إنها عاصفة هوجاء، لا تتوقّف، لها عين شريرة لا تغمض أجفانها، تصيب كل شيء بنظرها الثاقب، القادح شررا، يحرّكها من وراء كواليس السياسة والمجتمع البشري، أناس قلائل، يملكون عقلا عبقريا في خلق الشرّ، هم خبراء في شؤون احتكار المال والمصارف والذهب والماس والنفط والغاز والمياه العذبة والبورصة والتجارة، وفي فنون القرصنة والسرقة والخداع والغدر والأذى والعنف والتخريب والتدمير. من يقف في وجه العاصفة يخسروجوده، ومن يميل معها يخسر كرامته. في كلتا الحالتين، لا ربح. إن غاية محرّكي العاصفة (وإسمهم "القوة الخفية"، وإسم العاصفة "الفوضى الخلّاقة")، في نهاية المطاف العنيف والطويل، هي، بكل بساطة، وبلسانهم بالذات، إستغلال الشعوب، وسرقة مواردها الطبيعية، وقتل حضارتها، والسيطرة عليها، واستعبادها، من خلال قادة هذه الشعوب، بقوة المال والإبتزاز والعقوبات الإقتصادية والسياسة والجيوش.

               إنه، لا شك، تعبير شيطانيّ، خبيث، باطنيّ المعنى والقصد، وفي الوقت عينه، جذاب وواعد بإمكانية عملية خلق وإبداع لأمر جديد في حياة الشعوب. إنه تعبير غريب بتناقضه الفاضح بين كلمتَيْنِ لا تتفقان في تسيير وإدارة حياة المجتمعات البشرية نحو الأفضل. بحسب المنطق السليم، وفي المفهوم الإنسانيّ العام المقبول والمُتَعَارَف عليه، الفوضى تعني الخراب والشرّ وغياب النظام والهدوء والسلام، وفعل الخلق يعني العكس تماما، أي البناء والإبداع والنظام والخير.

               يمكننا، ربّما، أن نتقبّل ونتفهَّم ونقدِّر، دون عناء، معنى فوضى الخلق والإبداع في جوّ فنّ الشعر والرسم والموسيقى والرقص والنحت. إنها فوضى تعني تفوّقا وعبقرية في عملية خلق العمل الفنِّي، وعدم إرتباط الإنسان الخلاق بأية قواعد فنّيّة تقيّد وتأسر قدرته على الخلق والإبداع. بتعبير آخر، الفوضى في عالم الفنّ تكون خلّاقة بالفعل، حين نعتبر أن المشاعر، والكلمات والأفكار، والخيال، والحلم، الموجودة في خزّان عالم اللاوعي في روح الفنّان، هي، على غموضها وفوضاها، منبع عمله الفنّي الواعي الرائع، وملهِمَةُ مواهب الإبداع والخلق التي يملكها ويكتسبها بممارسة فنّ أو مهنة "الفوضى الخلاقة"، إذا صحّ التعبير، في دنيا الفنّ والجمال. كما أننا نستطيع استعمال هذا التعبير للدلالة على جمال وسحر وقوة الطبيعة، كقولنا، مثلا: فوضى وجنون أزهار وعصافير الربيع، والغابات، والرياح، والأمطار، والبروق والصواعق، والأنهار، وأمواج البحر... إنها فوضى مضبوطة ومنظمة بدقّة فائقة من خالق هذا الكون البديع، وغايتها خلق حالة متجددة في الفصول. إنها سلسلة معجزات تفوق تصور وفهم العقل الابشري، تتجدد كل يوم، وتخلق في الإنسان الدهشة المتواصلة.

               بالمفهوم الجيد، ينبغي أن يعني تعبير "الفوضى الخلاقة" بناء الإنسان وثقافته وحضارته، لا قتل الإنسان وتدمير حضارته. إنّ هذا التعبير مُستَغرَبٌ جدا لدى استعماله في عالم السياسة، في تاريخنا المعاصر. هو مُسْتَغرَب لأنه لعبةُ قمار خطرة ومميتة بحياة الشعوب. إنها لعبة التعاطي مع الشعوب بشكل لا احترام فيه للإنسان، ولا رحمة. "الفوضى الخلاقة" التي يمارسها فلاسفتها وتلامذتهم، تعني خلق الحقد والبغض والإقتتال والحروب والمجاعات والأمراض بين الشعوب والدول، مع ما يجرّه ذلك من خسارة في الأرواح ومآسٍ في تفتيت المجتمعات البشرية ومحو حضاراتها، وفي تخريب وتدمير ما بنته هذه المجتمعات بعرق جبينها.
 
