بهدوء بعد ثورة شعب... إنَّها الهجمة الأميركية الإسرائيلية على لبنان لتمنع محاسبة أيِّ فاسد واحد من الفاسدين في السلطة الحاكمة، فالفاسدون يريدون ترهيب الناس من مخطَّط دولي حتى لا يَمَسَّ أحد بالأموال التي نهبوها من المال العام والمخطط الدولي قائم وهو في خدمة الفاسدين، لتبدو المؤامرة واضحة ولتبدو الأحزاب الكلاسيكية اللبنانية الطائفية منها وغير الطائفية قد فاجأها العَصْف الهادر، وتعجز معها حركات التحرُّر الوطنية والعربية عن اللَّحاق بالجمهور الغاضب الذي كَفَر جوعاً على الأزقَّة والطرقات وإفترش الأرض منذ ما يزيد على الأربعين يوم ولن يتراجع، فلا يستطيع أحد بعد اليوم أن يتحدَّث عن الخصوصية اللُّبنانية والتوافق اللُّبناني الطائفي والمذهبي والديني، ولا منهم من يقدر على التسويغ والمماطلة في بتِّ الحقوق، حقوق الناس في مالها المنهوب الذي سرقته هذه الطبقة السياسية منذ ثلاثين عاما ونيِّف، وحقوق الشعب في الإستباحة التي شرَّعتها سلطة الفساد والمحسوبيات والمحاصصات في السَّطو على مقدَّرات الدولة والإستفادة من الغَطاء الديني والحماية المذهبية والحصانة السياسية، فتبدو سلطة الشعب حتى اليوم رغم مكابرة الطبقة الحاكمة وعدم قيامها بأيَّة إجراءات إصلاحية للفساد أو للنظام السياسي هي المتقدِّم الأول وهي المُعطِّلة لماكينة الفساد الذي بدأ يتظهَّر بإستدعاءات المدعي العام المالي للسارقين والناهبين حتى من دون إقرار قوانين المحاسبة والمحاكم المختصَّة لهذه الجرائم...

لا تتلطُّوا خلْف المقاومة المنزَّهة عن الفساد وهذا ما أوضحَتْه ثورة الشعب في منْع رجال التشريع من دخول البرلمان إلاَّ نائب المقاومة علي عمار في جرأةٍ لمواكبته بين الناس المنتفضة بهدوء وديمقراطية، فهذا قلَّما يحصل مع أيِّ سياسي غير رجالات المقاومة، ولا تتلطُّوا خلف الرئيس سعد الحريري المحتمِي ببعض الشعارات وبعض المنتفضين في تحسين الشروط، لأنَّ الأساس في هذه الثورة هو رفض النَّمط الإقتصادي الريعي والمالي الذي مكَّنته الحريرية السياسية بنفْخِ الديون بعد تركيبها على أعناق اللبنانيين ومراكمة فوائد الدين بدون إنتاج.

ولا تتلطُّوا خلف تصريحات فيلتمان بالإستهداف الخارجي للمقاومة ولسيادة لبنان، لأنَّ هذه السياسات الأميركية معروفة وموجودة ومرسومة من الزمن الماضي الى اليوم وتتم مواجهتها، ولا تتلطُّوا خلف ولا تراهِنوا على الميليشيات في سلطة الأحزاب الطائفية التي يُمكِن لها أن تضرب إنتفاضة الأحرار وثورة الشعب، فهذه عادة قديمة لم تعُدْ تجدي لمن يريد إستخدامها اليوم لأنَّ المبادرة لهذه الأحزاب قد فُقدت وهناك من يحاول إستعادتها ..لكن بأيِّ شروط..؟؟؟

بهدوء مجدداً..فهناك أولاً من الأحزاب السياسية من يبدو متضرراً في الظاهر وحذراً ممَّا يجري في الشارع اللبناني وعلى رأسهم حزب الله الذي يقارب مطالب الناس بالتوازي مع محاولة كشف الغطاء عن رموز الحراك علَّه يجد ما يريحه ويهدِّيء من خاطره مع رغبة حقيقية في الإصلاح لكن بخطىً دقيقة وبإنتقال سَلِس في السلطة، وهناك ثانياً من يعتبر نفسه قد ظُلِم وفاته قطار الإصلاحات واللَّحاق بالناس والشارع الذي رمى كلَّ الشعارات والنظريات السياسية ومشى، ونقصد به التيار الوطني الحر المطالِب بالتغيير والإصلاح لكن وبسبب التفرُّد لرئيسه وخطابه الفئوي على مدى أكثر من عشر سنوات من الحَقْنِ بين الناس تجَمَّدَ أداؤه وراحَ يبحث عن إنجازات طائفية تُقَوِّي موقعه بين منافسيه وها هو اليوم يحصد نتائج إنعدام الخطاب الوطني في أدبياته، فبات يُوضَعُ في خانة الفاسدين وضمن بيئة أحزاب السلطة التي نهَبَتِ البلد، وهناك من ظُلِم فعلياً وعنده إرادة الإصلاح ونقصد به فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، لكن عُقْم وندرة قيامه بالإنجازات سببها أولاً صلاحيات الرئيس المفقودة وثانياً الإصطدام بالجدار الطائفي والمذهبي الذي منعه ومنع غيره من التقدُّم في عملية الإصلاح..

بعد كلِّ ما أوردنا يصبح الواجب والضرورة البحث عن نظام أو عقد سياسي إجتماعي جديد ولا عيب في ذلك، فإذا كانت كلُّ الطبقة السياسية بأحزابها وبتسلُّطها تقرُّ بالفشل وبالعجز عن القيام بالإصلاحات اللاَّزمة بسبب التحاصص الطائفي والتقسيم المذهبي، والكلُّ مؤمن بضرورة قيام الدولة المدنية الديمقراطية، فلماذا لم يبدأوا بالإجراءات الإصلاحية فوراً خاصة وأن إنتفاضة الشعب لا زالت على الأبواب تُغلق الحصون المذهبية وتُقفل الأبواب على مشغِّليها وتُسهِّل لهم العمليات الجراحية وتُعطيهم المِبضع اللازم لإستئصال الفساد والفاسدين وإعادة المال المنهوب..؟؟

هنا يتوضَّح أنَّ الطبقة السياسية تحاول التهرُّب والخروج بأقلِّ الخسائر المُمكنة من دون محاسبة ومن دون إعادة المال المسروق أي مال الشعب، ومن هنا نفهم حالة المماطلة والتبرُّم وتمرير الوقت، فالشعب لن يُعطي ولن يُعيد المبادرة لأحزابكم، تلك المبادرة التي فقدتموها بسبب تعاليكم على الناس، وبسبب التعطيل أو تغطية الفاسدين ومنعهم من السقوط، فحتى لا تفقدوا كلَّ شيء عليكم تقديم شيء أقلَّه تشكيل حكومة إنقاذ وطنية سريعاً والكفَّ عن التشكيك بالناس وبإنتماء الناس وتقديم الفاسدين للعدالة مع المال المنهوب، وساعتها توجَّهوا حيث تريدون شرقاً أو غرباً طالما أنَّنا نحفظ كرامة الشعب بعيش كريم وحر وبعيداً عن الإذلال والفساد والنَّهْب والسَّرقة...

فالزمن لا يبدو أنه يسير لمصلحة هذه الطبقة السياسية الفاشلة، فعندما تدخل متسللاً هارباً الى البرلمان من أجل تشريع السرقة وحماية الفاسدين والأموال التي نُهِبَت ماذا يعني لك ذلك كله وما الدافع للمخاطرة...؟ قوى السلطة وأحزابها الطائفية والمذهبية التي سرقت البلد لم تصدق كلام الرئيس بشار الأسد عن أحقِّية وصدْق الحراك والنَّاس المنتفضة في لبنان، لكنها صدَّقت كلام فيلتمان وسيناريوهات أميركا التي تريد أن يبقى الاصطفاف المذهبي قائم من دون حلول وطنية..

إنها إنتفاضة مستمرَّة لأجل التخلُّص من سلطة الفساد الطائفية والمذهبية التي أذلّ.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه