إن العنوان يصف وطننا لبنان، في ضعف أو إنعدام وحدته المزمنة. إنه البلد الوحيد على الكرة الأرضية الذي لم يستطع، بعد 76 سنة على نيل استقلاله، أن يحقق وحدة شعوبه أي طوائفه، ولا أن يقتنع بأنه ليس عدة جمهوريات، وعدة جيوش خاصة، وعدة مجالس نيابية، وعدة حكومات، وعدة رؤساء، يقفون دائما بالمرصاد لبعضهم البعض. إنه، فقط، في الأناشيد والأغاني والإحتفالات الوطنية، وفي مجالس الأفراح والعزاء والمآدب، بلد واحد، وشعب واحد. 

               يسأل المخلصون أنفسهم، وبكثير من الألم:

               لماذا، حتى الآن، فشلت (رغم كل إدّعاءات ومظاهر الوحدة الخداعة) طوائف لبنان (التي لا ينقص أبناءَها وزعماءَها أيُّ شيء من الذكاء والوعي) في العمل، معا، من أجل توحيد نفسها، حيث نجحت شعوب أخرى قد مرّتْ بالإختبار عينه وتخطّته، وبنت نفسها وأنظمتها وقوانينها، وحققت إزدهارها وقوتها؟ 

               لماذا مرّ اللبنانيون بأزمات حكم وحروب أهلية مريرة منذ الإستقلال حتى اليوم، وهم يتغنون دائما بالوحدة الوطنية والمحبة، وب"المعجزة اللبنانية"، وبلبنان الأخضر، الحلو، وبلبنان وطن الرسالة (رسالة المحبة بين الطوائف والتفاعل المثمر بين الحضارات)، ويفتخرون بإنشاد نشيد وطنيّ واحد، رائع المبنى والمعنى، وبعلم رائع الألوان والرموز (ولكنْ... مع أعلام أخرى طائفية، مذهبية، حزبية، كثيرة الألوان والرموز)؟ 

               هل تقع الملامة على الشعب أم على زعمائه، أم على من يحسدنا على عيشتنا الهنيئة (أكل طيب ومياه عذبة وعرق بلدي وأغان وفولكلور وأعياد وتقاليد شعبية وطبيعة خلابة...)، من سائر الشعوب والحكومات، كما كنا نسمع ونصدّق ونحن صغار؟ 

               إن الملامة تقع على الإثنين معا، أي الشعب والقادة، بقطع النظر عن تدخلات بعض حكومات الخارج لزرع بذور الفتنة في التربة اللبنانية الخصيبة، أي البنية الطائفية والسياسية الضعيفة، الهشّة، غير المحصّنة وغير المنيعة. إن حكومات الخارج المعروفة بقوتها وأطماعها، لها أهداف التأثير والسيطرة على سائر الشعوب بكل الوسائل، وبالمال وزرع الفتن بنوع خاص. وهي لا تُلام على محاولاتها هذه، في عالم مبنيّ على الطمع والقوة والعنف والخبث، ولا تُلام على وجود من يتعامل معها من داخل الوطن، لصالحه الشخصيّ المادّي والمعنويّ، لا لصالح الوطن بجميع طوائفه.

               إن الشعب، بأحزابه الطائفية، يظلّ ينتخب، رغم كل ذكائه، زعماء طوائفه وحلفاء المال ليمثلوه في المجلس النيابي. هو لا يحاسبهم مهما فشلوا في الحكم في مجال خدمته وازدهاره وحمايته، ومهما نجحوا باستمرار، فقط، في بناء ثرواتهم وعظمتهم بإسمه وعلى حسابه. والغريب في الأمر أن معظم أبناء الطوائف يرفضون ويقاومون بشراسة كل محاولات التوعية الآتية من النخب الروحية والفكرية الحرّة، المستقلة، الواعية، وكل محاولات الإنتقاد لزعمائهم. 

               أما الزعماء، العتاق منهم والجدد، فكل ما يهمّهم هو أن يبقى الشعب مغمض العينين، مُغرَما بهم حتى العبادة، لا يجرؤ على محاسبتهم ولا حتى يفكر بها، لأنهم يعرفون جيدا بأنهم، بالنسبة للشعب المتعلق بهم تعلقا مريضا، يمثلون ويعكسون ويجسّدون، هم وأجدادهم وأبناؤهم وأحفادهم، عراقة وعنفوان واستمرارية وخلود العائلة والطائفة والمذهب والعِرق. 