               ما الغاية يا ترى من لعبة "الفوضى الخلاقة" المميتة؟
 
               إننا لن نفهم أبدا روح الشر التي تحرّك وتدير هذه اللعبة. ولن نفهم أبدا لماذا لا يستعمل أصحابها ذكاءهم وعبقريتهم وقدرتهم المالية الهائلة ليجدوا طريقة أخرى أفضل للتعامل مع الشعوب، دون أن يخسروا شيئا، فلا تخلق لها جحيما، بل نعيما. كل ما نعرفه أنها موجودة، وأنها تسعى بجدية ونشاط إلى خلق وضع جديد للدول والشعوب على أنقاض أنظمتها وحضاراتها وجماجمها، يلائم مصلحة الحكومات التي تعشق القوة والمال، والتي تجازف بلعبة القمار هذه، وتديرها بكل وقاحة وبكل دم بارد وبأعصاب لا ترتجف. والوضع الجديد هذا يعني، بكل بساطة، تقليص فائض عدد سكان الكرة الأرضية، "الأكلة غير النافعين" (بحسب فلسفة أسياد هذه اللعبة)، وخلق حكومات ضعيفة تخضع لمشيئة حكومة عالمية واحدة، بقيادة "القوة الخفية" مالكة ومديرة ألعاب القمار كلها في كازينو السياسة العالمية.

               إنّ تعبير "الفوضى الخلاقة" قد بدأنا نسمعه بوضوح منذ بداية تسعينات القرن الماضي، حتى الساعة. سمعناه على لسان حفنة من رجال الحزب الحاكم في البيت الأبيض وقتها، كعنوان لفلسفة سياسية جديدة من أجل خلق "نظام عالمي جديد"، حين بدأوا بتهيئة الرأي العام والأجواء النفسية اللازمة الملائمة، في بلادهم والعالم، من أجل تطبيق فلسفتهم الجديدة هذه، وقرّروا غزو الشرق العربي وأفغانستان مختلقين الذرائع والأسباب (منها محاربة الإرهاب الذي خلقوه هم أنفسهم، بعد افتعالهم لحادثة تدمير ناطحات السحاب في نيويورك)، ومبتدعين كل طرق ووسائل العنف والمال. (لمن يقرأ ويعرف أين وكيف يقرأ التاريخ، تعبير "النظام العالمي الجديد" هو، والتطبيق الفعلي لمبدأ "الفوضى الخلاقة"، قد برزا معا في الحرب العالمية الثانية، حين برزت أفعى "القوة الخفية" التلموديّة، ذات الرؤوس القليلة وذات الأذناب الكثيرة، كقوة مالية هائلة، وكقوة تحدّ، واستفزاز، وابتزاز، وتدمير، ضدّ أوروبا المسيحية والغرب المسيحي بوجه عام، وضد أدولف هتلر والشعب الألماني بنوع خاص). هذه الفلسفة السياسية المدعومة بقوة المال والسلاح، ما زالت حتى اليوم، وبوحي من "القوة الخفية" ("الحكومة العميقة") عينها، تمارسها الدول التي مارستها من قبل، ولكن بواسطة حكومات جديدة وأذناب جديدة متكاثرة.

               من ثمارهم تعرفونهم. الربيع العربي هو إحدى هذه الثمار. فقد خلق "عباقرة" أتباع "الفوضى الخلاقة" ثورة فوضوية دموية في بعض الدول العربية (ليبيا، مصر، تونس)، بحجة تغيير وتحسين حياة الشعوب. الثورة تحوّلت إلى جحيم لهذه الشعوب وبعض حكامها، تماما كما أراد وخطّط لها عباقرة الشرّ. كانت نعيما فقط لبعض الزعماء المتعاونين مع فلاسفة "الفوضى الخلاقة". والجحيم العربي ما زال مستمرا حتى الآن في سوريا والعراق واليمن على يد ما يُسَمّى بالتكفيريين والإرهابيين، وهم جماعات قد ثَبُتَ أن من خلقهم ودرّبهم وموّلهم وسلّحهم هم فلاسفة "الفوضى الخلاقة" و"النظام العالمي الجديد" التلموديّين (عائلات روتشيلد وروكفلير ومورغان)، وأدوات خالقي هذه "الفوضى" وهذا "النظام"، الإقليميّين والدوليّين المعروفين. 

