ذكرت تقارير دولية أن الكشف الجديد من قبل المحكمة الفدرالية الامريكية عن تجسس السعودية على حسابات منتقديها ومعاريضها بطريقة غير قانونية يدل بما لا يدع مجالاً للشك على مقدرة السعودية على اسكات منتقديها، ونفوذها في هذا الصدد.

وتشير التقارير ان الاتهام بالتجسس على تويتر ليس سوى آخر الأخبار عن التطور المتزايد للآلية الوحشية التي انتهجتها العائلة الحاكمة منذ فترةٍ طويلة لإسكات وترهيب أي شخص تراه يقوض سلطة مؤسسة الملكية.

وذكرت التقارير أن الكشف الأخيرة يأتي في وقتٍ حساس، حيث لا تريد شركة النفط السعودية "أرامكو" المملوكة للدولة أي حدثٍ ينذر بعدم الاستقرار السياسي والذي قد يؤثر على سوق الأسهم ما قبل خطوة الاكتتاب العام، في حين شكك عددٌ من الأعضاء البارزين في العائلة المالكة في قدرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على القيادة، وذلك في أعقاب الهجمات الأخيرة على أكبر مصفاة نفط في المملكة في سبتمبر الماضي.

وتكثفت حملات الاختطاف والتهديدات في السنوات الأخيرة، مع صعود سلمان إلى السلطة وفرض سيطرته على المملكة، فعلى الصعيد المحلي، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش موجاتٍ من الاعتقالات الجماعية منذ أن أصبح بن سلمان ولي العهد في عام 2017، على الرغم من الإدانة الدولية للقتل الوحشي للصحفي المعارض جمال خاشقجي في أواخر عام 2018، ومحاولة لتغيير نظرة العالم نحو السعودية عن طريق تخفيف القيود المفروضة على النساء، ولكن خارج المملكة، وسعت المملكة العربية السعودية عمليات إسكات معارضيها من خلال وسائلٍ جديدة،

• تاريخ الاختفاء

على الرغم من أن تقطيع الصحفي خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول قد جذب انتباه العالم، إلا أن المملكة قامت بإخفاء العديد من منتقديها القاطنين خارج المملكة لفترة طويلةٍ.

ففي عام 1979 اختفى المعارض السعودي ناصر السعيد في بيروت، وفي عام 2003 ، زُعم أن سلطان بن تركي بن ​​عبد العزيز الناقد للنظام وهو أحد أفراد العائلة المالكة، قد تم تخديره في جنيف وتم نقله إلى الرياض، و بعد ذلك تمكن من الهروب إلى المنفى في أوروبا . وبحسب ما ورد فقد تم إغراؤه للصعود على متن طائرة سعودية مرةً أخرى في عام 2016، ولم يشاهد منذ ذلك الحين.

وقد نشر الأمير تركي بن ​​بندر مقاطع فيديو تدعو إلى الإصلاح من باريس بين عامي 2012 و 2015، لكنه اختفى أيضاً ولم يظهر بعد ذلك، كما حصل مع سعود بن سيف النصر، الذي كان يعيش في ميلانو وأيد دعواتٍ لإسقاط الملك سلمان.

• تقنية التجسس السعودية

الآن وقد جعلت وسائل التواصل الاجتماعي النقاش العام أكثر سهولة، وسّع النظام السعودي عملياته لترهيب وإسكات المستخدمين الصريحين المعارضين لحكم المملكة على مواقع التواصل الإجتماعي مثل يوتيوب وتويتر وفيسبوك، حيث تم استخدام برنامج مراقبة متطور لاختراق حسابات المنشقين وتهديدهم من أجل إسكاتهم.

ففي العام الماضي، تم اعتقال إخوة وأصدقاء الناشط السعودي المقيم في كندا عمر عبد العزيز، فيما اعتبره محاولةً لإجباره على الحد من انتقاداته الشعبية على الإنترنت، وبعد فترةٍ وجيزة، عَلم أن هاتفه قد تم اختراقه من خلال خدمة الرسائل المشفرة واتس أب من قبل مشغل مرتبط بالسعودية لبرنامج التجسس الإسرائيلي الحديث بيجاسوس.

اما الناقد يحيى عسيري المقيم في لندن، هما شريكان لجمال خاشقجي، حيث كان عسيري ومدون اليوتيوب غانم المصرير كانا أول من علما أن كاميرات الهواتف الخاصة بهما، والميكروفونات، وجهات الاتصال والرسائل الخاصة بهما كان يتم رصدها بصمتٍ من خلال البرنامج الإسرائيلي.

حتى أن سعود القحطاني، كبير المستشارين السابقين لمحمد بن سلمان، قام بالتغريد في عام 2017 بأن الحكومة لديها طرقٌ لإخفاء مستخدمي تويتر المجهولين وتتبعهم.

كما تم نشر الآلاف من حسابات تويتر وفيسبوك المزيفة في لحظاتٍ مهمة لتحويل الحالة السياسية لصالح الدولة و مضايقة المستخدمين الآخرين، وبينما حاولت كلتا الشركتين تعليق برامج التتبع وإغلاق الصفحات التي تقوم بالدعاية الحكومية، يقول الخبراء إنه من غير المرجح أن تؤثر عمليات التعليق على نشر المعلومات المضللة.

• تهديد تويتر

تبرز هذه الجهود والادعاءات الأخيرة بالاختراق السعودي لموقع تويتر، مدى التهديد الذي يراه النظام على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أن حوالي ثلث سكان البلاد البالغ عددهم 30 مليون شخص يستخدمون تويتر بنشاط، أصبح الموقع يعتبر المساحة الرئيسية في البلاد للمحادثة العامة والتعبير عن الرأي.

فعندما فرت رهف محمد من أولياء أمرها الذكور، وغردت للحصول على المساعدة من مطار بانكوك في وقتٍ سابق من هذا العام، زاد الاهتمام الذي تلقته عبر الإنترنت عبر ملف تعريفها الشخصي في صفحتها عبر تويتر، لدرجةٍ يكفي لمنحها حق اللجوء في كندا وإلحاق المزيد من الضرر بسمعة النظام بعد جريمة قتل خاشقجي.

وبينما حقق عددٌ أكبر من النساء مثل مها وفاء السبيعي نجاحاً مماثلاً في استخدام تويتر لطلب المساعدة، إلا أن طالبي اللجوء البارزين الآخرين مثل دينا علي السلوم الذين انتقدوا نظام الوصاية السعودي الذكوري كن أقل حظاً وفشلوا في تحقيق غايتهن.

فقد تم سجن الكثير من الناشطات في مجال حقوق المرأة داخل المملكة العربية السعودية، مثل لجين الهذلول، لمنعهن من محاولة مغادرة البلاد.

• الحرب النفسية

معطي منجب المحلل السياسي بجامعة الملك محمد الخامس بالرباط بالمغرب، قال إنه بينما كانت الدول الاستبدادية تسيطر على وسائل الإعلام التقليدية لفترة طويلة، فإن وصول وسائل التواصل الاجتماعي قد وضعت أنظمةً استبدادية مثل الملكية السعودية تحت ضغطٍ كبير وكشفتها أمام الرأي العالمي.

وقال منجب لوكالة DW الألمانية: "لقد أصبح من الواضح لهذه الدول الاستبدادية أنها لم تعد تسيطر على الرأي العام، خاصةً مع الارتفاع الكبير لمستخدمي هذه الشبكات الاجتماعية".

لكن بينما قال "إنه أصبح من المهم لهذه الدول أن تتحكم في هذه المنصات، إلا أنها حولتها لصالحها لجمع معلوماتٍ عن المنشقين والمعارض".

ويضيف: "هل يمكنك أن تتخيل شعور كونك جالساً في منزلك مع عائلتك، وعندما تقضي أوقاتك الحميمة، وأنت تعلم أنه من الممكن أن يتم مراقبتك والتجسس عليك؟".