بهدوء بعد ثورة...حيث يقعُ العبْء الأكبر في تحمُّل المسؤولية الوطنية على من حَمَى لبنان وعزَّز سيادته، ونعني بها المقاومة كأكبر وأهم حركة تحرير وطنية وعربية إسلامية، وهذا جعلنا نحن في إنفصام تام اليوم بعد إنتفاضة الشارع اللُّبناني كمحبِّين لها ومناصرين لقضاياها وقضايا الأمة، وتطلَّب منَّا ليس الصَّبر والهدوء بل الإستعجال الضروري لمناصرة الجياع والفقراء والثائرين رغم ما تحملناه من ضيق وإتهامات فاقت كل الحدود، لكن من مبدأ الحرص ومنع الإختراق لإستهداف المشروع الأسْمى، وسيبقى هذا الحرص ومعه الموقف في مناصرة قضايا الناس المحتاجة حتى لو أراد البعض رمْيَ التُّهم الجاهزة علينا بالعمالة والقبض من السفارات والخروج عن الطاعة...فهذا موقف ثابت أمام تحولات كبيرة يشهدها لبنان يبدو أنَّ البعض لم يقرأها جيداً ولا يريد البعض الآخر أن يقرأ حتى، وهذا شأنه ...

ومن باب الحرْص حتى لو كان قاسياً في الوصف الموضوعي، فإنَّك لا تستطيع أن تعقِد التسويات السياسية لحفظ المقاومة وحمايتها في لبنان(ونحن من أنصار هذا الحفظ) وتترك حيتان المال والسياسيين المتآمرين والمتعاملين كأدوات منفِّذة لأوامر البنك الدولي تنهَش في لحم المواطن الفقير لتُفْرِغ كلَّ ما في جيوبه وتُحْكِم عليه طوق الخِناق الإقتصادي وتبقى الناس فريسة سهلة أمام هؤلاء الذئاب في زيادات الضريبة والهندسات المالية المشبوهة وحماية السارقين، الى أبدِ الآبدين...

أما وقد إنتصر تقريباً مشروع المقاومة الذي دافعنا عنه بكلِّ جوارحنا بوجه المستعمرين الغربيين والأميركيين والصهاينة، هذا المشروع الذي أراد إستهداف إيران ودورها في دعم حركات المقاومة في المنطقة وسوريا ودورها الإقليميي ولبنان بتعزيز سيادته أمام أيِّ عدوان هَمَجي إسرائيلي، فكيف نحافظ على هذه الإنتصارات والإنجازات، خصوصاً في ظلِّ دور أمريكي متراجع ومأزوم وقوَّة صهيونية متآكلة ومكبَّلة أمام توازن الرَّدع للمقاومين في لبنان وغزة؟فلا بدَّ من تغيير النظام في لبنان والكفِّ عن التسويات التي كانت قائمة لأنَّ المعادلات في المنطقة قد تغيرت بالأساس لصالح المقاومة ودورها ووزنها وحضورها...

مالذي يمنع من تعزيز هذا الحراك الجماهيري الكبير الحاصل في لبنان والعابر للطوائف والمذاهب وهو المُريح دوما لحضور المقاومة وحفْظِ دورها الذي نريد حتى لا توضَع بين الحين والآخر في إطار الإستهداف المذهبي والتمايز الطائفي كما حصل منذ العام 2005 وما تَبِعَ ذلك؟

مالذي يضير في تعزيز منطق الدولة المدنية وتعزيز قانون الإنتخابات النسبي لبنان دائرة واحدة؟ اليست هي الطريقة لمنع تفجر الأزمات كل فترة زمنية قد تطول أو تقصر.. لماذا التصويب على الحراك وإنتفاضة الشعب الجائع وإختصاره على شكل رقاصة أو قنينة خمر أو موسيقى ترفيهية؟؟ ولماذ إختصاره(لهذا الحراك الشعبي) بشعار رفعه أحدهم هنا أو هناك فيه سبٌّ وشتائم- وهو أمر مرفوض طبعاً-وكأنَّ ثورة الناس على الظُّلم والقهر بمجاميعها البشرية لا تساوي شيئاً ولا كرامة لهؤلاء من هم في الشارع الذين يصرخون لخمسة عشر يوم ولا يستجاب لهم إلاَّ برمي الأكاذيب والتضليل والتُّهم الجاهزة بالعمالة والسفارات والقبض والأجندات الخارجية..أليس لهذه الناس والجموع من حقِّ في  بعض كرامة وعيش؟

كيف يصف بعض الموتورين بأنَّ هذا الحراك:

-في ساحة الشهداء هم مثْليين جنسيين وهيبيين وجمعيات إنسانية  ومدنية مشبوهة 

-في رياض الصلح مجرَّد يساريين ومتسلِّقين ومنتفعين يريدون مواقع في السُّلطة يساومون عليها

-في صيدا مجموعات قومية قد عفَّ عليها الزمن تريد إحياء الماضي

-في صور والنبطية وصور يساريين مرتبطين بأجندات وسفارات في الخارج

-في الشمال مجاميع مرتبطة بالإسلاميين والأجندة التركية
في الذوق وجل الديب هي مجاميع قواتية وكتائبية تُسوِّق للمشروع الإسرائيلي

-في عالية والشوف هي تجمُّعات لجنبلاط تريد تصفية حسابات سياسية

-في بعلبك الهرمل هي مجموعات لناس مطلوبين للقضاء ليس لهم أية أهمية....

أليست هذه هي حقيقة وصفهم  للناس التي نزلت إلى الشارع تصرخ جوعاً...؟؟ إنَّها مهزلة البعض من رموز النظام الطائفي الأحمق وإنتهت صلاحيته ووجب تنحيته ..

إنتفاضة تمَّ إتهامها أنَّها من دون قيادات أو رأي موحَّد وهذا صحيح،لأنَّنا اليوم في القرن الحادي والعشرين لسنا أمام ثورات مُؤَدْلَجة كما في القرن الماضي أيام لينين وعبدالناصر والإمام الخميني كأصحاب نظريات ثورية ورؤية واضحة، ففي ذلك الوقت تصحُّ الكاريزما الثورية، أما اليوم نحن أمام حراك جماهيري مطَّاط في العدد والمطالب وأسلوب التعامل، لأنَّنا أمام تطورات  هائلة ومخيفة في وسائل الإتصال والتواصل وتجميع الناس وتبادل الآراء..فزمن الجريدة أيام لينين كما حرص على وصولها الى أقاصي الأرض لم تعدْ اليوم وسيلة تحشيدية أمام الواتس أب والمعلومات السريعة المتنقلة، يجب التنبُّه لعدم الإضرار بالناس والوقوف عند مستويات وأنماط تفكيرها...بدل رمي التُّهم والنعوت التي لا تليق...

بالنسبة للنِّظام: يجب تغييره رويداً رويداً فكلُّ مطالب الجماهير تلخَّصت بعد معاناتها من حكومة أو سلطة فاسدة هي إسقاطها وهذا حقٌّ مقدَّس لها ومشروع، وتشكيل حكومة إنقاذ وطنية من أصحاب الكفاءات العالية لأن الحكومة السياسية في ظلِّ منطق المحاصصة الطائفي والمذهبي لا يأتي بأيِّ إصلاح، وبالتالي تبقى التجاذبات قائمة والناس تئنُّ تحت وطأة الظلم وزيادة الضرائب، والعمل على إسترجاع المال المنهوب وإقرار القوانين اللازمة سريعاً، مع قانون إنتخابي عصري نسبي لبنان دائرة واحدة، وبهذا يكون المدخل الأولي والأساس لعملية الإصلاحات السياسية والمالية والإقتصادية، وهذا هو دور قوى المقاومة التي ضحَّت وحَمَت وعزَّزت لبنان في الإستجابة سريعاً، حتى لا تبقى خارج أيِّ حسابات أمام الجماهير الجائعة والضائعة التي تبحث عمَّن يخلِّصها من أدوات البنوك المالية وسمسراتهم....

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه