لم يعرف أبداً الشعب اللبناني، في تاريخه القديم والحديث، إستقلالا كاملا حقيقيا، إنما خَبِرَ مجموعة استقلالات مؤقتة، قصيرة الأمد، بين غزوة وغزوة لهذه الأرض، وبين احتلال واحتلال لها. وكان بعض اللبنانيين يسكرون بوهم هذه الإستقلالات الوهمية، المؤقتة (إستقلالات طائفية و/أو وطنية)، خاصة بعد نيل الإستقلال رسميا في 22 تشرين الثاني، 1943.

إننا، بمعظمنا، ساسة وشعبا، ما نزال، حتى اليوم، نحاول أن نوهم أنفسنا (ولو بعكس اقتناعنا)، ونحن نحيي، دون حماس كبير، ذكرى استقلالنا، بأننا أحرارٌ، من باب العنفوان الطائفي والتاريخيّ والحفاظ على اللياقة الإجتماعية والوطنية، وخوفا على البنية الطائفية المتفسّخة للبنان من الإنهيار التام، في غياب بديل جيّد لها. 

إننا نتجنّب الإعتراف والإقرار بأننا ما زلنا في طور الإستحقاق لإستقلال مصطنع، مرهون لمشيئة دول إنتداب ووصاية متعاقبة، قد أُعطِيَ لنا على طبق من فضّة في لحظة تاريخية غير ناضجة شعبيا وسياسيا، ونتجنّب أن نعيَ الوعي الكامل بأننا لا نستطيع أن نحقق ونستحق إستقلالنا وسيادتنا وحريتنا، إلا بقدر ما نجاهد، معا، بالنية والفكر واللسان واليد، ضدّ كلّ من يقتل شعبنا ويدمّر مدننا وقرانا، ويحتلّ ليس فقط أرضنا ويسرق مواردها وخيراتها ويحرق أشجارها وزرعها ويلوّث أجواءنا ومياهنا، ويقطع أرزاقنا ويأكل جنى عمرنا ويحتقر كرامتنا ويستغلّ عرق جبيننا، بل ضدّ كل من يحاول أن يحتلّ ارادتنا الوطنية ويفرّقنا ويفقرنا ويعاقبنا ويذلّنا، من دول متكبرة، متسلّطة، مستقوية، عنصرية، وساسة وزعماء طوائف يسهّلون لهذه الدول مخططاتها الخبيثة، الشريرة، ويسيؤون تدبير شؤون أبناء الوطن، ويفتقرون إلى روح الصدق والإخلاص والنزاهة والأمانة والتواضع والحكمة والخدمة، تتحكّم بهم نزعة قوية إلى حبّ المال والذهب والماس والثراء والعظمة، لا إلى حبّ الوطن.

نحن، اليوم، ككل سنة، نحتفل بذكرى الإستقلال من جديد، بعد 76 سنة على ولادته. هل يسألْ كلُّ لبنانيّ نفسه:

هل أنا مستقلّ وحرّ؟

هل وطني لبنان، بكل طوائفه او عائلاته الروحية، مستقل، سيد، حر.

هل أنا صاحب قراري ومصيري من خلال من انتخبتهم ليمثلّوني في الحكم، وليعملوا (وهم لم يعملوا ولم يحققوا، في الحقيقة، شيئا، ولم يبرعوا إلا بخداعي وسرقتي وإفقاري وإفلاسي وتكثير ثرواتهم الفاحشة على حسابي) من أجل حمايتي ضدّ التدخلات الغريبة المتواصلة، منذ الإستقلال حتى اليوم، في شؤون الشعب اللبناني، وضدّ الفقر والجوع والعوز والفتن والتفرقة والجهل والطائفية والتعصّب والمرض والتلوّث والبطالة والهجرة والموت المبكر والأزمات والفراغات الحكومية الموسميّة، المُفتَعَلَة، العبثية؟ 

كثيرون، اليوم، بعكس الأمس، وقد تنامى وعي الشعب لحقوقه وقوِيَتْ جرأته على المطالبة بها في الإعلام وفي الشارع (بقطع النظر، هنا، عن تدخل بعض الجهات الداخلية والخارجية الخبيثة محاولة إفساد براءة وعفوية الشعب الفقير الموجوع بتمويل وتوجيه وإطالة حراكه ضد ظلم الحكم)، بشكل متواصل، ملحّ، ملفت جدا، أجل، كثيرون يجرؤون على القول: لا! 

كثيرون، اليوم، يجرؤون على لفظ هذه الكلمات: إن وطني غير مستقل وغير حرّ وغير سيّد على نفسه وغير مزدهر وغير سعيد. 

الحقيقة أن اللبنانيين ليسوا بالغباء الذي يجعلهم يصرخون باقتناع كامل وبصوت واحد: نعم، نحن مستقلون، نحن أحرار، نحن أسياد على أنفسنا. ربما نجد أن  بعضهم، مراعاةً لشعور وكرامة زعماء طوائفهم، يحاولون التستير على تقصير هؤلاء الهائل، المعيب، في بناء وطن موحَّد، مستقل، سيّد، حرّ، مزدهر، سعيد. وإن قالوا شيئا، فإنهم يقولونه همسا في سرّهم. 

إن الذين يجرؤون على التعبير عن رأيهم، يكرِّرون، علنا لا في سرّهم، كل سنة، في مثل هذا اليوم، ومنذ "إتفاق الطائف"، التسمية التالية: إنه عيد الإستغلال (إستغلال الساسة للشعب)، لا الإستقلال.

كلنا نفهم الأوضاع السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية المأساوية المحزنة والمقلقة، التي عاشها أجدادنا وآباؤنا قبل الإستقلال وبعده، بشكل شبه متواصل، مرهِق، والتي ما نزال نعاني منها حتى اليوم، والتي أجبرت معظم أبناء الشعب اللبناني الفقراء، كلما سَنَحَتْ لهم الفرصة، على الهجرة.

وكلنا نفهم أنه لا ينبغي التهكّم والإستلشاق والمزاح في الأشياء التي تعني كرامتنا وتاريخنا ووجودنا ومصيرنا وعنفواننا الوطني والقومي.

علينا، في هذا اليوم، أن نقبل، أو نحاول، على الأقل، أن نقبل، ولو بشيء من السذاجة والرضوخ، لا بأس، ولكن بملء إرادتنا ووعينا وتواضعنا، ودون غضب وحقد وسخرية، ورغم كل قهرنا وحزننا وعذابنا وعدم قدرتنا على التصفيق والإبتسام والفرح (والشعب يثور ويصرخ من الظلم والفاقة والألم)، ورغم عدم اقتناعنا بتكاليفها وجدواها وفائدتها، بكل تقاليد الزينة والإستعراضات والطقوس والأناشيد والشعائر الوطنية وتبادل التهاني بين الساسة وقادة الجيش وقوى الأمن ورؤساء الطوائف و"الفاعليات" والنخب اللبنانية على أنواعها، وتلقّي المسؤولين التهاني من رؤساء الدول.

علينا، بالمبدأ، أن نحترم تلك التقاليد ، ونعلّم اولادنا على احترامها، أقرّرَ المسؤولون إقامتها كالعادة، أم لم يقرّروا بسبب الحالة الشعبية الغاضبة، المتوترة، الصعبة، غير الملائمة، والتي خضعت، إثر تفجّرها العفوي والبريء في بدايته، لتحريك وتوجيه وسطوة ومزاج ومصالح زعماء الطوائف المرتبطين، بمعظمهم، ودون خجل أو خوف، إرتباطا وثيقا، مذلًّا، بمال وسياسة وتوجيهات بعض حكومات الخارج الخبيثة، التي تزرع الفتن بين أبناء الشعب الواحد وتفرض العقوبات المالية على كل من لا يمتثل لأوامرها، والتي لا تريد الخير (سيادة، حرية، إستقلال، وحدة، إزدهار) للشعب اللبناني إلا تحت نير الخضوع لها وللكيان العنصري في أرض فلسطين.

وعلينا، مهما بدا الأمر غريبا، اليوم (لا بأس من التكرار، هنا والآن)، والشعب في ذروة قرفه وبؤسه وغضبه، ورغم محاولة تحريك وإستغلال ثورته من قبل بعض ساسة الداخل ودول الخارج)، أن نحترم الساسة والزعماء، العتاق والجدد، رغم ملامتنا الشديدة لمعظمهم على إخلالهم الدائم بوعودهم في خدمة الشعب وتوحيده، وإصرارهم العجيب على إفقاره وإضعافه وتشتيته وإذلاله وكأنهم لا يدرون ماذا يفعلون، وعلى انهماكهم المهووس، المريض، الدائم، بتكديس المال وتجميع الأملاك والرجال والسلاح (لا لمقاومة العدوّ الصهيوني، إنما لمحاربة بعضهم البعض واستعمال أبناء طوائفهم كوقود لحروبهم الداخلية، ولحماية وجودهم وعروشهم وثرواتهم)، وعلى ارتباطهم المالي والسياسي المخزي والمكشوف بحكومات الخارج ولو ضدّ صالح الشعب اللبناني ووحدته وازدهاره وسعادته.

وعلينا، حبّا بالحقيقة والوطن، بمحاسبة الساسة الفاسدين، عَلَناً، ومن خلال قضاء نزيه، حرّ، على هدرهم وسرقتهم لمال الشعب وتجاوزهم وكسرهم للقوانين، وعلى تماديهم، بإسم حصانتهم، في ارتكاب الأخطاء المميتة بحقّ الشعب، وعلينا بأخذ القرار الشجاع، الحاسم، بعدم انتخابهم مرة أخرى، وعلى ممارسة حسن الإختيار لممثلين صالحين لنا في الحكم، في الإنتخابات القادمة (مع الإحتفاظ الدائم بحق وواجب التعبير الواعي الحرّ، المسؤول، عن الرأي، والتظاهر السلمي والعصيان حين تدعو الضرورة إلى ذلك).

وعلينا، أيضا، وبنوع خاص، (وقبل فضح ومحاسبة سياسيينا الفاسدين والمقصرين في مجال خدمتنا وحمايتنا في الإعلام وفي اعتصامات الشارع وأمام القضاء) ألّا نتهرّب، نحن، من محاسبة أنفسنا، حبًّا بالحقيقة والوطن، وأن نقبل، بكل تواضع وجدية، أن نحمل جزءا كبيرا من مسؤولية كلّ ما وصلنا إليه من أوضاع سيئة، صعبة، اليوم، بسبب من انتخابنا المتكرر (بإسم العائلة والدين والطائفة والمال والمصلحة الشخصية) لنواب غير أوفياء وغير مخلصين للوطن، وأن نبذل الجهد الكافي من أجل فهم ووعي معنى الحكمة القائلة "كما تكونون يُوَلَّى عليكم"، ومعنى الحكمة الأخرى القائلة "لا يغيّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

وعلينا ان نعود إلى نشيدنا الوطنيّ وندرسه ونحييه من جديد، بالمقارنة مع كل أناشيد الشعوب الوطنية، لنكتشفَ، من جديد، معانيَه السامية، الفريدة، ولنكتشفَ، أيضا، أنه، ودون أية مبالغة، أجمل نشيد على الإطلاق. فَلْنُلَقِّنْهُ، إذاً، لأولادنا، في العائلة وفي المدارس، ولنُطبِّقْه في حياتنا اليومية من خلال سلوكنا تجاه شركاء الوطن. ولْنُنَمِّ، في نفوسنا، لا حبَّ وطنٍ مبهمٍ إسمه "لبنان"، بل حبَّ أرض فريدة بتكوينها وجمالها، خصيبة معطاء، مقدسة، وحبَّ شعب طيّب، مقاوم، قد قدّم الشهداءَ الأبرار من أجل حريته وكرامته واستقلاله في وجه الطغاة، ومن أجل الحفاظ على وجوده وتراثٍه الروحيّ والفكريّ والفنّيّ الغنيّ والثمين جدا، شعب يحمل رسالة سلام ومحبة وحضارة إنسانية راقية في عالم متكبّر، مُلحِد، مجنون، عنيف، مضطرب.

وعلينا أن نقدّر ونحترم وندعم جيشنا الوفيّ، دائما، ونشكره على كل تضحياته الجسام في سبيل الدفاع عن الوطن، وعلينا أن نثمِّن عمله الدؤوب في سبيل  الحفاظ على الأمن والوئام بين اللبنانيين.

وعلينا ألّا ننسى المقاومة التي أعطتْ الإستقلالَ، بالتعاون والتنسيق مع الجيش، بصمت ودون مِنّة، قيمةً ومعنًى لم نعرفهما من قبل، وأصبح لبنان، بفضل سرّيّتها وقوّتها عدّة وعددا، وبفضل تضحياتها وشهدائها وجرحاها وإنجازاتها في مواجهة العدوّ الصهيوني وإرهابيّيه، وطنا مُستَهاباً، يُحْسَبُ له ألف حساب، وينبغي التعامل معه بحذر واحترام، من قبل الأعداء والأصدقاء على حدّ سواء.

فلنعيّد، إذاً، عيد الإستقلال، وأعداء الشعب اللبناني الغاضب والحزين يحيطون به من كل جانب يريدون معاقبته وإفلاسه وتجويعه وتفريقه وإخافته وإضعافه وقتل روح المقاومة في نفوس أبنائه وتركيعه من أجل افتراسه واستعباده والإستئثار بإستثمار آبار نفطه وغازه في بحره بكميات هائلة، مع الحرص على إبقائه فقيرا وضعيفا، أجل، فلنعيّد مخاطبين العيد، في أعماق أنفسنا، بترداد أبيات شعر وجدانية، رائعة، لأبي الطيّب المتنبّي، ولكنْ دون تأسّف وكآبة ونحن نمرّ بمرحلة خطيرة وصعبة جدا من تاريخنا:

"عيدٌ بايّة حال عدتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ أمّا الأحبّةُ فالبيداءُ دونَهُمُ فليتَ دونكَ بيداً دونَها بيدُ".

إن التجديد الذي ينبغي أن يعيشه كل لبنانيّ، اليوم، في عيد الإستقلال، هو تجديد حبّنا الصادق للأرض والشعب والجيش والمقاومة، وللحياة. ولنترك ما مضى، فقد مضى، ولا نحاولنّ إعادته، ولا ننظرَنّ إلى الوراء، إلا للإعتبار بأمثولات التاريخ ومنعه من إعادة نفسه بكل سيئاته. ولتكن وجهة نظرنا وسيرنا إلى المستقبل الزاهر، الواعد.

والتجديد الآخر الذي ينبغي أن ينعم به كل لبنانيّ، اليوم، هو أنّ هذا الحبّ الصادق لا بدّ أن يزيل الصحاري (صحاري الخوف والحذر والشك والحقد والكيدية والتنافس والنفور) التي ما زالت تفصل وتباعد بين اللبنانيين، شعبا وساسة. وهكذا، لا نعود نحزن ونتألم ونشتكي من أن هذه الصحاري تفصلنا عن الأحبّة، أي عن شركائنا في الوطن، وتنغّص علينا فرحة العيد.

بهذه الروحية الطيّبة، الجديدة، الواحدة، الموحِّدَة لقلوب اللبنانيين، فلنحاول أن نحتفل، قدر الإمكان،  بخشوع وصمت وهدوء وفرح وأمل وتفاؤل، بذكرى الإستقلال، ونحن بين إستقلال هو، في الواقع، غير كامل (كي لا نقول منقوص ومسروق ووهميّ)، وإستقلال حقيقي، كامل ومثاليّ، نحلم به، وسوف نظلّ نجاهد، معا، بقوّة ووعي وحبّ وصبر وصدق، شعبا وساسة، من أجل تحقيقه، ونحن في حالة حرقة صلاة حارة دائمة من أجل تطهير نفوسنا من أدرانها، وحرقة الإشتياق الشديد من أجل استحضاره واستضافته وحضنه إلى الأبد، وطرد كل الأرواح الشريرة وأبالسة الفتنة من هيكل أرضنا المقدسة.

فليكن، إذاً، عيدُ استقلالنا، رغم كل مشاكلنا وأحزاننا وهمومنا وذكرياتنا الأليمة، لا بل بسبب كل ذلك، عيدَ التحدّي للضعف والفرقة والإنقسام والقرف واليأس والإستسلام، وعيدَ التحدّي لكل من لا يريد لنا الخير من أعدائنا الخبثاء، ولتكن ذكرى الإستقلال مناسبة جميلة لنا جميعا للتوبة الصادقة والمحبة والمصالحة والوحدة والقوة.

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه