تحديت دراسةٌ جديدة إحدى النظريات الأساسية المتعلقة بأصل الحياة على كوكب الأرض، والتي طرحها تشارلز داروين لأول مرة، والذي اقترح أن الحياة نشأت لأول مرة في بركٍ ضحلة من الماء.

ونجح الباحثون في جامعة كوليدج في لندن في إنشاء الخلايا الأولية في مياه البحر الساخنة والقلوية المشابهة للبيئات البحرية الموجودة بالقرب من مناطق تنفيس المياه الحرارية في أعماق البحار، مما يشير إلى أن الحياة الأرضية كان يمكن أن تبدأ في أعماق البحار والمياه العميقة بدلاً من برك الماء الضحلة كما توقعها داروين.

وصرح القائمين على الدراسة الجديدة: "هناك العديد من النظريات المتنافسة التي تطرح أسئلةً مثل أين وكيف بدأت الحياة، والمنافس المائية الحرارية تحت الماء هي من بين المواقع الواعدة لبدايات الحياة، حيث أن النتائج التي توصلنا إليها الآن تضيف وزناً لتلك النظرية مع أدلةٍ تجريبيةٍ قوية ايضاً تؤكدها".

وحاولت التجارب السابقة تكوين خلايا أولية دون جدوى، والتي تعتبر واحدةً من لبنات البناء الأساسية لتطور الحياة القائمة على الخلايا، ومع ذلك، فإن إنشاء خلايا أولية من جزيئاتٍ بسيطة بشكلٍ طبيعيٍ كان ناجحاً في المياه العذبة الأكثر برودة، وفي ظل ظروفٍ تجريبيةٍ محكومة الضبط، والتي انفصلت فيما بعد عندما تم تكرارها في بيئات مماثلة للتنفيسات الحرارية المائية في أعماق البحار.

وقال المؤلف الأول للدراسة الدكتور شون جوردان: "استخدمت جميع التجارب الأخرى عدداً صغيراً من أنواع الجزيئات لتشكيل الخلايا الأولية، وكان معظمها يحتوي على أحماض دهنية من نفس الحجم، بينما في البيئات الطبيعية، نتوقع أن نرى مجموعةً أكبر من الجزيئات والمختلفة عن بعضها البعض في حجمها وترتيبها وتوزيعها ".

وأوضح المؤلفون في كتاب "Nature Ecology & Evolution" أنهم كانوا قادرين على تكوين خلايا أولية يمكن أن تتجمع ذاتياً في بيئات تشبه المنافس الحرارية المائيةن وعلى وجه الخصوص، لم تعرقل الحرارة والملح والبيئة القلوية نمو تلك الخلايا، بل ساعدت في تحفيزها على الانقسام والتكاثر أيضاً.

وقال جوردان: "في تجاربنا، أنشأنا أحد المكونات الأساسية للحياة في ظل ظروف تعكس البيئات القديمة أكثر من العديد من الدراسات المختبرية الأخرى، وما زلنا لا نعرف من أين أو كيف تشكلت الحياة لأول مرة بشكل تام وواضح، لكن دراستنا تظهر أنه لا يمكنك استبعاد احتمال بدايتها في التنفيسات الحرارية في أعماق البحار".

كما توجد فتحات التنفيس الحرارية المحيطية في مواقعٍ عديدة حول العالم، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال التكنولوجيا المتقدمة، وهذه السمات البحرية هي فتحاتٌ تنفث المعادن من داخل القشرة الأرضية.

وعندما تتلامس مع مياه البحر المحيطة، تتفاعل هذه المعادن لتهيئة بيئة دافئة وغنية بالنيتروجين، والتي تراكمت عبر سنوات بفعل الرواسب المعدنية القادرة على امتصاص السوائل القلوية والحمضية.

توفر البيئة طاقةً ناضجة وملائمة للتفاعلات بين الهيدروجين وثاني أكسيد الكربون والتي يمكن أن تشكل مركباتٍ عضوية أكثر وأكثر تعقيداً.

بينما مع توسع معرفتنا بميزات تنفيس الطاقة الحرارية المائية في أعماق المحيطات، أصبح الباحثون يتقبلون إلى حدٍ كبير فكرة أن الحياة الأرضية بدأت في أعماق شديدة الحرارة لأعمق أجزاء المحيطات التاريخية.

وأحيت دراسة أخرى لعام 2017 فكرة داروين الأصلية، جالبةً معها العديد من المؤيدين والمعارضين، وكلا الطرفين لديهم حججهم الخاصة بهم، خاصةً أن الفتحات الحرارية المائية (التنفيسات) قد وجدت على كواكب أخرى في نظامنا الشمسي.

وأضاف الباحثون: "لقد وجدت البعثات الفضائية أدلةً على أن الأقمار الجليدية لكوكب المشتري وزحل قد يكون لها أيضاً فتحات تنفيس حرارية مائية كتلك الموجودة في بحارنا، وبينما لم نر أي دليل على وجود حياة على تلك الأقمار، وإذا كنا نريد العثور على حياة على كواكب أو أقمار أخرى، فإن الاستمرار وتطوير مثل هذه الدراسات يمكن أن يساعدنا حل العديد من الألغاز المتعلقة ببدايات الخلق والحياة".

المصدر: النهضة نيوز