               أما لبنان، فهو قد عانى الكثير، حتى الآن، من هذا "النعيم"، وقدّم شعبُه وجيشُه ومقاومتُه الشهداءَ من أجل منع "النعيم" هذا من أن يتمدّد ويتسلّل في ربوعه، ويصبح جحيما للشعب اللبناني. ولبنان ما زال معرّضا للمزيد من المعاناة، بسبب من إنقسام زعمائه فيما بينهم على كل شيء، كالمعتاد، وفهمهم المختلف والمتناقض لما يحدث، والمتلوّن بألوان مصالحهم المالية الأنانية، وأمزجتهم الطائفية والمذهبية، و"صداقاتهم" الخاصة مع الخارج القريب والبعيد، وتبعيتهم المذلّة لهذا الخارج المعروف جيدا برؤوسه وأذنابه.

               إن المسألة بالنسبة لنا، نحن اللبنانيين البسطاء، هي مسألة حياة أو موت. علينا أن نركّز اهتماماتنا، اليوم، على أولوية الحياة والبقاء. علينا كلنا، شعبا ومسؤولين دون استثناء، أن نوقف فورا الأبحاث والنقاشات والخلافات السخيفة، العقيمة:

               -حول تفسير الدستور والقوانين والصلاحيات، 

               -وحول الأحجام والأوزان والحيثيات الشعبية والتفوّق العِرقي والحضاري، 

               -وحول مَنْ هو الأكثر فسادا من الآخر، ومنذ متى وعلى عهد من ومع من وتحت وصاية أية دولة،
 
               -وحول مَنْ يحاكم مَن وأين ومتى وكيف، 

               -وحول ضرر أو منفعة مدّ خطوط التوتر العالي فوق بيوت المواطنين، أو بناء سدود وتشويه البيئة وهدر المال العام،
 
               -وحول من يقوم بالمشاريع ومن يستفيد منها ويبني الثروات، 
 
               -وحول وجوب إثبات الدولة لهيبتها ووجودها وفرض رأيها بالقوة على الشعب المعترض على مشاريعها وعلى قرارتها التعسفية التي ترشح من موازنة متعثرة، غير موزونة، تضرّ بحياة الشعب وتهين كرامته، أو وجوب فتح الحوار معه لإقناعه برأيها أو لإقتناعها، هي، برأيه،

               أجل، فلنوقف، في الوقت الحاضر، كل السجالات العبثية التي نهدر فيها وقتنا وقوانا، ولنتخلَّ عن كبريائنا وغرورنا وأنانياتنا وأحقادنا، وعن عشقنا المريض لنبش القبور والفضائح، وعن روح السخرية والشتيمة والهجاء، ولنبدأ بوعيِ خطورةِ الأحداث لا بترداد الكلام البليد عينه عن المصلحة الوطنية العليا وضرورة العيش المشترك وخلق تمثيليات محاسبة الفاسدين والتضحية ب"الصغار" وعدم ذكر "الكبار"، ولنعلن حالة الطوارىء، ولنجتمع بسرعة ونقرِّر، معا، أن نتّحد، أولا، ونتفق على خطة عمل لكي نبقى، على الأقل، على قيد الحياة، ولكي ننجو من الغرَقَ والإختناق في طوفان مؤامرات وعنف أبالسة "الفوضى الخلاقة" الذي يحيط بنا من كل جانب ويكاد يخنقنا جميعا. بعد نجاحنا، إنْ نجحنا، بالبقاء أحياءًا نُرزَقُ، يأتي الوقت المناسب للبحث، وبأسرع وقت ممكن، في كل شيء، بحسب أولويات وحاجات وحقوق الشعب اللبناني المعروفة وبفتح أبواب الحوار معه، لا بحسب أولويات ساسة الحكم المفروضة عليه فرضا غير منطقيّ وغير معقول وغير عادل. 

               ولا بدّ أن نتفق، بنوع خاص، في وقت ما في المستقبل، على أسلوب حكم جديد، يحترم الشعب اللبناني، ويكون منصِفا للجميع، ويضمنُ استقرار وازدهار وسعادة واستمرارية هذا الشعب المعذَّب، الحزين، القرفان واليائس من معظم (إن لم يكن من جميع) زعمائه القدامى والجدد، الفاقدي الإحساس والوعي والرحمة، والعظيمي الثروة والسعادة هم وحدهم، في الوقت الذي يتلقّى فيه الشعب، وحده، كل الضربات القاسية، الناتجة عن قلة حكمتهم، وسوء إدارتهم لشؤون البلاد والعباد، وسوء أخلاقهم:

               -في مجال الإستدانة المُستدامة بإسم الشعب، وبناء ديون تتراكم بشكل مخيف عليه أن يفيها، وحده (لا الساسة أصحاب المصارف والإستثمارات، المستفيدين منها)، من جيل إلى جيل، من تعب جبينه، ومن فرض الساسة المتناوبين على حكمه (أو بالأحرى على التحكّم به) الضرائب والرسوم المرتفعة عليه، كلما أفرغوا ونهبوا خزينة الدولة، لتيئيسه وإخضاعه، 

               -وفي مجال تدنّي الأجور وتدنّي الثقة بالدولة، وارتفاع نسبة غلاء المعيشة والقرف والنفايات والمحارق والكسارات والمحافر والمعامل العشوائية والتلوّث وإفساد وتشويه البيئة، وارتفاع نسبة أمراض السرطان والفقر والبطالة والهجرة، 

               -وفي مجال المماطلة في استخراج النفط والغاز من بحر لبنان المكتشفة من القرن الماضي، بانتظار قرار من بعض دول الخارج، والخطر الدائم لشحّ المياه والكهرباء والدواء والأمن والأمان والمشاريع العمرانية واهتراء البنى التحتية وضعف حركة التجارة والصناعة والسياحة، 

               -وفي مجال إمكانية إعفاء لبنان، أي شعب لبنان، من الديون الثقيلة (المُخطَّط لها منذ "اتفاق الطائف" على يد بعض الدول والساسة المتعاونين معها في الداخل)، إذا قبل هذا الشعب المغلوب على أمره، ولو قسرا، بتوطين اللاجئين والنازحين إلى أرضه هربا من إرهاب وعنف مرتزقة "الفوضى الخلاقة" منذ سنة 1948 حتى اليوم، وبالتطبيع مع الكيان العنصري،
               -وفي مجال أخذ القرارت النهائية في كل المسائل الحيوية والمصيرية، وفرضها على الشعب، دون الرجوع إلى رأيه، والإحتقار العلني له، وتحدّيه، تبعا لفلسفة بعض ساسة الحكم (المعلنة وغير المعلنة) بأن القيادة تتخذ قراراتها دون استشارة أحد، لأنها (بنظر نفسها، طبعا) أوعى وأفهم وأحكم من الشعب، ومن نخبه، وحتى من أفضل الخبراء والمستشارين. هي تقود وتأمر، والآخرون يتبعون ويطيعون، دون نقاش أو إعتراض.
   
               إنها، بالفعل، مسألة حياة أو موت. إن الخطر الداهم من الداخل، خطر ممارسة الساسة، بشكل ممنهج، واع أو غير واع، لسياسة الأنانية والكبرياء والشعور بالعظمة والعصمة والكمال، وسياسة الكيدية، سياسة مدمّرة للوطن وشعبه، لا يقلّ خطورة عن الخطر الداهم من الخارج، خطر"الفوضى الخلاقة". ما هو مخيف، حقًّا، أن يفشل ساسة لبنان، دون أن يدروا، وهم في سكرة جنون عظمتهم الأبدية، بمجابهة الخطرَيْن. إن السوس الذي ينخر السنديانة من جذورها وجذعها، لأشد فتكا بالشجرة من الفأس.

               هل من يسمع؟ هل من يصغي؟ هل من يرى؟ هل من يفهم؟ هل من يهتمّ؟ هل من يجرؤ، من المتربعين على عروش القوة والمسؤولية، على وقف الكلام والثرثرة والوعود الكاذبة ونفخ الذات وفرض سياسيتها على الشعب، والبدء بعمل أي شيء للخلاص من كل الشرور المتفاقمة على رأس الشعب اللبناني؟ 

               هل من قيادة حكيمة، زاهدة في متاع الدنيا وأمجادها الباطلة، نزيهة، مخلصة، أمينة، متواضعة، شجاعة، قوية، تولد فجأة من رحم معاناة شعب معذب، صبور، قد تحمّل الكثير، وهو ما يزال يداري جروحاته وأوجاعه وكبرياء ساسته، وتوحّد هذا الشعب المبعثر، المشتت، الضعيف، رغم أوهام العظمة والقوة، هو وزعماؤه، وتقودهم جميعا إلى المراعي الخصيبة وواحات الأمان والسلام؟
 
               هل من يسمع صوت الشعب في صخب هذه الفوضى المجنونة، المدمِّرة، غير الخلاقة أبدا بالنسبة لنا نحن اللبنانيين، وبالنسبة للدول العربية، وللعالم بأسره؟ 

               نحن شعب مسالم، طيّب المعدن، صافي السريرة. نحن شعب قويّ الشكيمة، يحبّ الحياة، ويحبّ سائر الشعوب ويحترمها. نحن، في الحقيقة، شعب همّه أن يتّحد أبناؤه قلبا واحدا في سبيل إنقاذ وطنهم لبنان من عين عاصفة الشرّ الهوجاء، عاصفة "الفوضى الخلاقة"، وفي سبيل لعب دوره الرسولي كما ينبغي، وكما يأمل ويترجّى ويحلم، أي أن يكون مثالا حيّا يُحتذى في الحياة الكريمة المُحِبّة، المتسامحة، بين جميع العائلات الروحية التي أسّست هذا الوطن، ومَنَحَتْهُ هذه الإمكانيّة العظيمة ليكون له كيانٌ مميَّزٌ، ودورٌ خاصٌ، ورسالةٌ خاصةٌ، في عالم يُغرِقُهُ زعماؤه المتكبرون كل يوم في مستنقعات المجهول والحقد والعنف والتعاسة والموت. 
 
               هل تنتصر قوى الخير فينا، نحن أبناء الشعب اللبناني، على قوى الشرّ العالمية الكبرى الخفية والظاهرة، المستقوية، غير الآبهة بنا وبرسالتنا؟

               أجل، تنتصر قوى الخير فينا، إن انتصرنا نحن أولا، مسؤولين وشعبا، بقوة المحبة والوعي، على قوى الشر الساكنة في أنفسنا، أي قوى التعصّب وعبادة أصنام الزعيم والطائفة والمال، وقوى الكبرياء والغرور والحقد والنكاية والكيدية والإنتقام والمنافسة الأنانية في كل شيء، وقوى التكالب على لهط وسرقة وتجميع المال ومكاسب السلطة والعظمة والمجد والجاه، على حساب بعضنا البعض. 

               إذًا، فلنبدأ، الآن، بتطهير قلوبِنا من كلّ مفاسدها، أولا، ففي طهارة القلب ونقاوته وبساطته وبراءته رؤية صافية للحقيقة وللمستقبل، تخلق سلوكا سليما، حكيما. ولنتّحِدْ قلبا وفكرا ويدا، ففي الإتحاد القوة. إن رزمة القضبان المتحدة لا تُكْسَرُ بسهولة، كما تُكْسَرُ القضبان المتفرّقة، قضيبا قضيبا، مهما كانت قاسية. 

               حينئذٍ، لا يعود بناء جيش قوي، ووجود مقاومة قوية، مشكلة، كما كانت دائما، وما تزال حتى اليوم، لبعض اللبنانيين الخائفين من إزعاج وإغضاب بعض حكومات الخارج التي لا تريد للبنان أن يكون قويا لمجابهة الكيان الصهيوني العنصري ومرتزقته الإرهابيين. 

               حينئذٍ، كلُّ نِعَمِ وخيرات وبركات الحرية والإستقلال والسيادة والكرامة والسلام والإزدهار، تُعْطَى لنا وتُزادُ.

               حينئذ، يتحوّل لبنان من مجموعة أوراق خريف صفراء، يابسة، ضعيفة، تتناثر وتضيع في الفراغ تحت رحمة سياط رياح الشر كلما هبّتْ، إلى شجرة أرز باسقة، خضراء، صلبة، قوية، تناطح السماء، وترهق الرياح وتزهق روحها في محاولاتها المستميتة، المستمرّة، لتكسير أغصانها واقتلاعها من جذورها. 

               حينئذٍ، كلّ القوى الخفية والظاهرة لجحيم "الفوضى الخلاقة" لن تقوى علينا.
 
               إنه رهانٌ يستحقّ، حقًّا، المجازفة. فهل نقرّر أن نبدأ، اليوم، دون تردّد، وبإيمان راسخ بالربح والإنتصار، بالمراهنة على وحدتنا وقوتنا، في مواجهة عين العاصفة الشريرة؟