بذات الحماسة التي تفاعل بها الشارع مع برنامج "ما خفي أعظم" – أربعون دقيقة -، تفاعلنا قبل قرابة 12 عاماً مع برنامج "في ضيافة البندقية" الذي صوّرت فيه "الجزيرة" لأول مرة، مادةً تلفزيونية مع أدق مفاصل قوة المقاومة في القطاع، إذ استضافت على مدار 40 دقيقة أيضاً، قيادات عسكرية كبيرة في كتائب القسام وسرايا القدس، والتقت مع استشهاديين أحياء، شاركوا في عمليات بالغة الدقة والتعقيد، فضلاً عن دخولها لأنفاق القسام ومعامل تصنيع الصواريخ والقنابل، وصولاً إلى مشاركة كاميرتها في توثيق عمليةٍ حيةٍ لإطلاق الصواريخ على مستوطنات الاحتلال.

واليوم، تفرض المقاربة بين "ما خفي أعظم" و "في ضيافة البندقية" نفسها، فمن جهة، كلا العملين  شَغلا الشارع وأثارا حماسته ومعنوياته، ومن جهة أخرى، كشفت تلك الأعمال الكثير من وسائل المقاومة وشخصياتها، في حربٍ يقدس العدو فيها "شِقَّ المعلومة" فما بالك، بمعلومات وتفاصيل تأتيه على "طبق" من "برنامج".

نحن هنا، لا نوّجه سهام التشكيك لـ معد البرنامج ومقدمه، ولا حتى للقناة التي بثّت ومولّت، لأن شهادتنا تجاه "الجزيرة" تحديداً في ظل ما شهده العالم العربي من أحداث، ستكون بكل تأكيد مجروحة، إنما نتكلم عن "مصادفات" إن صح القول، حدثت عقب بث "في ضيافة البندقية" بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، ولا نتمنى حدوثها من جديد، بعد "ما خفيّ أعظم" .

تصفية نجوم "ضيافة البندقية"


أكثر حوارات "ضيافة البندقية" بلاغةً وعمقاً، تَمثل حين سأل إياد الداوود، وهو مقدم ومعد البرنامج - تم تصويره في شتاء العام 2005، وبُث بين عامي 2006 - 2007 على نحو التقريب-، يسأل استشهادياً شارك في عددٍ من العمليات وعاد سالماً، إن كان يخاف من الكاميرا؟ فيجيب: نعم تخيفني الكاميرا أكثر من الاشتباك مع العدو! أمّا لماذا، فتحضر كثيرٌ من علامات الاستفهام، ولا أجوبة.

حتى نهاية العام 2005 كانت المقاومة بكل تشكيلاتها تعيش في الظلام، بكل يحمله "الظلام" من معنى، صحيح أن هذا "الظلام" الأمني لم يعنِ عدم استهدافها، فللعدو عيون على الأرض، ومسيّرات في السماء، لكن الحصول على المعلومة، يبقى أكثر صعوبة من ما يصله بالمجان، ربما يصح ما قيل، عن أن التفاصيل التي نُشرت في البرامج التلفزيونية، يحيط العدو بكل حيثياتها، لكن مصدراً أمنياً في المقاومة، يؤكد غير ذلك، وأقل مثالٍ على ما يقول، أن مجمل المواقع التي صُوّر بها برنامج "ضيافة البندقية 2005" استهدفت فيما بعد بث البرنامج فعلاً!


 


ملاحظات أمنية

في إعادة مشاهدتنا لـ "ضيافة البندقية"، من المثير ملاحظة الكثير من التفاصيل والثغرات، التي لا تخفى بكل تأكيد على عقلية المقاومة الأمنية، لكنها وبكل أسف، عاودت التقليل من شأنها، وأهملتها في: "ما خفيَ أعظم" وأمثلة ذلك:

 

أولا: التقى مقدم البرنامج مع شخصيات وازنة في المقاومة الفلسطينية، محمد الضيف، وأحمد الجعبري، خالد الدحدوح، وخالد منصور، المؤكد لدى كل من المقاومة والعدو، أن الشخصيات سالفة الذكر، ليس العدو بحاجة إلى كاميرا تلفزيونية كي تلتقط معلوماتٍ " اجماليةٍ" عنهم، إذ أن جيشاً من العملاء وطائرات الاستطلاع تراقب تحركاتهم، لكن اللقاءات التلفزيونية تقدم ما هو مهمٌ أيضاً، الدلالات النفسية، اللغة ومستوى الحضور، كل ذلك يحوى قدراً جديراً بالتأمل والاهتمام من دارسة الأشخاص، وإعادة ترتيب الأولويات بالنسبة للعدو، وتضع واحداً قبل آخر على ملف التصفية.

ثانياً: الأكثر خطورة مما سبق، هو ظهور محمد الضيف مقنّع الوجه، حاسراً على بصمة صوته بدون أي تغيير ولا مونتاج، رغم أنّنا صرنا نشاهد "تعتيماً صوتياً" كاملاً على المواد التي أنتجتها وزارة الداخلية في غزة بقضايا التفجيرات الداخلية مثلاً، ما يعني أن هناك وعيٌ لحساسية الصوت في التتبع والاختراق، بما لا يقل عن الصورة، هذا الوعي امتلكته أجهزة أمنية (حكومية) خرجت من رحم تشكيلات المقاومة، وتعمل في ظروف أقل حساسية من المقاومة، أيضاً، بدا الضيف حاسراً عن مقياس رسم جسده، وهو أيضاً ثمين جداً بالنسبة للعدو، فالمعلومة غالية والصورة التي يعاد بناؤها ورسمها لا تقدر بثمن.

ثالثاً: تعاملت "القسام والسرايا" بطيبة وسخاء بالغين، مع الكاميرا، أدخلوا طاقم التصوير والإضاءة والصوت ومساعد المصور والمقدم، إلى أدّق الوحدات العسكرية حساسية، الأنفاق ومعامل التصنيع، وسنفترض صادقين، أنه لا ثغرات أمنية في شخوص فريق الإنتاج، لكن مهمة الإنتاج التلفزيوني مهمة "فضائحية"،( تُؤخذ الزاوية بعناية، تضبط الإضاءة، يعيد المقدم تصوير مقدمته مراراً، يطلب المخرج مشاهد أخرى)، سنقول أن عميلاً عادياً لن يتمكن من تتبع الفريق، لكننا سنتأّكد أن مخابرات العدو لن يعجزها أن تعلم بوجود صحافيٍ مرموق من "الجزيرة" في القطاع، يلتقى بقيادات فصائل المقاومة، وسيكون من اليسير عليها، أن تتبع طاقماً تلفزيونياً مكوناً من خمسة أشخاص على أقل تقدير!

رابعاً: أظهر "في ضيافة البندقية" ما هو أهم من المواقع النُقَطِية لـ معامل تصنيع السلاح، هو كشف قدراً دقيقاً من اللوجستيات المستخدمة في عمليات التصنيع، وأدخل الآلاف من المواد الخام الحيوية لسوق الصناعة والأشغال في القوائم السوداء، سيفترض البعض أن ( أسياخ اللحام – والمواسير – ونيترات البوتاسيوم – و حديد الزوهر ) مواد سيفهم العدو حضورها في رحلة تصنيع المعدات القتالية ضمناً، ولن أمتلك هنا  سوى الصمت؛ لأن الوقت لم يسعفني لدراسة المنحنى التصاعدي لحظر دخول المواد الخام للقطاع من المعابر التي يسيطر عليها العدو، يضاف إلى ذلك، أسئلة لا أمتلك إجابات عنها، متى دخل (السيليكون – والأسمدة – والأسمنت و الحصمة) في قائمة المنع؟، ولم أدرس أيضاً قدر اتساع قوائم الحظر عقب عرض في ضيافة البندقية، لكن التصوير التلفزيوني لهذه الأمور الحساسة، يقدم معلومات مجانية لم تكن تخطر على بال الاحتلال بكل تأكيد، ويسلط الضوء أكثر على دور بعض المهن وحضورها في حياة المقاومة، فلماذا كل هذا التساهل؟

خامساً: بذات القدر الذي يكون فيه من المثير مشاهدة تفاصيل تنفيذ علميات المقاومة، يبدو ذلك، هدية مجانية للعدو، "العملية حدثت وانتهت" صحيح ذلك، لكن الاقتراب من خفايا التنفيذ من على ألسنة منفذيها، يقدم صورةً أكثر وضوحاً عن فلسفة وطريقة التفكير التي يعمل بها المخططون، ويقدم فيما يقدمه، نقاط ارتكازٍ تساهم في صناعة منطلقات ثابتة لدى العدو، للاقتراب أكثر من طريقة تفكير المقاومة وتخطيطها.

 

أخيراً: ليس من المصادفة أن أستحضر في نهاية تعليقي المتأخر على "في ضيافة البندقية"  ما قاله القائد في سرايا القدس خالد الدحدوح أثناء لقائه بـ "الداوود" عن هيكلية عمل السرايا، "فهي تعمل بعدة رؤوس بشكل متوازٍ؛ بحيث إذا قضى العدو على رأس، أكمل الباقون العمل".


هوامش:

خبر صحافي: في 7/12/2007 قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منزل عائلة أبو سلمية، وقيل أن محمد الضيف نجا من الاغتيال بأعجوبة.

تعليق: لا تعليق

خبر صحافي: في 17/12/2007 اغتالت طائرات الاحتلال القائد العام لسرايا القدس ماجد الحرازين، وفي وقت لاحق من ذات الليلة، اغتالت كلٍ من القادة:
حسام ابو حبل وسمير بكر ومحمد الترامسي واسامة ياسين ونائل طافش، وكريم مروان الدحدوح، وعمار أبو السعيد، وأيمن العيلة.

تعليق: جميع الشهداء هم من "الرأس" العسكري الذي كان يقوده "الدحدودح" وظهروا في برنامج "ضيافة البندقية" حاسري الوجوه.

خبر صحافي: في 26/7 / 2017 اغتالت إسرائيل القيادي في سرايا القدس، عمر عرفات الخطيب.

تعليق: "الخطيب" هو ضابط العملية البحرية التي نفذتها سرايا القدس، وكان قد ظهر في برنامج "ضيافة البندقية" شارحاً تفاصيلها.

خلاصة:

الدافع إلى هذه المقاربة، ليس اتهام أحد، بقدر ما هو التنبيه إلى حساسية الصورة لدى مخابرات العدو، لمفاضلة الأثر المنشود من التصالح مع الكاميرا في بيئات المقاومة السرية، مع المخاسر المتوقعة لـ هذه المصالحة، و.لا أدرى أن كانت المقاومة قد تنبهت لكل تلك الثغرات، لكنه من الحزين، أن يظهر أحد المشتبكين مع وحدة "سيرت متكال" حاسراً عن بصمة صوته، حتى وإن كانت "إسرائيل" قد عرفت شخصيته سلفاً. كما أنه من المحزن أن نكشف عن قدراتنا لعدونا، وما استطعنا الاستحواذ عليه من معداته؛ ذلك لأن تعامله الأمني معنا ستقيه في المستقبل من عثرات كان يمكن أن يقع بها.


وعلى الرغم من سعادتي بما رأيت في "أربعين دقيقة" إلا أنه وبعدما خبا دفق "الأدرنالين" في نفسي، قفرت إلى ذهني "ضيافة البندقية" واسترجعت ما قرأتم بعد حضورٍ متمعن لحلقتي "القسام والسرايا"، أعتقد أننا كنا في غنىً عن ذلك الاستعراض، وعن كل تلك الهدايا المجانية؛ فليتكهن العدو، ويفترض، يتعب في الوصول إلى المعلومة، يقارب، يحلل، لماذا نهديه كنوزاً كهذه، وهو الذي لم يظهر حتى هوية قتيله الذى قضى من وحدته المميزة، ربما نكون دفعنا ثمن "في ضيافة البندقية" فعلاً، ومن الممكن أن تكون كل افتراضاتي سوء ظن، ولكن هل ستدفع المقاومةً ثمناً ما بعد ما "خفي أعظم" .. لا نتمنى ذلك، ولكن نخشاه.

 

المصدر: خاص - النهضة نيوز