في التاسع من يوليو عام 2016م، وفي سابقة من نوعها، حضر الأمير تركي بن ​​فيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، مظاهرة لجماعة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة للنظام، والتي دعت للإطاحة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. أعقب ذلك على الفور في 30 يوليو لقاء جرى في باريس بين مريم رجوي، زعيمة جماعة مجاهدي خلق، ومحمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية. سابقا في مارس من العام نفسه، قام الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدك)، الذي لم يحمل السلاح ضد إيران منذ ما يقرب من عشرين عامًا، بتمرد خشن ضد طهران، ما أدى إلى مناوشات دموية بين الحرس الثوري وقوات البشمركة الكردية في شمال غرب إيران. كل هذه الأحداث المتتابعة بشرت بعهد جديد في المواجهة بين طهران والرياض.

 

يُشار إلى هذا التصعيد المتنامي بين طهران والرياض "لعبة جيوسياسية عظيمة" جديدة. حيث يتنافس البلدان على التفوق الإقليمي الاستراتيجي لعقود من الزمن في منطقة تمتد من الخليج الفارسي إلى البحر المتوسط ​​والبحار العربية. وفي إطار هذه المنافسة تدعم القوتان جهات مختلفة في سوريا والعراق والبحرين ولبنان اليمن.

 

قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أعلنت الرياض خشيتها من "تصدير الثورة" الإيرانية، فدعمت -برغم الاختلافات الأيدولوجية- نظام البعث في العراق في حربه التي استمرت 8 سنوات ضد إيران، كما مولت حركات المجاهدين في أفغانستان وباكستان وعلى رأسها حركة طالبان، هادفة من ذلك دعم القوى المعارضة للثورة الإسلامية في إيران. بعد أحداث أبراج التجارة وشن الإدارة الأمريكية برئاسة بوش الابن حربا على العراق وأفغانستان، وبعد سقوط نظام صدام حسين وتداعي قوة طالبان، فقدت السعودية أهم "حلفائها" ضد إيران.

 

من جهة أخرى، فإن البرنامج النووي الإيراني كان بمثابة ضربة جديدة للنظام السعودي الذي ادعى أن القوة الشيعية الفارسية التي ستكون مزودة بالقنابل النووية من شأنها تغيير ترتيب القوة في المنطقة على حساب النظام العربي السني. كما حث السعوديون البيت الأبيض على "قطع رأس الأفعى"، ورحبوا بتشديد العقوبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة على إيران. ومع ذلك، فضل القادة السعوديون تجنب المواجهة المباشرة مع خصومهم في طهران.

 

وفي السنوات الأخيرة، بدت الثورة السورية ضد الأسد فرصة للرياض وحلفائها "للجم" إيران وتحجيم تمددها في المنطقة. فقامت بدعم وتمويل الحركات الجهادية السنية في سوريا لتشكيل جبهة لمواجهة الدولة السورية المدعومة وبقوة من طهران. كما سعت رفقة الدوحة والقاهرة وأنقرة لبناء تحالف سني لمواجهة التهديد الشيعي المزعوم. أما في اليمن، فقد بدأ الجيش السعودي في إجراء عمليات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين، مستخدمًا القوة الغاشمة لمواجهة "التهديد الإيراني في المنطقة".

 

يُذكر أن السياسة السعودية العدوانية تجاه إيران قد تؤدي في نهاية المطاف إلى خسائر فادحة سواء في المنطقة أو في المملكة نفسها. وتاريخيا، فإن هذه السياسة أتت بنتائج عكسية على المدى الطويل، كما حصل مع صدام حسين في العراق، حيث استثمر نظام البعث العراقي في الجماعات الإيرانية المعارضة بالإضافة للجماعات العرقية أو الانفصالية المتشددة. وكانت النتيجة النهائية هي سقوط النظام العراقي وتخلي حلفاؤه -كالسعودية- عنه. الأمر يبدو بالنسبة للسعودية الآن وكأن "التاريخ يعيد تكرار نفسه".