على أعتاب الأزمة الاقتصادية في دول اليورو العام 2008، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية بمأمنٍ منها، خاصة بعد بزوغ نجوم لقوى صاعدة كالصين والهند والبرازيل، بات واضحاً أن البحث عن مكمن القوة لم يعد في من يملك ترسانات عسكرية ضخمة أونووية بل شخصت الأنظار إلى حيث توجد الطاقة، ليبدأ السباق الدولي والإقليمي المحتد حول السيطرة على النفط والغاز خاصة في عالمنا العربي.

تنافس دولي

يشكل الغاز فعلياً مادة الطاقة الرئيسة في القرن الواحد والعشرين سواء من حيث البديل الطاقي لتراجع احتياطي النفط عالمياً أم من حيث الطاقة النظيفة، لذلك إن السيطرة على مناطق الغنية بالغاز في العالم تعتبر بالنسبة للقوى القديمة والحديثة أساس الصراع الدولي في تجلياته الإقليمية، فالغرب قرأ الخارطة جيدا، ليستطيع الإستثمار في المواقع الأضعف قرارا، لكن الأغنى بالموارد الطبيعية، فلغة العصر الحالية هي من يملك الطاقة، يملك القوة، ولتوضيح ما أرمي إليه، لقد تنبهت روسيا إلى ذلك فبدأت العمل على تأسيس لقوة جديدة بالتعاون مع الصين من خلال منظمة شنغهاي، تقوم على أساس النمو الاقتصادي والسيطرة على منابع الغاز، فلقد أسست لمشروعين أولهما هو مشروع السيل الجنوبي والآخر السيل الشمالي، وذلك لمواجهة مشروع نابوكو الأمريكي في البحر الأسود، وغاز أذربيجان.
مشروع نابوكو الأمريكي مركزه آسيا الوسطى والبحر الأسود، أما الموقع فهو في تركيا، وخط توجهه من الأخيرة إلى بلغاريا فرومانيا ثم هنغاريا فالتشيك وكرواتيا وسلوفينيا فإيطاليا، دونما اليونان آنذاك لأغراضٍ سياسية بين اليونان وتركيا.
أما المشروع الروسي السيل الشمالي والجنوبي، فالأول، ينتقل من روسيا إلى ألمانيا مباشرة، ومن فاينبرغ إلى ساسنيتز عبر بحر البلطيق، وأما السيل الجنوبي يمر من روسيا إلى البحر الأسود فبلغاريا ويتفرع إلى اليونان فجنوب إيطاليا وإلى هنغاريا فالنمسا.
من هنا كان لابد من طرق داعمة لهذه المشاريع، فكانت الخطة هي: الغاز الإيراني يمر في خط موازٍ لغاز جورجيا إلى تركيا، وأيضا غاز شرق المتوسط "سوريا ولبنان" وغاز فلسطين المحتلة الذي يسيطر عليه الكيان الصهيوني، وخط غاز الربع الخالي السعودي الذي لا طريق له إلا عبر سوريا، وأما القطري فلا طريق له نحو أوروبا إلا سورية أيضاً، فبهذه الطريقة ظنت الإدارة الأمريكية أنها سيطرت على طرق الإمداد من شرقها إلى غربها، وأن الإستحواذ بات قاب قوسين أو أدنى، لكن وقف في وجهه مشاريع لم تكن في صدارة المشهد، فلقد إتخذت طهران قرار ووقعته في العام 2011 لنقل الغاز عبر العراق إلى سوريا، وبالتالي تصبح سوريا هي بؤرة منطقة التجميع والإنتاج بالتعاون مع الاحتياطي اللبناني، وهو فضاء استراتيجي – طاقوي يُفتح لأول مرة جغرافياً من إيران إلى العراق إلى سوريا فلبنان. 

الغاز العربي

وقفت الولايات المتحدة الأمريكية سدا منيعا في وجه المشروع الإيراني، وإعتبرته من المحظورات، ولا يمكن أن تسمح به تحت أي عنوان، الأمر الذي يفسر حجم الصراع على سوريا ولبنان والعراق في هذه المرحلة وبروز دور لفرنسا التي تعتبر منطقة شرق المتوسط منطقة نفوذ تاريخية ومصالح، وهو دور ينسجم مع طبيعة الغياب الفرنسي منذ الحرب العالمية الثانية ما يعني أن فرنسا تريد أن يكون لها دور في الإستحواذ على الغاز، إلى جانب الدور الحالي الذي تلعبه في ليبيا وفي القارة الأفريقية اليوم.
فمع بدء الكيان الصهيوني استخراج النفط والغاز في العام 2009، أصبح جليا أن منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط منطقة غنية بهذه المصادر، والإستحواذ عليه يكون إما بحرب أو سلام دائم، فبحسب المعلومات يعتبر حوض البحر المتوسط هو الأغنى عالميا حيث يؤكد معهد واشنطن أن سوريا ستكون الدولة الأغنى وأن الصراع بين تركيا وقبرص سيستعر نظراً لعدم قدرة أنقرة على تحمل خسارتها لغاز نابوكو. فمن ملك سوريا سيملك الشرق الأوسط، وبوابة آسيا وطريق الحرير، من هذا المدخل رفضت سوريا حينها الإغراءات والعروض المقدمة وكانت الحرب المستمرة إلى يومنا هذا.

حرب الغاز

وضع الخطوط العريضة لهذه الحرب، نائب الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ديك تشيني ما بين "2000- 2008"، بمواجهة القوتين الصاعدتين روسيا والصين، قد خلُص ديك تشيني منذ وقت باكر إلى أن إمدادات الطاقة العالمية لم تكن تنمو بالشكل المطلوب لكي تغطي احتياجات العالم المتزايدة وأن ضمان التحكم بما تبقى من إمدادات النفط والغاز الطبيعي سيكون مهمة أساسية لأية دولة تسعى إلى الحصول على موقع متقدم عالميا، فقد فهم أن ارتقاء الأمة يمكن أن تحبطه عدم القدرة على الوصول إلى إمدادات الطاقة. حيث أن جيوسياسة النفط تكمن في جوهر العلاقات الدولية وتحدد بشكل كبير صعود وهبوط الأمم. وهكذا تم وضع الخطة. فمن بين الأهداف لخطة تشيني هي السيطرة على تدفق النفط عبر الخليج العربي فكان السبب الرئيس لشن حرب الخليج الأولى وغزو العراق عام 2003 للتحكم بوريد نفط الشرق الأوسط، ضمان التحكم بالممرات البحرية من مضيق هرمز في مدخل الخليج الفارسي، عبر المحيط الهندي وصولاً إلى مضيق ملقا وانتهاء ببحر الصين الجنوبي والشرقي.
من هنا، نفهم أسباب الإستهدافات في محيط هرمز من ناقلات نفط وغيرها، وطلب لوجود ناتو بحري لحماية الناقلات، ومن هنا نفهم الحرب على اليمن وسوريا والعراق وحتى ما بات يعرق بثورات الربيع العربي كلها تتماهى مع خطة تشيني لوضع يد الغرب على المنطقة تحت ذرائع مختلفة، الخطر الإيراني، او الحريات والديمقراطيات أو أو أو، فعبر السعي إلى تحقيق هذه الأهداف الجيوسياسية التقليدية كان هناك دفع نحو تعزيز الوجود البحري للولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادي وإنشاء شبكة من التحالفات العسكرية التي تربط اليابان وأستراليا والهند، وكلها كانت تهدف إلى احتواء الصين. وتم اعتبار روسيا كمنافس جيوسياسي وسعي إلى الاستفادة من كل فرصة من أجل تقليص قوتها ونفوذها، حيث كان يخشى على وجه الخصوص من اعتماد أوروبا المتنامي على الغاز الطبيعي الروسي الذي يمكن أن يقوض من عزمها على مقاومة التحركات الروسية في أوروبا الشرقية والقوقاز.

قطع الطريق

بحسب الفورين بوليسي فإن التنافس يتعلق بخط الأنابيب الثابت الذي سيشكل ممرا للغاز، وما إذا كان سيحتاج إلى اجتياز سوريا قبل أن يتوجه إلى اليونان وبقية دول أوروبا. كما أن الغاز قد أطاح بمشروع الأميركيين (غاز بابوكو) وثبت مشروعي السيل الشمالي والجنوبي الروسيين مع ما يضاف لهما من استثمارات في شرق المتوسط كأولوية على حساب الأميركيين والغرب. حيث لا يستثمر الأميركيون إلا مع الكيان الصهيوني وقبرص لاهثين وراء الغاز والنفط اللبنانيين بعد ضياع فرصة الغاز السوري، إلا أن اللافت أن دمشق كانت قد أرسلت رسائل بإستعدادها لتمرير الغاز السعودي والإيراني ومن محيط روسيا للبحر المتوسط، وألا تقطع الطريق أمام التعاون مع تركيا، أما فيما يتعلق بالغاز القطري، فهو مرفوض وليس في أجندة الدولة السورية، ما يفسر حجم الضخ على سوريا لإسقاطها، فلقد أفشلت مشاريع عالمية ما كانت لتفشل لولا مقاومة ومناهضة هذا الإستعمار على طاقات ومقدرات الشعوب.

من هنا، إن من يملك الغاز والنفط، يملك النفوذ والهيمنة، فهو عصب الحروب المتنقلة من بلد إلى آخر، وبملاحظة بسيطة نرى أن إشتعال دول بعينها يؤكد حقيقة ما نرمي إليه، فالغاز ورقة قوي كما قالها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، وثقل في الشرق الأوسط، فكيف نقف في وجه هذا النوع من الإستعمار؟

إن سياسة الغرب عملت ولا تزال تعمل على نقل صراعاتها إلى بلادنا، لأن مشيئة الله أرادت أن نكون من ضمن الدول الغنية بمصادر الطاقة، فكان لا بد إشغال الشعوب وإنهاكها إما بتصدير ثقافات الغرب أو ثورات بعيدة كل البعد عن معناها الرمزي، فجلبت لنا أعاصير لا تشبه يوما من أيام الربيع، وهنا يأتي دورنا، إن لم نتعظ ونتيقظ سنخسر كل شيء وسنستمر بتقديم الخسائر، فأنظمتنا في البعض منها مخترقة، وهنا يأتي دور المفكرين والمسؤولين من خلال إحداث ثورة فكرية تجمع المؤيد والمعارض وتعزز آلية الحوار تعالج قضايانا من خلال المصارحة لا فرض الرأي وتقديم رؤى وفتح مراكز تُعنى بتقديم مشاريع تعود بالفائدة على الجميع، وهنا لفت نظري أمرا، لماذا عندما تم فتح معبر القائم – البوكمال بين سوريا والعراق، بدأت الإحتجاجات، ولماذا عندما أعلن الرئيس اللبناني ميشال عون الإستثمار في بحر لبنان وإستخراج الغاز، إرتفعت مطالب البعض لما خرج عن عفويته، ملاحظات كثيرة يجب التنبه لها، فجميعنا نرغب بالإنفتاح والدولة المدينة، لكم من خلال سيادة القانون لا الفوضى ومن خلال التنمية والإصلاح والتعليم النوعي لا المعلّب عن صراعات لا تثمر في أيامنا هذه، فلا خطأ ان نستفيد من ثورات الآخرين كالثورة الروسية والفرنسية وحتى من علماء التنوير، لنوقف التربص والطمع ببلادنا، فلقد إكتفينا قتلا ودماً وتهجيرا، إكتفينا ألماً وحروب وصراعات.
إذاً، ليس كافٍ أن ننتمي إلى محور معين وإن كان محور المقاومة، فلا يكفي أن تكون أوطاننا مليئة بالمخزون الطاقوي، لكن ماذا عن مطالب الشعوب وإكتفائها الذاتي ومن ثم المصالح الإقليمية، وهنا يجب ألا نفصل بين مصلحة الشعب لأي بلد كان مع المصلحة العامة العربية، فالشعوب شريكة بكل شيء، وباتت التصريحات اليوم لا تحقق أهدافها مالم يتم ربطها بالعمل الجدّي وتسخير الطاقات نحو المشروع الأعظم لصد أي عدوان، فكلنا ملزمون بما يتوجب علينا وإنطلاقا من المصلحة العامة وإسقاطها على المصلحة الخاصة لأي شعب، فخروج الشباب الثائر يعني أن مرحلة جديدة يريد تحقيقها وهذا ما يقع على عاتق المسؤول أو سيخسر قاعدة جماهيرية وشعبية كبيرة له. ولننظر إلى الغرف المغلقة سواء واشنطن أو داخل الكيان الصهيوني، فهما لا يتوقفان عن تحليل الصغيرة قبل الكبيرة، خلية نحل دائمة العمل، لقد إستباحوا أوطانا وشردوا شعوبا ودمروا بلادا في سبيل ماذا؟
في سبيل نهضة أمتهم، فحال الأمة اليوم أن من يريد أن يتصدر أي مشهد سياسي ويتحدث باسم المستضعفين دون تقديم حلول فلا طائل من ذلك، لقد بلغ السيل الزبى وإلا لما رفض هؤلاء الشباب العودة إلا أن تتحقق مطالبهم، فعلينا التعلم والإستفادة حتى وإن كان من الأعداء قبل الأصدقاء، ولا أستثني أحدا، كل دولنا ملّت اللغات الخشبية والوعود المهملة في الأدراج، فالجميع وضع ثقته بزعيمٍ ما وعليه أن يكافئ شعبه لا أن يظلمه، فالظلم وقع، ودورك أيها المسؤول تدارك ما أمكن قبل فوات الأوان.
فخلاصة القول، إن طبيعة منطقتنا العربية لها طابعها الخاص ورزقها الخاص وعادتها وتقاليدها التي لا تجدها في أي مكانٍ في العالم، فمشروعنا اليوم، هو مشروع أمة ولطالما كررت أنّ يد الله مع الجماعة، دائما يجب أن نغلب المصلحة العامة على الموجهة لقومية ما أو جهة ما، فأي جهة كانت حينما تقود مشروع أمة يؤمن العدالة الاجتماعية للإنسان قبل أي شيء آخر، ويخدم فيه البشرية جمعاء، فالبشر هم خلفاء الله تعالى على الأرض، لبناء هذه الأرض وهذا ما نصبو إليه، من خلال تعميم ثقافة البناء فببناء الإنسان تبنى الأوطان، فما هي الفائدة إن شيدت بلدا كاملا من الذهب ويحيط بي شعوب فقيرة؟
فالمشروع القرآني هو مشروع إنساني يحتوي الجميع، لأن الله سبحانه وتعالى لم يخصص بل وجه كتابه العزيز إلى كل إنسان، فالبناء الاقتصادي مشروع تكاملي لا يمكن بناءه بدون الإنسان.
قال تعالى: " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، فسبحانه وتعالى وضع ثقته بعباده، ولابد أن ينتصر الحق بإنطلاق مشروع الإنسان ليعمر الاقتصاد والبناء وتزخر الحضارة بما ينفع الجميع
أنتم أيها النُخب، أتوجه إليكم، أن تكونوا عوناً للشباب العربي قبل أن يضيع، أن تسمعوه وتحتضنوه وتحثوه على الإبتكار، فلنتساعد ونتعاون لننهض بواقع قوي يقف في وجد المد العالمي نحو بلادنا، فنحن مع تشجيع الإستثمارات لكن بشروطنا نحن، لا كما يرغب الغرب، فبلادنا أمانة في أعناقنا، فلنقاوم ونعلّم ونربي أجيالا تكون سدّاً منيعا في وجه مخططاتهم، فلا أحد يريد لنا خيرا، فلنكن نحن خير أمة خرجت إلى الناس ووقفت إلى جانبها.

من هنا، إن من يملك الغاز والنفط، يملك النفوذ والهيمنة، فهو عصب الحروب المتنقلة من بلد إلى آخر، وبملاحظة بسيطة نرى أن إشتعال دول بعينها يؤكد حقيقة ما نرمي إليه، فالغاز ورقة قوي كما قالها الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، وثقل في الشرق الأوسط، فكيف نقف في وجه هذا النوع من الإستعمار؟

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه