كتب المؤرخ والفيلسوف الأمريكي مارتن جاي، مقالة تناول فيها المأزق الذي يعيشه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقدم "جاي" نقداً مفصلاً لسياساته في العالم، إذ تناول المنطلقات الشخصية والتجارية الشخصية التي تحكم مواقفه تجاه الأشخاص والدول، والتي أثرت بشكل كبير على صناعة صورة الولايات المتحدة في فترة حكمه.

ورأى الكاتب الأمريكي أن ترامب، كان الرئيس الأمريكي الأسوأ على الإطلاق في إدارة المشكلات الإقليمية، حيث تعامل بمنطق التاجر الجشع مع خصوم الولايات المتحدة، واستهان بدول وحضارات يتجاوز عمرها الـ 4000 عام، وهي غير جديرة بالتنمر والاستهتار بها.

وانتقد "جاي" دور الرئيس الأمريكي في تفجير الأزمة الخليجية، وأن الأزمة، لم تكن سوى مراضاة لدولة الإمارات العربية المتحدة التي مولت حملته الانتخابية، فيما اعتبر، أن سياسية الخنق وتجفيف المنابع المالية التي انتهجها مع إيران، أفضت إلى نتائج عكسية من بينها، تطوير إيران لسلاحها النووي، وتنشئة جيل إيراني أكثر تشدداً وكرهاً للولايات المتحدة، ما يعني أن الصراع الأمريكي الإيراني، تنتظره أعوام شديدة الإحتدام، مع أجيال شديدة الأصولية.

وعن ورأى أن زيادة الحصار الاقتصادي على الجمهورية الإيرانية، سيزيد من حالة التقارب بين الاتحاد الأوربي الذي سيعمل على مد يد المساعدة لطهران، في مقابل زيادة الفجوة التي قد تتطور إلى قطيعة بين الاتحاد الأوربي وواشنطن.

وخلص الكاتب إلى أن سياسية الضغط الأقصى، ستقود إلى رد فعل أقصى وأشد، خصوصاً ان "أذرع إيران" في المنطقة ولا سيما حزب الله، الذي طالته نيران سياسات الولايات المتحدة، ستزيد من وتيرة تسليحها وردة فعلها التي سيتأثر بها حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

وإليكم المقال الذي نشرته صحيفة الميدل ايست كاملاً:


إحدى المشكلات التي تحيط برجال القرارات الصائبة، هي أنه عندما تحتاج حقاً إلى نصيحةٍ سليمة لإخراج نفسك من حفرة، لن تجد أحداً في الغرفة مؤهلاً لتقديم تلك النصيحة، حتى وإن كانت هناك إرادة لفعل ذلك .

و إن كنت تريد أن تلقي نظرة قريبة عما نتحدث عنه، مرحباً بك في عالم دونالد ترامب. ففي الأسابيع الأخيرة، قد يكون الرئيس الأمريكي سعيداً بما يراه على شاشات التلفزة الخاصة به، و هنا لا نقصد شبكة الغوريلا التي يملكها، بل نقصد القنوات الإخبارية التي تفيد بأن إيران تواجه موجةً جديدة من الاضطرابات السياسية بسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد بعد العقوبات الأمريكية التي فرضها عليها مؤخراً .

في حين ينظر العديد من المحللين إلى ارتفاع أسعار البنزين على أنه القشة الأخيرة التي قسمت ظهر الاقتصاد الإيراني و جعلته على شفا الانهيار، حيث دعا بعض المحتجين بلادهم إلى تعديل سياساتها  الإقليمية المتمثلة في تمويل حزب الله و المقاومة الفلسطينية، بالنظر إلى الوضع الاقتصادي البائس الذي يعيشه الشعب في إيران نفسها .

بالتزامن مع ذلك، هناك خطوة انسحاب أخرى اتخذتها طهران فيما يتعلق بصفقة التعاون الشاملة المشتركة المعروفة باسم JCPOA، والتي منعت إيران في البداية من تطوير الأسلحة نووية، و لكن ترامب انسحب منها في مايو 2017 و فرض رزمةٌ ضخمة من العقوبات الاقتصادية على إيران، مما جعل الشعب الأمريكي ينظر إليه على أنه أفضل من سلفه أوباما الذي وقّع الصفقة مع إيران في الأساس.

طهران، على الرغم من التمسك بشروط الصفقة لمدة عام كامل بعد خروج الولايات المتحدة منها، عادت الآن إلى تخصيب اليورانيوم، الذي من المتوقع أن يضع أعباءً ضخمة على الاتحاد الأوروبي لتعويض طهران نقدياً و حشد دعمٍ سياسيٍ لها لإلزامها بالعدول عن الأمر والعودة للصفقة .

• ما الأمر الذي لا يستطيع ترامب أن يستوعبه ؟

على الرغم من كل ما سبق، لا ينبغي أن تكون تلك الأحداث موسيقى تطرب ترامب حقاً، فالذين لا يستطيعون أن يعترفوا بحقيقة أسلوبه الفاشل والخطير في التنمر على حكومات البلدان التي ليس لديها 4000 عام من التاريخ الغني بالحضارة فحسب، بل الأهم من ذلك، هو الاستياء المعاصر من السياسة الخارجية الأمريكية الراسخة في أذهان شعوبها. و لا يقتصر الأمر على العمل مع الإيرانيين الذين أصبحت أجيالهم الشابة معاديةً للولايات المتحدة بشكلٍ متزايد و تدعم نهجاً أكثر تشدداً تجاهها، لأنهم يرون أن أحبائهم يعانون من عدم توفر العقاقير باهظة الثمن، ناهيك عن العيش مثل الفئران في ظل الاقتصاد المتهالك و المتشبع بالتضخم المتصاعد والبطالة .

• إنها لا تعمل في كوريا الشمالية والصين وتركيا وسوريا وفنزويلا أيضاً

إن مصطلح "القطة خارج الكيس"، والمعروف بفن الصفقات، هو مجرد حلمٍ خيالي عن سمسار عقارات كان يتمتع بسمعة ٍمروعة حتى قبل انتخابه، فقد كان معروفاً كرجل أعمال فاشل ومالكٍ شرير كان عليه أن يلجأ إلى مقاولين ومهندسين معماريين يلجؤون للغش في العالم، لتحقيق الأرباح من المشاريع العقارية المتَصورة، بالإضافة إلى مجموعةٍ شركاتٍ فوضوية وفاشلة في جميع أنحاء العالم، وفي حالة الأميركيين، كشفت CNN مؤخراً عن عملية احتيالٍ من هذا القبيل، حيث أدرج "ترامب" نفسه فيها دون أي مسؤوليةٍ قانونية، فـ اشترك في صفقاتٍ عقارية ملتوية فاشلة كما جرت العادة. فحتى صفقة ملكية صهره في مدينة نيويورك هي كارثةٌ كاملة أدت إلى توجه جاريد كوشنر إلى قطر لطلب المساعدة المالية في عام 2016 .

• أبراج ترامب ؟

أينما نظرت في الشرق الأوسط ، ستجد هناك ممتلكات عدة مملوكة لترامب، مما يعني فشل المستثمرين في صفقات عائلته في الولايات المتحدة، حيث يرسل استثماراته إلى تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة والقائمة تطول .

و لكن، كيف يمكن أن يكون هناك أي معنى للسياسة الخارجية للولايات المتحدة فيما يتعلق بإيران ؟، خاصةً إذا كان هناك الكثير الذي يمكن اكتسابه من خلال إبقاء عرب الخليج على وجه الخصوص، سعداءً بموقفهم ضد إيران ؟ . ففي الآونة الأخيرة ، صرح مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون في مؤتمرٍ حصري أن السياسة الخارجية لترامب تسترشد بالكامل تقريباً بأطماعه الجشعة الخاصة أوبجشع عائلته .

• ما مقدار هذا الجشع المسؤول عن ما نشهده في المنطقة، في لبنان و العراق و إيران الآن ؟

بينما اتخذ ترامب موقفاً قوياً ضد إيران من خارج البلاد، في مايو 2017 عندما حضر ذلك السيرك الفخم في الرياض، اتخذ أيضاً موقفاً حازماً ضد قطر . وذلك من أجل احتساب ذلك لصالحه بعدما حصل على تبرعٍ بقيمة 2.5 مليون دولار لحملة إعادة انتخابه من دولة الإمارات العربية المتحدة، وربما أدرك أنه تم إرغامه على أن يكون جزءاً من الحرب الاقتصادية بين قطر والإمارات العربية المتحدة في ذلك الوقت .

أم أن ذلك حدث عندما اتضح أن قطر كانت في الواقع تمول مشروع كوشنير الفاشل، لمكتب مدينة نيويورك من خلال ثغرة في القانون الأمريكي سمحت لشركة كندية تابعة لشركة Qatar بتبييض الأموال من خلالها في نيويورك ؟

و هناك قصةٌ مماثلة في تركيا، حيث يمتلك ترامب عقار في إسطنبول، وفقاً لبولتون، فإن هذا المبنى بمفرده، قد ألقى بظلاله على حكم ترامب وتعامله مع العلاقة المضطربة والمبهمة التي تربطه بالرئيس التركي رجب طيب أروغان، وحول مجموعةٍ واسعة من القضايا التي تتراوح بين قراره بالانسحاب من شمال سوريا إلى تهديده لأنقرة بسبب قرارها شراء منظومة الصواريخ  أس 400 الروسية، حيث فضلها أردوغان على أنظمة الدفاع الأمريكية الباتريوت .

فحتى العلاقة الخاصة بين ترامب وأردوغان لم تنجُ من أزمة صراع الإرادات الشخصي، المتطور إلى صراع مواقف دولية.


انهيار الاقتصاد الإيراني .. انتصار لـ ترامب أم ماذا؟
إن انهيار الاقتصاد الإيراني ليس انتصاراً لترامب ولفكرته عن الحصار الاقتصادي عبر استراتيجيته التي ينتهجها لكبح وعزل قادة إيران، إذ تستند كل من واشنطن وطهران في قراراتهما على قيام الاتحاد الأوروبي بمبادرةٍ جديدةٍ ضمن مجموعةٍ جديدة من المحادثات والمساعدات المالية المقدمة لإيران، مما سيعزل الاتحاد الأوروبي عن واشنطن في فترةٍ من التوتر الشديد قد تفضي إلى حربٍ تجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، و ربما تنجح تلك المناوشات في أن يدخل ترامب في فترة انعزالية في منصبه بعد عام 2020، والذي أيضاً قد يؤدي إلى أن تنسحب الولايات المتحدة من حلف الناتو وتعطي قوة أكبر لجاريد كوشنير وإيفانكا لتصدر المشهد الأمريكي .

علاوة على ذلك، فإن ترامب ببساطة لا يفهم المنطقة و التأثير الذي يمكن أن يحدثه إفلاس طهران التي تمد حزب الله في لبنان بالأموال خلال فترةٍ لإعادة تنظيم متوترة للغاية للقوة في المنطقة، فبتصرفاته هذه يلعب بالنار دون أن يدري خطورة الموقف .

و ربما يرى ترامب نفسه كبطل الفيلم الأمريكي "Lord of War" " سيد الحرب "، للممثل الأمريكي نيكولاس كيدج الذي يلعب شخصية فيكتور بوت، الذي ليس لديه أدنى فكرة عن أسماء البلدان التي يبيع فيها الأسلحة أو حتى التداعيات الجيوسياسية لتجارته .

كما أن سياسة "الضغط الأقصى" لترامب ستنتهي فقط بـ"رد الفعل الأقصى"، حيث لا يشير حتى المحللون الإسرائيليون الآن إلى هذه الاستراتيجية سوى باعتبارها "خطرةً للغاية "، لأنها أدت إلى دفع إيران إلى العودة لحيازة وتطوير امكانيات الأسلحة النووية، و لكنهم أيضاً يتطلعون إلى أن الرئيس الأمريكي المقبل يجب أن يقوم بفرز الفوضى التي تسبب بها ترامب وإعادة موازنة الأمور في المنطقة .

و من المفارقات العجيبة هو أن جون بولتون الذي كان جزءاً كبيراً من الاستراتيجية الأمريكية المضادة لإيران، على الرغم من أن ترامب كان موقفه أكثر تشدداً، كان آخر رجلٍ يدعم رئيسه في الفريق الذي صنع كل أزمات المنطقة، و قد يكون الطريق إلى سقوط ترامب هو التعاون بين بولتون مع الديمقراطيين وتجنب عزلهم .. و لكن يا ترى، كم سيستغرق الأمر من الوقت ؟


 

المصدر: النهضة نيوز + ميدل إيست