباطل، والتواضع والوداعة على الكبرياء والغرور، والخير على الشرّ، في لحظة تفجّر أنوار شموس الظهيرة، ظهيرة ذروة النضوج الولوهة، في نفوس الأبرار الأتقياء، الصادقين، الشجعان، الصابرين.

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه