إنّ أسمى شيء في الإنسان هو كونه يملك عقلا يفكّر، إلى جانب امتلاكه غرائز الجسد الحيوانية المعروفة. العقل يميّزه من سائر الحيوانات الخاضعة لسلطان الغريزة الثابتة، التي لا تتغيّر. يستطيع الإنسان، بقوة العقل، أن يعقل ويفهم حقيقة نفسه والآخرين، وحقيقة الكون من حوله، وأن يتخيَل ويتصوّر ويَحدُسَ الأبعاد المستقبلية والماضية في حيوية حركة تاريخ وجوده واستمراريته، وأن يوجِّه إرادته ويصنع قراراته، وأن يتحكّم بسلوكه ويضبط فوضى وجنون غرائزه. بقوة العقل يستطيع الإنسان أن ينضجَ وينموَ مع الوقت، بقدرِ ما يعي نعمة امتلاك العقل العظيمة، وبقدر ما يعوِّد نفسه على تشغيل عقله وممارسة التفكير الصّحيح والسّليم، ليستحقّ، بعد جهدٍ شاقٍ وطويل، صفةَ الإنسانِ "العاقل".

"أنا أفكر، إذا أنا موجود".

هذا القول للفيلسوف الفرنسي "رنيه ديكارت"، يخطر على بالنا كثيرا، وبإلحاح، في هذه الأيام التي نعيشها، ونحن نعاني في وطننا لبنان (وفي الشرق) من أعمال عنف وحقد وتدمير غير مسبوقة، تحرّكها دول معروفة، قوية عسكريا وعلميًّا، وغنية بمواردها الطبيعية والبشرية، ومتكبّرة حتى جنون العظمة. هذه الدول، عندها اكتفاءٌ مادّيٌ ذاتي تُحسَدُ عليه، ولكن، عندها أيضا نقص روحيّ وأخلاقيّ مخيف، وطمع مريض، يصعب فهمه ويصعب إيقافه، بالسيطرة على الشعوب وإخضاعها بالقوة واستغلالها واستعبادها، بحجة أنها تحمي مصالحها القومية وأمنها واستقرارها، في الوقت الذي هي وحدها فيه تشكّل خطرا على سائر الدول والشعوب. إن سلوك هذه الدول هو أسلوبها الطبيعيّ لإثبات قوتها ووجودها لنفسها وللعالم. نقول في أعمال هذا السلوك: إنها أعمال غرائز حيوانية متوحشة وشرسة ومفترسة، ونقول في فاعليها ومنفّذيها، وفي مفتعليها والمخطّطين لها بعقلهم المفكِّر، الذكيّ، أنهم أناس مجانين، أو "عباقرة شرّ"، بلا قلب وبلا عقل، وأنهم مجرمون، و"لا إنسانيون"، كون الإنسانية، في حقيقة جوهرها، تعني، وينبغي أن تعني، أساسا، العقل السليم، البنّاء، والمحبة الصادقة، والرحمة، والعدل.

وأيضا، يخطر على بالنا هذا القول العميق والجميل، كلّما رأينا من حولنا في وطننا لبنان، كيف يتصرّف معظم الناس، يوميا، وهم، مثلا، يقودون سياراتهم بروح المنافسة والغضب والتحدّي، ويزمّرون بشكل غرائزي ومتوحّش.

أيضا وأيضا حين يجبرنا الناس أن نتسمّع، غصبا عنا، على أصواتهم وموسيقاهم وأغانيهم العالية، الصاخبة، التي تصرع العقل وتحرق الأعصاب، وهي تخرج من بيوتهم ومن سياراتهم ومن الملاهي والمطاعم، خاصة في الليل وما بعد منتصف الليل، ولا نجرؤ على الإعتراض لئلا نسمع كلاما مهينا.

أجل، إننا، في هذا العالم الضاجّ، المجنون، نتذكر قول "ديكارت" الحكيم، ونشتاق إلى "العقل" و"التعقل". ونقرّر ونؤكّد التمسّك بخيارنا المُفَضَّل، وهو إثبات وجودنا، وجودنا الصالح، الصامت، الفعّال، والتيقّن بأننا حقّا أقوياء وموجودون، من خلال ممارسة التفكير العاقل، الهادىء، الرصين، وممارسة الأخلاق الحميدة، كلما عانينا من أجواء جنون الغرائز البشرية، المتجسّدة في أناس لا يستطيعون إثبات وجودهم، والإحساس بأنهم أحياء يُرزَقون، وأقوياء، وسعداء، إلا عن طريق الخضوع للغرائز العمياء، وممارسة الضجيج والتحدّي والأنانية والكبرياء ولذّة إزعاج الآخرين، وهم في الحقيقة غير واعين، غير أنهم راضون كل الرضى عن تصرفاتهم. وكم نردّد كل يوم في هذا الجو البشع حيث وجود العقل مفقود: بالفعل، العقل زينة. ونقول، مع كثير من الدهشة أمام عظمة الله وقدرته وحكمته: سبحان من أرضى الناس بعقولها.

أيضا وأيضا، يخطر على بالنا هذا القول العميق والجميل والمؤنس ل"ديكارت"، كلما رأينا سياسيينا وزعماءنا، وكل إنسان يدّعي ممارسة مهنة التفكير والتأثير على ما يُسَمّى ب"الرأي العام"، ويملك الطموح إلى قيادته، لا يُثبِتون، بمعظمهم، وجودهم، بالتفكير الإيجابي، المفيد، البنّاء، المثمر، خلال ممارستهم لمهنتهم. إنهم لا يؤلِّفون كتابا واحدا في مجال السياسة، مثلا، أو التربية، أو الأخلاق، أو التاريخ، ولا يكتبون مقالات دورية في الإعلام، ولا يلقون المحاضرات، ولا يقيمون ندوات حوار، من أجل توعية الشعب والتقرّب منه، واستحقاق ثقته. إنما يراهم الشعب يُثبِتون وجودَهم باللباس الفاخر، والسيارات الفخمة، وممتلكاتهم المحصّنة، وكثرة الحراس والمرافقين المسلحين، ومواكباتهم الصاخبة، وارتيادهم لأغلى و"أرقى" المطاعم والفنادق، وسفراتهم درجة أولى أو بطائراتهم الخاصة إلى "عواصم القرار" للتشاور والإستجمام، ومقابلاتهم ل"عظماء" العالم، وظهورهم دائما أمام عدسات المصوّرين وعلى شاشات الإعلام في كلّ تحرّكاتهم، وإسماع الشعب لتصريحاتهم المُعَلّبَة، الجاهزة، الخشبية.

إنهم، في كل أساليبهم البعيدة جدا عن التفكير، للتمتّع بالإحساس بوجودهم الدائم والقويّ، لا يَصْدُقون في كلامهم وأعمالهم مع الشعب، ولا يأبهون لردّات فعله. إنهم يتجنبون توجيهه التوجيه الصحيح، لاقتناعهم بأن حكمَ شعبٍ متسامح، مستلشق، غافل، لا يهمّه أن يعي ويدري ماذا يفعلون، ولا يحاسبهم إن هم أساؤوا التصرف وأخلفوا بوعودهم الوردية في زمن الإنتخابات، وخانوا الأمانة المعطاة لهم من هذا الشعب، لأسهل بكثير من حكم شعب واع، عاقل، متنوّر، يبقى لهم بالمرصاد. إنهم، في الحقيقة، يفكرون كثيرا، ولكنّ كل قواهم العقلية موجّهة إلى كيفية استغلال مراكزهم من أجل تكديس الثروات والأمجاد على أنواعها، من مصادر قوى خارجية، يصبحون "مقاولين"، أو وُكَلاء لها في "ورشة" الداخل، ويستقوون بها على بعضهم البعض، لا إلى كيفية خدمة الشعب، مصدر سلطاتهم، ولا إلى الإستماع لصوت الضمير الحيّ في داخلهم، ولا إلى محاولة معرفة معنى حقيقة وجودهم الإنساني، وحقيقة وجود الكون، من أجل الإرتقاء إلى قمم النور والروح. هكذا، بطريقة التفكير الأنانية هذه، يثبِّتون وجودهم القويّ ومكانتهم المرموقة في هذا العالم، على حساب وجود الشعب "الجاهل"، "الغبيّ"، المخدوع، الفقير، التعيس، الشعب غير الموجود بالنسبة لِمَنْ أوجدهم بانتخابه لهم، أو بالأحرى المشكوك بوجوده العاقل، الفاعل، إذْ إنه لا يفكّر ولا ينتفض ولا يثور من أجل المطالبة بحقوقه ومحاسبة ممثليه في الحكم، لا بل يعيد انتخابهم إلى الأبد، ويقضي وقته يتوق، عبثا، إلى حياة أفضل دون أن يحقّقها.

"أنا أفكر، إذا أنا موجود".

إذا كان التفكير الجيّد، المنطقي، السليم، يُنتِجُ وجودا قويا وسعيدا، فهل يبدأ، اليوم، الشعب اللبناني الحزين، المنقسم على ذاته، الضعيف، المُغيَّب كلّيا عن وطنه، بأن يفكّر بجدّية، وقبيل الإنتخابات النيابية، من عليه أن يختار، وقد بدأ السياسيون والزعماء يستجدون استجداءا "صوته"، ذلك "الصوت" الثمين جدا فقط في أيام الإنتخابات، والذي يصبح غير مهمّ وغير مسموع بعدها؟ وهل يبدأ يتيقّن بأنه موجود فعلا؟ هل يبدأ، اليوم، بالإحساس بكرامته، وبوجوب التحرّك، في صندوق الإقتراع، ضدّ من سلبه إياها؟

وهل يبدأ الزعماء والساسة أيضا (دون أن ننسى جوقات إعلامييهم) بأن يفكروا بتغيير تفكيرهم الأنانيّ وسلوكهم المتكبّر، وأن يعوا أخطاءهم ويعترفوا بها، وأن يُحجِموا عن استعمال اسلوب الكذب والخداع والباطنية مع أبناء الشعب، لفرض وجودهم عليه؟

هل يقتنعون بأن لا وجودَ حقيقيّا مشرِّفا لهم إلا بإخلاصهم ووفائهم الدائمَيْن للشعب، وخدمته وتأمين حياة كريمة له، وبناء روح الوحدة واحترام القوانين والنظام في نفوس أبنائه، وبناء جيش قويّ من أجل حمايته من شرّ إرهاب أعدائه؟

هل يبدأون بالتفكير الجدّي، المتحرّر من إيحاءات الخارج الخبيثة ومن أموال الخارج الفاسدة، بإنتاج نظام حكم جديد عادل، ودولة مؤسسات وقانون قوية، من أجل تحقيق طموحات أبناء الشعب اللبناني وحلمهم بحياة أفضل على أرض الوطن، لا في الغربة؟

إننا، مع اقتناعنا بأن الخلاص ليس وشيكا، نتفاءل بالخير ونتمنّى ذلك بكل صدق.

غير أن الشعب، إن لم يتحرّك كشعب واحد له رؤيا واحدة، وتفكير واحد، وإرادة واحدة، ووجود مشترك واحد، لا كمجموعة شعوب لكل منها أهدافها وغاياتها الخاصة، وإن لم يطالب بالحقوق عينها من أجل كل أفراد الشعب، وإن لم يتحرّر من أي تأثير مالي ومعنوي لمعظم قوى الخارج التي لا تريد الخير لهذا الوطن، وإن لم يُثبِتْ وجوده بطريقة عاقلة، حكيمة، مشرّفة، لا حقد فيها، ولا عنف ضدّ حكامه (وهم من صُنعِ يديه) ولو كانوا في معظمهم من المقصّرين والمخطئين والضالين والمتكبرين، فهو، ساعتها، شعب سوف يظلّ غير موجود ذلك الوجود الكريم، القويّ، الفاعل، الذي يستحقه، ويطالب به، ويشتاق إليه. وإذا بدأ الشعب يفكّر بتحصيل حقوقه وممارسة واجباته، ويتحرّك ضدّ من أفقدوه وجوده الآمن وحقوقه الإنسانية لسنين طويلة، فليتجرّأ، أولا، على محاسبة نفسه، بصدق وشجاعة، ويفكر ويتذكّر كيف أخطأ وأين، وكيف قصّر وأين، في مجال عدم التفكير الرصين بوضعه المأساوي من زمان بعيد وعدم محاولته إيجاد سبل كفيلة بالتخلّص منه، وفي مجال إهماله هو نفسه لواجبه المقدس بالمطالبة بحقوقه، وبالتالي بالتسبّب في محوه هو نفسه لوجوده. إذاً، فليحاسب الشعب نفسه أولا، قبل أن يفكّر بمحاسبة سياسيّين وزعماء قد أتقنوا، بمساعدته هو بالذات، ودون أن يدري، فنّ إلغاء وجوده وكرامته، وقد نجحوا وأيّما نجاح.

في خضمّ صخب العالم وضجيجه وصراعاته، اليوم، ينبغي على الشعب اللبناني أن تكون صرخته واحدة، صافية وقوية في وجه حكامه، يوم الإقتراع القريب:

أنا، الشعب اللبناني، أفكر التفكير السليم البنّاء، وأريد أن أتحرّر من الجهل والفقر والخنوع والظلم والخوف.

أنا، الشعب اللبناني، وبكامل وعيي وإرادتي، أعترف بأخطائي الماضية، ولن أكرِّرها بعد اليوم. وأنا، اليوم، أريد أن أحاسب، وأعترض، وأنتفض، وأثور، وأنتخب الشخص الأمين، المخلص، الوفيّ، القويّ.

أنا، الشعب اللبناني، أفكّر جيدا، لذلك أنا موجود، ووجودي قويّ وسعيد.