بعد تعيين "أفيف كوخافي" رئيساً لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي في منتصف يناير الماضي كان أول ما قام به هو عقد ورشة عمل استمرت ثلاثة أيام في بداية شهر مارس حضرها ضباط كبار من كافة فرق وأذرع الجيش الإسرائيلي وخبراء عسكريون، وقد سُميت هذه الورشة بـ ( ورشة النصر) وهدفها الرئيسي هو وضع ما يُعرف بوصفة النصر، لتُجيب على السؤال المركزي الأساسي وهو: كيف يُمكن لإسرائيل أن تحظى بنصرٍ نظيف حاسم غير قابل للشك في حروبها المقبلة؟.

ورشة النصر التي عقدها كوخافي في بداية استلامه لمهامه كقائد للجيش الإسرائيلي في الحقيقة تُعبر عن مأزق النصر الذي تعيشه دولة " إسرائيل" منذ عشرات السنين، فقد انتهى الزمن الذي كانت تحقق فيه انتصارات واضحة وحاسمة وسريعة بنهاية حرب حزيران 1967، وقبلها حرب العدوان الثلاثي عام 1956، وقبلها حرب النكبة عام 1948، وخاضت بعدها حربي أكتوبر 1973،ولبنان 1982، ولم تستطع فيهما أن تنسب لنفسها النصر، بل كانت في حرب أكتوبر إلى الهزيمة الكُبرى أقرب لولا ألاعيب السياسة، وفي حرب لبنان كان النصر العسكري بطعم الهزيمة الإستراتيجية بعد سنوات طويلة من مقاومة حزب الله العنيدة للاحتلال وتحرير جنوب لبنان عام 2000م.

مأزق النصر كان واضحا داخل الكيان الصهيوني بنهاية الحروب التقليدية النظامية مع الجيوش العربية وبداية حروب الكيان مع المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وبالتحديد منذ انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000م تحت ضربات المقاومة الإسلامية اللبنانية بدون قيود أو شروط، ثم انسحاب جيش الاحتلال ومستوطنيه من قطاع غزة عام 2005 تحت ضغط عمليات المقاومة الفلسطينية بدون قيود أو شروط ، رغم إبقائه حالة الحصار المفروضة على قطاع غزة، ومأزق النصر تجلَى واضحاً في حرب تموز 2006 المعروفة إسرائيليا بحرب لبنان الثانية، فالجيش الإسرائيلي لم يستطع إخفاء هزيمته فضلاً عن أن يزعم لنفسه النصر، لتبدأ مرحلة الحروب العدوانية والمعارك بين الحروب وجولات التصعيد المتكررة على قطاع غزة وآخرها معركة صيحة الفجر التي أُطُلق عليها إسرائيلياً اسم الحزام الأسود ليبرز فيها مأزق النصر الإسرائيلي بوضوح.

عجز الجيش الإسرائيلي من انتزاع صورة النصر في حروبه ومعاركه العدوانية المتكررة على الشعب والمقاومة في قطاع غزة جعل جنرالات الجيش يبحثون عن مفاهيم وصور أخرى  للنصر تختلف عن المفاهيم والصور التقليدية الواضحة، ولذا قال أحدهم محاولاً الخروج من مأزق النصر " هدف الجيش من جولات القتال المتتالية في ضوء غياب الهدف السياسي وغياب إمكانية تحقيق النصر الواضح والحاسم هو زيادة المدة الزمنية بين جولات المواجهة وتقليص أمد كل جولة مواجهة وضررها"، بل وتراجع رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال السابق "غادي ايزنكوت" أكثر من ذلك في تعريف النصر بقوله :" تحقيق الأهداف السياسية المقررة للمعركة بشكل يقود إلى تحسين الوضع الأمني بعد الحرب".

فلم يُعد النصر هو احتلال الأرض، أو استسلام العرب، أو ردع العدو، أو تحقيق الأهداف السياسية للحرب.... وأصبح فقط تحسين الوضع الأمني بعد الحرب، أو تقليص أمد كل جولة مواجهة وضررها.

وظهر مأزق النصر واضحا في معركة ( صيحة الفجر) التي أعقبت العدوان الإسرائيلي المزدوج على سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين من خلال اغتيال القائد الشهيد بهاء الدين أبو العطا وزوجته في غزة، ومحاولة اغتيال عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي القائد المجاهد أكرم العجوري، فإن كان العدو قد نجح في اغتيال احد قادة سرايا القدس المهمين والكبار، فإنه لم ينجح في انتزاع صورة النصر بشهادة الجنرال الإسرائيلي "مائير ألران" رئيس قسم حماية الجبهة الداخلية بمعهد الأمن القومي بجامعة تل ابيب، الذي قال عقب انتهاء المعركة مع الجهاد الإسلامي " بسبب منظمة صغيرة مثل الجهاد الإسلامي اضطرت إسرائيل ان تُصاب بالشلل، فماذا سنعمل في مواجهة مستقبلية في حال انضمام حماس وحزب الله... هذه التعليمات التي حولت شوارع تل أبيب مناطق فارغة من السكان تمنح العدو في غزة صورة انتصار يبحث عنها".

وغير حالة الشلل التي أصابت نصف الكيان الصهيوني تقريبا، فقد دفع الكيان ثمن عملية الاغتيال من أمنه جيشاً ومستوطنين، ليس فقط خلال يومي المعركة، بل أعمق من ذلك بتكريس مأزقه الأمني المرتبط بوجوده كما عَبر عن ذلك أحد مؤسسي الكيان "ديفيد بن غوريون" الذي قال " إن جوهر مشكلتنا الأمنية هو وجودنا بالذات"، فحالة القلق الوجودي تتعمق في كل حرب أو معركة يخوضها الكيان ولا ينتصر فيها، كما أن الكيان فشل في تغيير قواعد الاشتباك مع المقاومة الفلسطينية عندما فرضت حركة الجهاد الإسلامي شروطها وفي مقدمتها وقف الاغتيالات، ولم يتحدث احد من قادة العدو عن تحسين حالة الردع التي تآكلت مع كل صاروخ يدك مستوطنات العدو.

مأزق النصر وصورته المفقودة منذ زمن لدى الكيان الصهيوني عبر عنه طاقم تحرير جريدة (هآرتس) الإسرائيلية في مقال افتتاحي رئيسي بقولهم :" عندما تخوض إسرائيل مواجهة انطلاقا من هدف مُعلن فإن أعدائنا سينتصرون طالما أنهم لا يستسلمون".

وهذا جوهر الأمر عدم الاستسلام يعني امتلاك إرادة النصر النابعة من عدالة القضية الفلسطينية، وإرادة النصر تعني إرادة الصمود للشعب وإرادة القتال للمقاومة، فالعدو يستطيع بما يملكه من قوة عسكرية أن يعيث تقتيلاً وتدميراً، ويستطيع أن ينتزع عشرات ومئات الأرواح الطيبة من أجسادها الطاهرة، ولكنه بالتأكيد لم يستطع ولن يستطيع أن ينتزع روح الصمود والتحدي والمقاومة من شعب عنيد صابر صامد مقاومة كالشعب الفلسطيني.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه