يعيش عالمنا العربي، على تناقضاتٍ كثيرة، يندفع بعاطفته ويسخّرها لبناء مواقفٍ يريد أن يحفرها التاريخ، صائبةٌ كانت أم خائبة، هي المشاعر التي تحرّك جبال العرب، وتدفع أحياناً إلى القطيعة، وأحياناً أخرى إلى الحروب، نبحث معاً عن موضوعية الأطروحات، ونجد العاطفة توجّه القرّاء كما يريد الكتّاب، لأحقادٍ شخصية، أو لأجل حروبٍ عبثية، وحتى لأجل مكاسب وخسائر إقتصادية، هو الإفتقار للإعتراف بالحقائق بمرّها وحلوها، بسلبياتها وإيجابيّتها، تبعدنا عن الحقيقة المجردة، فأين نحن من أمانة النقل، وأين العقل في تدارك هذا الأمر.

قراءة التاريخ

مما لا شك فيه أن لكل شخصية آثارها السلبية والإيجابية، فإن كانت هذه الشخصية طاغية في مجملها وتوفاها الله سبحانه وتعالى، هنا نقول لا توجد ضغينة لنا مع الأموات، فقد رحلوا بسلبياتهم وإيجابياتهم، لكن المؤكد أن الخلاف لا يفسد للود قضية، حتى ولو حملت السلبيات معنى جرائم بكل ما للكلمة من معنى، فالتمسك بالعصبية من منطلق أيديولوجيات مذهبية قد يعمي الأشخاص عن إستخدام الموضوعية في تداول أي أمر وتدارك اللبس الحاصل، فالقصد إنما هو في سياق قراءة التاريخ، وأعلم أنني سأتعرض لنقدٍ لاذع، لكن أكرر كما أقول دائماً، من حرصي على أمتي الواحدة، في إختيار شخصيات ذات جدل كشخصية صدام حسين، لن يثنيني عن قول الحق، خاصة وأن العراق في عهده كان لها ثقلا إقليميا، فعلى الرغم من إحتلال بلدي وسقوطه، سقطة دفع ثمنها صدام غالياً، إلا أنه في حالة الموت، يجب ولا بد من أن تموت الضغائن معها، فلنا رب وسيحاسب الجميع.

فالتاريخ سطر عن كل الطغاة، وعن كل العظماء، يكفيك أن تكتب إسم هذه الشخصية أو تلك لتجد آلاف الأبحاث والمقالات بين مادحة وقادحة، كل بحسب موقفه السياسي، أو الديني أو العرقي، فإن غضضت الطرف، ولم أكتب، فهناك غيري كتب كثيرا، وكما لنا أحباب، لنا خصوم والعكس صحيح في حالة صدام حسين، فلسنا هنا بصدد تقييم أخطائه أو سقطاته سمّها ما شئت، إنما يجب أن نكتب طبقاً للوقائع لا للمشاعر وما تمليه علينا، وأنا كعبد العزيز أتبع التجرد ولا أنحاز مع أي فكر طائفي أو أيديولوجي، فإسلامي العدل والحق والإنصاف لقول الصواب لا لتحريفه فقط لأنك تكره أو لا تتفق أو تخالف، فصدام إن مدحناه أو ذممناه فهو لن يعود إلى الحياة، وحزب البعث كسائر الحركات التي نهضت في فترة ثم أفلت لن يعود، فالتمجيد دائما ما يكون للإنسان الحي، ولا يجب أن يكون هناك خصومة مع أي إنسان توفّاه الله، فالتاريخ بهذه الحالة سواء أعجبنا أم لا، يسطر الأمر الواقع، فالحكام قد تحكم بالحديد والنار أو بالعدل، من واجب التاريخ أن يذكر ذلك، لا أنت ولا أنا نستطيع إخفاء الحقائق وتجاوز المنطق فقط لأهوائنا. فكل ما نملكه هو ما سنتركه لأجيال المستقبل. فهذا الشخص حكم العراق، لربع قرن، فمن أين إستمد ديكتاتوريته أو طغيانه؟

فأين المنطق في طرحنا هذا إذا تغافلنا عن العمل بحكمة ومنطق، فأنا كمواطن كويتي، إحتلّت بلدي في 2 من آب/ أغسطس 1990، ودمّرت بلدي وتمت سرقتنا ولم يبق لنا شيء آنذاك، ولمن لا يعلم والدي رحمه الله قدّم روحه فداءً للكويت، وكان من أول المعترضين على غزو صدام حسين للكويت، وفي يوم تحرير الكويت في 26 فبراير/ شباط، 1991، المخابرات العراقية فعلت ما فعلت حينها ومن ضمن أعمالها إستشهاد والدي، لأؤكد أنا أكثر شخص مسّني هذا الغزو حينها، وإلى الآن، من هذا المنطلق إبتعدت عن عواطفي لأكتب بتجرد، بعيدا عن الأحقاد، بل أكتب كباحث يعتمد التجرد في مضامين أبحاثه، ويوثق كما هي الحقيقة لا كما يريد الغير، فالتمجيد لن يعيد ميتاً ولا الشتائم كذلك الأمر، ولكن المؤكد أنني وبطبيعتي لا أمدح لا الأحياء ولا غيرهم، وكما قال الإمام علي عليه السلام "تبّاً للحق ما جعل لي صاحباً"، فلست محسوبا على أي تيار، ما يدفعني للكتابة إنسانيتي وفقط، وأما إختياري لشخصية صدام حسين، فقط لأنها شخصية مثيرة للجدل كما أسلفت أعلاه، وكي يعتاد من يبحث عن المعرفة أن يقرأ التاريخ بتجرد.
فعلى الرغم مما وصلني من كلام بذيء وشتائم لإختياري هذه الشخصية، لكن هذا يدل على أن هناك فئات لا ترغب في أن تنهض وتقرأ التاريخ، فصدام حسين كان أمرا واقعا حكم العراق، فإن كان عميلا أم لا، التاريخ يحكم ويوثق ودورنا نقل الأمانة كما هي، فصدام مات، فمن أين الخوف للبعض، سلباً أو إيجاباً ومن أين هذا الإنفعال للأموات وغيرهم، فالتاريخ لن يُنصَف طالما نحن أمة إنفعالية.

من هنا وبما يتعلق بحزب البعث العراقي، الذي يتعرض لنقدٍ كبير، من خصومه خاصة من محور المقاومة، في ذات الوقت هذا المحور يتعامل مع فرع من هذا الحزب في سوريا، وفي الحقيقة لم أفهم هذه المعادلة، مادامت أهداف الحزب واحدة سواء في العراق أو سوريا، لكن شئنا أم أبينا هذا الحزب خاض تجربته في العراق في حقبةٍ مضت. وهنا أريد أن أنقض هؤلاء العاطفيين، بإعتدالي وضمن رؤيتي العادلة.

أمانة النقل

علينا أن نقول الحقيقة أوجعتنا أم لا، يجب ذكرها كما هي وبأمانة، إن الأسفار المتكررة تطلع الإنسان على الكثير من خبايا لا يقرأها في كتب، ولا يشاهدها في تقريرٍ متلفز، ولا في مقالٍ مكتوب، الحقيقة على الأرض قد تختلف كثيراً عن أي سياسات يتّبعها من يريد قول الحقيقة، خاصة فيما يتعرض له عالمنا العربي من أحداث يتم نقلها بحسب سياسات وتوجه كل بلد وإعلامه وهكذا، لتبدأ البحث وأنت بين ضياعٍ وتشتّت، كلام من ستصدق، وموقف من ستعتنق، هل كلهم نقلوا بأمانة أم أجبروا على هذا النقل.

أنظمة سقطت، وزعماءٍ قتلوا، وآخرون إعتلوا عرش الحُكم وصعدوا على أعتاب مراحل خلت، لا لشيء فقط لأن المرحلة تطلبت ذلك، فيبدأ الشتم بالسلف وتبدأ رحلة سلبياته في الخروج دون تيقن منها، هنا لا نعمّم ولكن، معظم الزعماء اليوم صعدوا على أعتاب العواصف السياسية التي حدثت في بلادهم، إن كانوا أهل ثقة أو لا، بزغ نجمهم في مرحلتهم، كما أسلافهم في مراحل مضت، فهل غضّ الطرف عن الحقائق هو مكسب وإنتصار؟ أم هي طبيعة العرب لكسب الشارع والجمهور إنطلاقاً من تأجيج المشاعر؟

الموضوعية

إن بحثي هذا جلّه سيكون عن الموضوعية، بعدما رأيت التطرف بالمشاعر، هناك تطرّف في الحب والكره، ولا حدود وسطى، إن بدأنا بسرد شخصية الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، سيعترض الكثير من الناس، بين محبٍ وكارهٍ له، هذه الشخصية التاريخية المثيرة للجدل، هذه المواقف بُنيت تبعاً لمرحلتين، في فترة الرئاسة، وعند السقوط، هذا الأمر يفتح باب التأويل على مصراعيه، فعندما كان الرئيس صدام حسين حاكماً للعراق وبصرف النظر عن طريقة حكمه وسياساته آنذاك، إلا أن اللافت، ثقله ووزنه السياسي الكبير عند جيرانه الإقليميين والدوليين والأشقاء العرب، فكان الإعلام العربي آنذاك، يستعرض مآثر هذا الزعيم، وما كنا نعرف عنه إلا من خلال إعلامنا، نستطيع القول عندما كانت الأمور في شهر العسل، إذ كان التصفيق والتهليل له من أوسع الأبواب، حتى دولتي الكويت التي تغنت به من خلال الأوبريت الشهير بعنوان الصداقة والسلام لدول مجلس التعاون الخليجي، فكانت لوحة العراق تحمل الكلمات التالية: "هلا بسيف العرب ينحط على يُمناي، هلا باللي حكي التاريخ عن أصله، هلا باللي زرع نخلة وسقاها من شط العرب ماي، بغداد يا دار الأصالة، بغداد يا مهد الحضارة، يا رمز الصمود، أهلا هلا باللي وصل"، هذا الأوبريت الغنائي للفنان الكويتي عبدالله الرويشد وعبد الكريم عبد القادر، كان للرئيس الراحل صدام حسين، وطبعاً كان قبل الغزو العراقي للكويت، فما يعنينا أن الدول في غالبيتها كانت تهلّل لهذا الزعيم إتفقنا معه أم إختلفنا هكذا كان عنوان وشكل تلك الحقبة من الزمن، والمفارقة العجيبة أنه وبعد سقوطه إختفت كل هذه الأمور ليخرج النقيض ويضيع العالم العربي بين من يعرف مآثر هذا الإنسان، ليوجهوه إلى  أنه كان طاغية ومستبد وما إلى هنالك، الأمر الآخر، لسنا بصدد تحليل هذه الشخصية لجهة من الأصح ومن المخطئ وهل هذه الصفات حقيقية أم العكس. بل ما يعنينا الإعتراف بالحقيقة أياً كانت لأن التاريخ يسجل مواقفنا، والرجولة موقف وفعل لا كلام معلّب لا يقدم ولا يؤخر.

مسؤولية مَن؟

على الرغم من سقوط البعث العراقي 2 أبريل/ نيسان 2003، لكن تداعيات هذا الحكم مازالت موجودة؛ فما مدى تأثير هذه المرحلة فيما بعد سقوط البعث على الوحدة الوطنية؟ وهل يتحمل البعث المسؤولية عما حدث من تداعيات في مرحلة ما بعد سقوطه؟ إذ أن البعث العراقي قد قام خلالها بثلاث حروب تمثلت بحروب الخليج الأولى1980، والتي امتدت ثمان سنوات، وحرب الخليج الثانية 1991، التي كانت نتيجة احتلال العراق لدولة الكويت، وكان من أهم نتائجها الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق لمدة 12سنة، وحرب الخليج الثالثة 2003، التي سقط خلالها البعث العراقي أمام قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي حكم خلالها العراق بشكل مباشر من قبل قوات الاحتلال في بداية الغزو الأمريكي للعراق، ثم حكم بشكل غير مباشر من خلال مجلس الحكم الانتقالي، بإدارة الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر، ثم تشكلت حكومات ما بعد الاحتلال وهي حكومات إياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، ونوري المالكي.

نجم صاعد

إعتلى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين الحكم في العام 1979 وكان حينها الأمين العام القطري لحزب البعث الإشتراكي، بدأت الحرب العراقية – الإيرانية، حاول النظام العراقي بعد الهزائم التي مني بها عام 1982 أن يوقف الحرب العراقية الإيرانية مستغلاً غزو إسرائيل للبنان، فعرض على إيران وحدة مقدسة باسم الإسلام بين العراق وإيران، في محاولة لاحتواء المعارضة العراقية في الخارج، وأكد أنه على استعداد للقبول باتفاقية الجزائر 1975، لكن النظام الإيراني رفض ذلك وأكد أن الطريق إلى القدس يمر عبر إسقاط البعث العراقي.

في ظل هذا الوضع أصبح الدخول في حزب البعث ضرورياً لتقلد بعض المراكز أو لشغل الوظائف في الدولة، خاصة بعد أن استمر العمل بالقانون رقم 200 الذي صدر عام 1982 والذي يعاقب بالإعدام كل من يعتنق فكراً غير البعث، لكن أصبح الولاء للبعث يعني الولاء لصدام حسين ونظامه، ووضعت نظرية عبادة الفرد موضع التنفيذ، وأصبح الترقي في الدولة مرهون بالولاء المطلق للزعيم الفرد، من دون اعتبار لمدى التعليم عند هؤلاء الذين قادوا الحزب والدولة والجيش حيث سعى النظام إلى جعل الخضوع له هو القضية المشتركة للشعب العراقي بكل فئاته، وأخذت الدعاية تتحدث عن أساطير مميزة عن الهوية العراقية، وتشدد على الشجاعة الحربية، والأصل التاريخي المشترك، لكل صانعي أمجاد العراق بدءاً من السومريون وحتى البعثيون ، حيث تظهرهم الدعاية بميزة الإعجاب، على أساس أنهم يمثلون جميع أطياف الشعب العراقي وهويته الخاصة، وتم إنشاء مؤسسات وطنية لدعم الأساطير الوطنية من خلال حزب البعث الذي تتشعب مراكزه في كل أنحاء العراق، وهذا أدى لوصولها إلى جميع أبناء الشعب العراقي.

ثم عمل النظام على الترويح للمواقف الرسمية والسعي إلى استيعاب المثقفين والفنانين والملحنين والمغنيين فالذي يكتب عن الحرب يحظى بمكرمة النظام وهداياه، ومن يكتب أغنية تمجد صدام والحزب، له هدية قيمة، وأفتتح عام 1986 مركز صدام للفنون الذي حلَّ محل المتحف الوطني للفن الحديث، وانتشرت كتب الزعيم وأطوار حياته، وعن البعث وإنجازاته وأعياده، وأصبح التقرب من النظام هو المحدد الأول لحصول الفنان على موارده الأولية، وفرصة عمله، ثم جعلت سيرة صدام فيلماً للمخرج المصري (توفيق صالح) في رواية للشاعر عبد الأمير معلة في فيلم الأيام الطويلة، ثم أمر بتدريسها في المنهاج التثقيفي لتنظيمات حزب البعث.

ملفات متداخلة

شجع النظام نشوء وطنية متشددة كشعور واع بالفخر في أمجاد تاريخ العراق القديم، وأصبح النظام ينظر إلى العمل العسكري كخيار واقعي عندما تكون السبل الأخرى مسدودة للحفاظ على مكانة العراق المرموقة وهذا سلوك واقعي تلجأ إليه الدول القوية؛ للحفاظ على مصالحها الحيوية أو لتحقيق مصالح حيوية بغض النظر عن قرارات مجلس الأمن أو الأمم المتحدة.

وعلى هذا الأساس كان قرار احتلال الكويت باعتبارها أرضاً عراقية قد لاقى قبولاً من قبل الكثير من الأوساط العراقية لاعتقادهم بأنها أرض عراقية لابد لها أن تعود إلى الوطن العراقي الأم، بعد أن رفضت مساعدة العراق في حل أزمته الاقتصادية بعد حرب الخليج الأولى التي انتهت عام 1988 فلم تتقيد بإنتاجها النفطي، ولم تعف العراق من ديونها عليه ، وهذا مما شكك العراق من نوايا الكويت تجاهه، الذي اتهمها بأنها تسعى لتدمير العراق عبر سرقة النفط العراقي خلال الحرب مع إيران، من حقل الرميلة الذي يقع 90% منه في الأراضي العراقية، كما أنها تعمل على خنق العراق وعدم وصوله إلى مياه الخليج، من خلال رفضها له لاستئجار جزيرتي وربة وبوبيان، فكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى تدهور علاقات العراق مع الكويت، وسببت أزمته معها عام 1990.

يقول (ليورا لوكيز) بأن الأحداث التي جرت بين عامي (1991- 1992) في منطقة الخليج ركزت أنظار العالم مرة أخرى على العراق وخلقت تساؤلات عديدة حول طبيعة النظام العراقي وخاصة طبيعة علاقاته والعوامل التي تحرك السياسة العراقية بشكل عام في أعقاب انتهاء حرب الخليج. حيث تركزت التساؤلات حول طبيعة وأسباب الحوادث التي جرت في أقاليم شمال العراق وجنوبه، وباتت تساؤلات عديدة تطرح ومن بينها التساؤل عن انتفاضة الكُرد في الشمال والشيعة في الجنوب وهل كانت مجرد رد فعل على سياسات النظام أم أن هناك خللا بنيوياً أساسيا في التركيبة الداخلية للعراق يحول دون تحقيق اندماج اجتماعي متكامل لشعب العراق.

للأسف إن معظم ما قيل بخصوص صدام حسين كان إما تحليلات سياسية مشحونة بانفعال الموقف منه (معه أو ضده) أو اسقاطات ذاتية غير موضوعية، فكانت بعض من صفاته، الشعور بالثقة العالية بالنفس، وقدرة التأثير في الاخرين، وسعة الحيلة والدهاء، الصراحة، والشهامة، والحسم، وحب السيطرة، والميل للاستبداد والارهاب، وحب المواجهة.

تاريخ لن يتكرر

فعلى الرغم من موت هذا الرئيس، وإنتهاء مرحلته، لكن لم يتم ذكر شيء للتاريخ، فإذا كان ديكتاتور، كل الحكّام كذلك، وإذا كان عميل، كل الأنظمة اليوم عميلة، لماذا لا يُشار إليها بالبنان، لماذا إختفت كل الكتب التي تتحدث عن الإيجابيات ولا نجد إلا السلبيات، حكم طويل لهذا الرئيس لم يلقَ فيه إلا كل مديح، فلماذا لا نقرأ هذه الشخصية بكل تجرد وموضوعية، فأنا من الأشخاص التي تؤمن بأن التاريخ لا يعيد نفسه وهذه الشخصيات لن تتكرر، كما جمال عبد الناصر، فلماذا يقع الظلم في النقل ولا أقصد الإيجابي فقط حتى السلبي ولو كان كله سلبي، ألم يبني العراق ويهيء له البنى التحتية والجامعات والأوابد الحاضرة إلى يومنا هذا، ليس من باب الحب نتكلم، بل من باب الواجب الأخلاقي، فهو رئيس حكم بلد له ثقله ووزنه السياسي في تلك المرحلة، ولنبتعد عن لغات التخوين والشتائم والعمالة، فالتاريخ أرخ لأدولف هتلر، لشيمون بيريز، للحقب الفرنسية والروسية والحروب العالمية والقنابل الذرية ولم يترك شيئاً إلا وذكره، فالتاريخ لا يؤخذ بالعواطف بل بالتجرد، فهل من زعيم عربي ألقى صواريخ على تل أبيب سواه، وهو القائل أتحدى أي زعيم أن يطلق الصاروخ رقم 40 على الكيان الإسرائيلي.

فسواء أيدناه أم لا، لقد كان يشكل تهديداً للأعداء، وما تدمير العراق إلا لتدمير هذا القوة التي كانت في مرحلتها لها وقع مزلزل، فأين الجيش العراقي اليوم عن الأمس، وأين الوضع العراقي اليوم عن الأمس، فإن كان طاغية ومستبد، لقد إنتهى حكمه منذ العام 2003، فما الذي تغير الآن!

إذاً الأعداء يبرمجون العقول لنحب ونكره، يعملون على توجيه البوصلة كما يريدون وللأسف ننقاد بسهولة، لعدم إمتلاكنا ثقافة المعرفة حول هذا أو ذاك، اليوم شريحة الشباب، تتعلق بما تشاهد وعلى ما تبحث، لا يستطيع أحد اليوم إغفال عقول هذا الجيل ونباهته في إكتشاف الحقائق، فلننظر إلى مشاهدات تصفح مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب وما إلى هنالك، فبدل أن نصنع موقفاً سيخرج ضد هؤلاء المهللين أو المبغضين، يجب ذكر الشخصيات بما لها وما عليها، لا كما تحكم أهوائك ومواقفك.

ختاما، فقدت الكويت بلدي أحبّاء نسأل الله أن يحتسبهم شهداء في عليائه، بفعل غزوٍ جائر، إنفعالي كان أم بتحريض من الغير، لكن من تضرر أبناء بلدي وجميعهم أهلٌ لي، من هنا، كان لهذا الزعيم سابقاً محبين من دول الخليج نفسه، وخاصة السعودية، محبة نابعة من عاطفة لنكاية البعض من محور معين، قد تكون نقمة علينا في بعض الأحيان، فالسعودية تعرضت لقصف من قبل صدام، ومع ذلك له محبين فيها، ما لبثوا أن ساعدوا الكويت في فترة الغزو، مدفوعين بذات العاطفة التي أحبوه فيها سابقا، فإذا غفلنا عن نقل الوقائع، ضاعت هذه الحقائق وضاع معها كل شيء، فكل ما أرنو إليه هو كتابة هذا التاريخ كما هو، لا تمجيدا ولا ذمّا بأحد، الواقع يتطلب عدم العبث بالحقائق والوقائع، فصدام أحببته أم كرهته لم يكن حاكماً فقط، بل كان أمراً واقعا، فلنستفد من أخطاء الماضي ونصحح الواقع، فإن قدّم خيرا لن يحسب له بل للعراق، وإن قدّم شرا ضر به العراق، فكن جرئيا ومقداما وشجاعا وقل الحق ولو كان جارحا.

 

المصدر: النهضة نيوز
المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه