* الجزء الأول ( أزمة الخطاب)

 

تميز الخطاب اليساري تاريخياً بالوضوح والانسجام ، وهو الخطاب المستمد من المنهج الجدلي في تفسير وتحليل الواقع من جانب، والمادية التاريخية من جانب أخر. وكان الخطاب التقليدي يركز على تحليل الأمبريالية واستغلالها للشعب ، ويدعو الى بناء نظام اقتصادي واجتماعي بديل يتسم بالعدالة الاجتماعية . ويؤكد على المضمون الطبقي للصراع مع الأمبريالية العالمية بالتركيز على العمال والفلاحين وعموم الكادحين كصناع للثورة والتغيير في مواجهة الأمبريالية. وطرح الخطاب اليساري نفسه نداً وبديلاً للخطاب الأمبريالي ، وتميز بالانتشار على المستوى العالمي من خلال التثقيفي والتعبوي والإعلامي للأحزاب اليسارية والاشتراكية.

وبعد انهيار دول المنظومة الاشتراكية -لأسباب قد نتطرق لها لاحقاً- تشكل نظام عالمي أحادي القطبية وانتقلت الأمبريالية الى مرحلة العولمة المتوحشة بزعامة أمريكا دون منافس لها. ومن الطبيعي أن تؤثر تلك التغيرات الدراماتيكية على واقع ومستقبل الأحزاب اليسارية والاشتراكية في كافة أرجاء العالم . وقد أخذت بعض الأحزاب اليسارية وخاصة العربية ، توجهات مختلفة في مواجهة الطوفان ، فبعضها غير اسمه شاطباً كلمة "الشيوعية" من الاسم ، وبعضها الأخر غير في خطابه في إطار التكيف مع النظام الدولي الجديد ، والقلة صمدت على خطابها واسمها.

وفي المحصلة العامة ، تبعثرت الأحزاب اليسارية ، وكل منها بدأ يبحث عن خطابه الخاص ، ولم يعد يجمعها ائتلافات وتحالفات أممية كالسابق.

ومن اللافت للنظر أن خطاب الأحزاب اليسارية والاشتراكية ، بات خافتاً تجاه الدور الطليعي للعمال والفلاحين والكادحين ، وربما مغيباً في الحديث عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية.

لقد تحول الخطاب اليساري من الخطاب الند للامبريالية اللى خطاب منكفئ ومنزو ، بل بات يستخدم مفاهيمها الثقافية من ديمقراطية وحرية وحكم رشيد، ويحاول التكيف معها.

ومن النتائج التي ترتبت علي ذلك بوضوح ، عدم تعاطي الأمبريالية المعولمة مع الخطاب اليساري والأحزاب اليسارية والاشتراكية كند يمثل خطراً عليها وبديلا لها كالسابق. واستحدثت الأمبريالية المعولمة عدوا جديداً فضفاضاً وهلامياً كالأحزاب الدينية المتطرفة وما يسمى "بالإرهاب" ومحور الشر ...الخ ، رغم أن الأعداء الجدد لا يمتلكون مشروعاً سياسياً واقتصاديا واجتماعياً ، يمثل بديلاً للنظام الامبريالي المعولم .

ولقد أثبتت التجربة العملية بعد انهيار دول المنظومة الاشتراكية ، فشل النظام المعولم وخطابه في تحسين العلاقات الدولية ، وحل قضايا الجوع والفقر والتلوث ، بل على العكس من ذلك ، ازدادت الصراعات الدولية والحروب الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان وخاصة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على مستوى العالم. ما يعني صحة الخطاب اليساري التقليدي في فهم طبيعة الامبريالية ومعاداتها للشعوب في امتصاص خيراته وانتهاك حقوق .

تقديري،  أن اللحظة باتت مناسبة على ضوء التجربة السابقة لدعوة الأحزاب اليسارية والاشتراكية، لإعادة الحيوية للخطاب اليساري بوصفه الخطاب الند للخطاب الامبريالي المعولم ، وكونه الخطاب التحرري والتقدمي الوحيد المعبر عن مصالح الغالبية الساحقة من سكان العالم. فالظواهر لا توجد ولا تعرف الا بنقيضها ، ولا تتطور وتنتفي الا من خلال ندها.

لن تكون المهمة سهلة ، ولكنها ليست مستحيلة ، لأنها عملية تراكمية ستؤسس لقفزات نزعية  ، خاصة وأنها ضرورة ملحة للعالم ، وتنسجم مع حركة تطور التاريخ والإنسانية.

المقال يعبّر عن وجهة نظر ورأي كاتبه