خلصت دراسة جديدة، نُشرت في مجلة (Neuroimage) أن الالتهاب قد يكون مسؤولاً عن الارهاق والتباطؤ العقلي الذي يصاحب الأمراض المزمنة.

تقول الدراسة إن: "كثيرٌ من الأشخاص الذين يعانون من مرضٍ مزمن يبلغون عن شعورهم بالإرهاق العقلي الشديد الذي يصفونه في كثيرٍ من الأحيان بأنه "ضبابية التفكير" أو "تباطؤ قدراتهم العقلية "، حيث يمكن أن تكون هذه الحالة مقلقة وخطيرة مثل المرض نفسه".

بالنسبة للدراسة، قام فريقٌ بحثيٌ من مركز صحة الدماغ بجامعة "برمنجهام" بالتحقيق في العلاقة بين هذا الارهاق العقلي والالتهاب واستجابة الجسم للأمراض. حيث وجدوا أن الالتهاب له تأثيرٌ سلبيٌ محدد على استعداد الدماغ للوصول إلى حالة التأهب والحفاظ عليها.

وقال الباحث البارز الدكتور علي مظاهري: " يشتبه العلماء منذ فترةٍ طويلة في وجود صلةٍ بين الالتهاب والإدراك، لكن من الصعب للغاية توضيح السبب والنتيجة بشكلٍ دقيق أو معمق. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين يعانون من حالةٍ طبيةٍ معينة أو يعانون من زيادة الوزن قد يشكون من ضعفٍ إدراكي، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كان ذلك بسبب الالتهاب المرتبط بهذه الحالات أو ما إذا كانت هناك أسباب أخرى. لذلك، لقد حدد بحثنا عمليةً حرجة محددة داخل الدماغ تتأثر بوضوح عند وجود التهاب".

فقد ركز الباحثون بشكلٍ خاص على مجالٍ معين من الدماغ، والمرتبط بالانتباه البصري. حيث أجرت المجموعة تجاربها على مجموعةٍ من 20 متطوعاً شاباً، وتلقوا لقاح "التيفوئيد السالمونيلا" الذي يسبب التهاباً مؤقتاً ولكن له آثار جانبية قليلة.

ثم تم اختبار المشاركين للاستجابات المعرفية للصور البسيطة على شاشة الكمبيوتر بعد ساعاتٍ قليلة من الحقن بحيث يمكن قياس قدرتهم على التحكم في الانتباه والادراك. كما تم قياس نشاط الدماغ أثناء إجراء اختبارات الانتباه .

وفي يومٍ مختلف، سواء قبل أو بعد التجربة، تلقوا حقنةً مليئة بالماء (دواء وهمي) وأكملوا اختبارات الانتباه نفسها. وفي كل يوم اختبار لم يكونوا على دراية بأي حقنة تلقوها. حيث تم قياس حالة الالتهاب عن طريق تحليل الدم المأخوذ في كل يوم.

وقد قيمت الاختبارات المستخدمة في الدراسة ثلاث عمليات اهتمام منفصلة، كل منها يشمل أجزاءً مختلفة من الدماغ. وهذه العمليات هي: "التنبيه" الذي يتضمن الوصول إلى حالة التنبيه والمحافظة عليها، "التوجيه" الذي يتضمن اختيار المعلومات الحسية المفيدة و تحديد أولوياتها، والرقابة التنفيذية" المستخدمة في حل ما يجب الانتباه إليه عندما تتعارض المعلومات المتاحة.

أظهرت النتائج أن الالتهابات أثرت بشكلٍ خاص على نشاط الدماغ المتعلق بالبقاء في حالة تأهب، في حين أن عمليات الانتباه الأخرى لم تتأثر بالتهاب. ويقول مظاهري: " تظهر هذه النتائج بوضوحٍ تام أن هناك جزءاً محدداً جداً من شبكة الدماغ يتأثر بالتهاب، وهذا يمكن أن يفسر ارهاق الدماغ ".

ويقول البروفسور جين ريموند: " هذا الاكتشاف البحثي يعد خطوةً كبيرةً إلى الأمام في فهم الروابط بين الصحة البدنية والمعرفية والعقلية ويخبرنا أنه حتى أقل الأمراض اعتدالاً قد تقلل يقظة وقدر الانسان الاستيعابية، وستكون الخطوة التالية للفريق هي اختبار آثار الالتهاب على مناطق أخرى من وظائف المخ مثل الذاكرة ".

وقد ذكرت المؤلفة للدراسة الدكتورة ليوني بالتر، التي أكملت الدراسة كجزءٍ من بحث الدكتوراه الخاص بها: " إن الفهم الأفضل للعلاقات بين الالتهاب ووظيفة المخ سيساعدنا على استكشاف طرقٍ أخرى لعلاج بعض هذه الحالات، فعلى سبيل المثال، قد تظهر الأبحاث الإضافية أن المرضى الذين يعانون من حالات مرتبطة بالتهاب مزمن، مثل السمنة أو أمراض الكلى أو مرض الزهايمر، يمكنهم الاستفادة من تناول الأدوية المضادة للالتهابات للمساعدة في الحفاظ على الوظيفة الإدراكية أو تحسينها. علاوةً على ذلك، يمكن استخدام التغييرات الطفيفة في وظائف المخ كعلامةٍ مبكرة على التدهور المعرفي لدى مرضى الالتهابات".