               إن روح القيادة الحقيقية تفترض مجموعة صفات يمتلكها شخص معيّن، تولَدُ معه بالوراثة، وينمّيها ويكتسبها بالثقافة والمعرفة والدُّرْبَة والممارسة. إنها صفات تميّزه من الآخرين، وتؤهله ليكون قائدا. هذه الصفات يمكن اختصارها بروح الخدمة والتضحية والعطاء، والحكمة والوعي والإلهام والرؤيا، والشجاعة، والإقدام، والإرادة الطيبة الصلبة، والأخلاق الحسنة، والإخلاص، والقدرة على أخذ القرارت وتنفيذها. لا شك أن صفات من هذا النوع نادرا ما تجتمع كاملة في شخص واحد، وهي تجعل من الإنسان الذي يملكها إنسانا قويّ الشخصية، وقائدا متفوّقا بحكمته وأخلاقه.

               ما يهمّنا، هنا، هو معرفة ما إذا كانت هذه الروح القيادية، نعني القيادة القوية الصالحة، موجودة، حقا، في لبنان أم لا، وإلى أي مدى؟

               ويهمّنا أيضا أن نعرف الى أي مدى وبأية نسبة يتجاوب الشعب مع الروح القياديّة الحقيقية، في حال وُجِدَتْ؟

               في لبنان، نحن، أبناء الشعب، نعاني، حتى في قلب كل طائفة، من وجود قيادات كثيرة، أكثر ممّا تتحمّل الطائفة نفسها، وأكثر مما يتحمّل هذا الوطن الصغير. إن واقع كثرة الرؤوس هذا، كان دائما، عبر التاريخ، وما يزال حتى اليوم، مصدر بلبلة، وسوء تفاهم، وتنافر، ونزاعات، وشرذمة، بين الزعماء أنفسهم، وبين طائفة وأخرى، وحتى بين أبناء الطائفة الواحدة التي تتحول، أحيانا، إلى عدة طوائف. بكلمة واحدة، كان هذا الواقع نقمة دائمة على الشعب اللبناني (أو بالأحرى، مجموعة الشعوب اللبنانية التي لا تتفق على ماضيها وحاضرها ومستقبلها)، ونعمة دائمة فقط على زعمائها وعلى ضيوفهم الكثر من حكومات الخارج، محبي الإصطياد في الماء العَكِر.

               إن كل طائفة، من منظورها الخاص المتوارَث، ترى أن زعماءها، كما هم على علاتهم وعيوبهم ونواقصهم التي لا يريد أبناء هذه الطائفة رؤيتها، هم الأفضل. وكل فريق سياسيّ صغير أو كبير، تحت مُسَمَّيات شتى لتجمعات ولقاءات وأحزاب وتيارات وحركات، له زعماؤه، وهم أيضا الأفضل.

               لا وجود لزعيم واحد يتطلع الشعب كله، او معظمه، إليه، ويرى فيه القائد الأوحد، المثاليّ، المُفَضَّل. المفارقة الغريبة هنا، والتي يتحّدث عنها كل من لا تخيفه الحقيقة، هي أنّ دولا كبرى جدا لها زعيم واحد (منتخب أو غير منتخب) يقودها ويتكلم بإسمها، وهو مرجعها الوحيد. أما لبنان، على صغره بمساحة الأرض وعدد السكان، فله مئات الزعماء، ومئات المرجعيات، ومئات الألسنة والأصوات والوجوه، وله، وراء هؤلاء، آلاف الزعماء التابعين، وصولا إلى ان يصبح، في نهاية المطاف المثير والفريد من نوعه، كلُّ مواطنٍ زعيمًا.

               إننا، في الحقيقة، إن وجدنا بين القادة والزعماء في لبنان من يمتلك صفات القائد المُلهِم والمُلهَم المذكورة أعلاه، بنسبة معينة مقبولة ومُمَيَّزَة، فالمشكلة أنه لا أحد يعترف له بذلك، بسبب الكبرياء الطائفي، ولا أحد يعترف بوجوده إلا مؤيّدوه، ولا يلقى من الآخرين سوى التهكّم والإحتقار والرفض أو التجاهل. هذه الظاهرة الغريبة موروثة، ومتأصّلة في طبع ومزاج أكثرية الشعب اللبناني، ومجموعة زعمائه الهائلة.

               مع هذا الواقع الذي فرضته على نفسها طوائف لبنان، لا القدر، هل ما زلنا نتعجب، ونتساءل:  

               -لماذا لا يعرف أو لا يريد اللبنانيون، من زعماء وأتباع، أن يختاروا قائدا واحدا للوطن الواحد؟   

               -ولماذا لا يتفق الزعماء اللبنانيون على شيء لصالح الشعب اللبناني بأسره، والأخطار الجسام الدائمة والمستجدة (أخطار العدو العنصري وإرهابييه، وما يسمى ب"صفقة القرن"، وأخطار السيطرة والإخضاع والإفقار والإذلال والضمّ والقضم والتجزئة والديون والتوطين، إلخ...) تحيط بلبنان من كل جانب، وتهدّد كيانه ووجوده بشكل مخيف، متفاقم، كل يوم؟ 

               -ولماذا لا يتفقون إلا على سلخ جلد الشعب اللبناني الكادح من مدنيين وعسكريين، بالتهويل عليه، وهم، بذهنية التجار وأصحاب المصارف والجزارين، يدرسون بنود الموازنة (غير الموزونة وغير المتوازنة وغير المتزنة وغير الوازنة)، بتخفيض رواتبه وضماناته، وبزيادة الضرائب والرسوم عليه، وإعفاء أنفسهم منها، ثم بمخاطبته بلطف وتودّد وتقوى وخشوع، والطلب إليه بأن يضحّي بنفسه وعرق جبينه وماله من أجل وقف هدر المال العام وسدّ عجز الخزينة الفارغة وملئها، وبأن يتفهّم ساسته وصعوبة مهمتهم ويساهم بحمل حملهم الثقيل، دون أن يذكروا شيئا عن إمكانية أو وجوب تضحيتهم هم أنفسهم، وقبل مناداة ومناجاة الشعب، بتخفيض رواتبهم ومخصّصاتهم وضماناتهم وتعويضاتهم الخيالية هم وعائلاتهم والسفراء والمدراء العامين في الدولة، وإلغاء أو تقليل سفراتهم وسياحاتهم، ومواكباتهم وسياراتهم وحراسهم؟  

               -ولماذا يعجزون عن العمل معا، يدا واحدة، من أجل أن يحكموا الشعب اللبناني المنقسم على ذاته بسبب انقسامهم، هم، على بعضهم البعض، وبسبب كبريائهم وإهمالهم له، حكما منصفا، عادلا، صالحا، آمنا، مستقرا، مزدهرا؟ 

               -ولماذا هذا الغياب والإحتقار والمخالفة والكسر للقوانين (أملاك بحرية، رخص كسارات وأبنية ومعامل عشوائية، إلخ...)، في وطن يدّعي الساسة والزعماء أنه وطن المؤسسات والقانون؟

               -ولماذا كل هذه الفوضى وهذا الإخلال بالنظام وهذا الفقر وهذا القلق وهذا الغضب وهذا القرف في حياة الشعب اللبناني اليومية؟  

               -ولماذا الزعماء الكثر، وبسحر إغراءات المَكرُمات المالية الخيالية (لكل زعيم على حِدَة) من قبل أولياء نعمتهم في الخارج، ثمنا لل"إستضافة" الدائمة لهم في قلوبهم وفي أرض الوطن، وللطاعة العمياء لأوامرهم، والسماح لهم بالتدخل في الإنتخابات النيابية والحكومية والرئاسية، وفي كل شاردة وواردة في مجرى السياسة الداخلية والخارجية، وفي عدم تسليح الجيش ودعم المقاومة واستخراج الغاز والنفط، أجل، لماذا يفعلون ذلك (ولا إسم لما يفعلون، مهما اخترعوا له أسماءا سياسية جميلة، إلا "الخيانة العظمى")، ولماذا ينعمون وحدهم بحياة الرخاء والترف حتى البطر والدوخان والتخدير ونسيان الشعب الفقير الذي يدفع الثمن دائما من أمنه وصحته وكرامته وازدهاره وتقدمه وعيشه الكريم وسعادته؟

               -ولماذا يفقدون أي شعور بالذنب، وأي توبيخ ضمير، وأي خوف من أية محاسبة من قبل ذلك الشعب المسكين، المخدوع على الدوام، الذي يعيد انتخابهم باستمرار؟

               -ولماذا لا يستحون ولا يخجلون ولا يستترون وقد ابتلوا بالمعاصي، ولا يستقيلون من مناصبهم ومهمّاتهم (لا نريدهم أن ينتحروا) كما يفعل ساسة العالم حين يفشلون أو يخطئون أو يُتَّهَمون بالفساد؟

               -ولماذا يتصرّفون وكأن لا وجود لأمر خطير، كارثيّ، على المنطقة كلها، وعلى الشعب اللبناني بنوع خاص، هو على كل شفة ولسان لفرط ما يملأ أسماعنا وأبصارنا كل يوم في الإعلام، إسمه "صفقة القرن" بين ذئاب السياسة العالمية لإراحة الكيان العنصري في فلسطين، وما تجرّه هذه الصفقة من توطين، وسرقة المزيد من الأراضي والأوطان وتشريد شعوب مغلوبة على أمرها، وحالات إنسانية وسياسية وإقتصادية سيئة، ومحاولات سيطرة واستعباد، ومقاومة وحروب... وكأن ساستنا بمنأى عن كل ذلك، ومحصَّنون ضدّه ماليا ومعنويا في الداخل وفي الخارج، وكأنه لا يعنيهم؟

               -ولماذا، في نهاية الأمر، وبالمختصر، فقد الشعب اللبناني ثقته بساسته، ولم يعد يأمل خيرا من حملة الإصلاح، وهو لا يوقف التشكيك بها وبحامليها، وبإمكانية وقف الهدر والفساد، وملء خزينة الدولة، وإعادة المال المسروق، ومحاكمة الفاسدين الكبار قبل الصغار، وهو يشعر بأنه المستهدَف وحده بصحته وماله وكرامته، من ساسته بالذات؟
    
               لا، لم نَعُدْ نتعجّب أبدا من كل ذلك. ولكننا نتعجب كيف أن أحدا من مدّعي الزعامة والقيادة والغيرة على الأتباع والطائفة والوطن، لا يفعل شيئا مفيدا، غير مؤذ للشعب، للخلاص من هذه الأحوال المأساوية المزمنة، المستمرة، على ما يبدو، إلى أبد الآبدين، والتي يعيشها الشعب المقهور وحده، مرغما، كإستدانة الساسة  الدائمة للمال، غير المبرَّرَة، من الخارج (المصرف الدولي والشركات والحكومات الغربية)، لتحقيق مشاريع لا تبصر النور، والتسبّب في تكاثر الديون، وزيادة الضرائب والرسوم على الشعب الفقير لسدّ الديون وعجز الخزينة المنهوبة من ساسته. 

               ونتعجّب أيضا، ونحتار بشدة، حتى الألم، كيف أن ذلك الشعب المظلوم لا يحرّك ساكنا للتخلص من الأمر الواقع المرير الذي فَرَضَه عليه قادته، أو بالأحرى الذي فرضه هو نفسه على نفسه، لا بل فهو يعيد انتخابهم من جديد، ويظلّ يحبهم حبَّ الضحيّة المريض لجلادها، ولا يتجرّأ على معاتبتهم حتى معاتبة ودودة رقيقة، أو على إطلاق صرخة "كفى" عنيفة، مدوّية، متواصلة، في صندوق الإقتراع، وفي تظاهرات واعتصامات  الشارع حتى العصيان ورفض دفع الضرائب، في وجه من سلّمهم أمانة قيادته، أما هم فخانوا الأمانة.

               ما يحيّرنا أيضا ويؤلمنا، هو كيف أن الشعب اللبناني، بكل طوائفه، لم يتمكّن أبدا من الإتحاد شعبا واحدا، رغم سوء إدارة شؤونه من زعمائه وساسته، ورغم كل الأزمات والمصائب والمآسي والأحزان المشتركة التي رافقته عبر تاريخه الطويل، وما تزال ترافقه حتى اليوم: غزوات الجيوش المتكرّرة لأرضه من الجهات الأربع، الإحتلالات، الإضطهادات، الإستشهاد، الجوع، المرض، الموت، الضرائب، غلاء المعيشة، الفقر، لقمة العيش المغمّسة بالدم، البطالة، الهجرة، النفايات، التلوّث البيئي، العدوّ المشترك، الإرهاب، إلخ...

               إذًا، لا سبيل لنهوض الوطن من كبواته المتكررة إلا بقيادة حكيمة واحدة (لا عدة قيادات متناحرة) تجمع صفات القيادة المطلوبة، وبشعب واحد واع (لا مجموعة شعوب)، هو أيضا، والى حدّ كبير، مسؤول عمّا يصيبه من مكروه وإذلال، إذْ إنه لا يمكن ولا يجوز أن نحمّل القادة وحدهم كل المسؤولية في خراب الوطن (رغم أن مسؤوليتهم كبيرة جدا كونهم في مركز المسؤولية والقيادة)، أو نظلّ نتحجّج بالدول التي تهوى، بطبيعتها، زرع الفتن فيما بيننا، وفي كل تربة صالحة لبذر بذور شرها.

               من تراه يجرؤ، اليوم، أن يتطوّع لتوعية الإثنَين، القادة والشعب، وفي صفوف الإثنَين نجد أعدادا كبيرة، هائلة، مجبولة جبلا بروح الكبرياء والغرور والإنتقام، تدّعي الكمال والعصمة، وتتصرّف على أساس أنها آلهة لا تخطىء؟

               الكلام الطيّب كثير، والمواعظ الحسنة كثيرة، ولكنّ من يصغي إليها بانتباه، ويتقبّلها بتواضع، ويعترف بقيمتها وبجدواها، ويعمل بموجبها، هم قليلون جدّا، ويعجزون، وحدهم، عن إحداث أي تغيير سريع إيجابي، ملموس، في عقول وقلوب وإرادات من هم بحاجة الى تجدّد وتغيير، قادة وشعبا.

               هل الأمل مفقود؟  

               يجيب معظم أبناء الشعب (حتى الذين يعيدون انتخاب الساسة عينهم في الحكم) بسرعة وبلا تردّد، وبإقتناع تام، على هذا السؤال، ب"نعم" غاضبة، مستسلمة، حزينة.

               ولكنْ، لا ينبغي أن يقطع أحد الأمل مهما كانت تجربة الفشل وخيبات الأمل والقرف واليأس قوية وطاغية.

               بروح الأمل والحكمة، نسأل أنفسنا: كيف السبيل الى الخلاص؟

               يبدو أن لبنان، وطن الرسالة، رسالة المحبة والتآخي، الذي لم يرتقِ شعبه وقادته بعد الى مستوى هذه الرسالة، بحاجة إلى معجزة تنجّيه من الشرور المستحكمة فيه، والتي تغذيها باستمرار وقسوة دول كبرى، تحقيقا لمصالحها (إغراق الشعب اللبناني بالديون نتيجة الإستدانة الخاطئة، المشروطة، المتكررة، على يد ساسته، كما ذكرنا منذ لحظات، لإجباره، حين يصرخ من الوجع ويطالب بإعفائه منها، على القبول بتوطين اللاجئين والنازحين، وبالتطبيع مع كيان العدوّ الصهيوني)، ومصالح بعض الزعماء الباطنيّين، المتعاونين مع منابع المال والقرار في الخارج (المزيد من الإثراء والقصور والشهرة والعظمة)، والمؤذية فقط للوطن الصغير لبنان، أي لشعبه المستضعَف، المستغَل، المخدوع.

               إن معجزة الخلاص تحتاج الى نصرة العناية الإلهية لتلهم القلة القليلة من المخلصين الصادقين الشرفاء، المؤمنين بِقِيَمِ الحق والعدل والخير والجمال، بأن تتابع، بلا كلل، الجهاد المقدّس، جهاد التوعية والإرشاد والنصح وقول الحقيقة، في سبيل خلاص الشعب اللبناني من تلك الحالة الرهيبة التي يعيشها من زمان بعيد، والتي وَرِثها عمّن سبقوه، حالة الإنقسام والتشرذم والإفتقار إلى قيادة واحدة، حكيمة، مخلصة، وحالة عدم الإعتراف بالشريك الآخر، وحالة الحذر والسخرية والقرف والضعف والإحباط واليأس، وحالة عدم مساءلة زعمائه المقصّرين بحقه، والخاضعين، برضاهم وطمعا بالمال واستمرار الزعامة، لنفوذ الدول الكبرى وبناتها من كيانات عنصرية عربية وتلمودية متسلّطة بمالها وسلاحها. أجل، على النخبة القليلة الواعية أن تتابع جهادها في سبيل خلاص معظم القيادات اللبنانية من غرورها، وكبريائها، وأنانيتها، وعشقها المريض للمال والعظمة والأمجاد الباطلة، وإهمالها لواجباتها تجاه الشعب، وتفضيلها التعاون مع آلهة المال والقوة في الخارج، وبناء ثرواتها وسعادتها على حساب كرامة الشعب، وصحته، وفقره، وتعاسته.

               إن روح الخدمة والإخلاص والصدق، إذا توفّرت في أي إنسان، بالفطرة والممارسة والتعلّم، مع روح التواضع والمحبة والحكمة، كافية لتجعل منه قائدا قويا لشعبه، أي راعيا صالحا لقطيع مشتت عليه أن يحاول دائما المستحيل لجمعه في حظيرة آمنة، ولحمايته من غدر الذئاب المتكاثرة يوما بعد يوم. لا لزوم لأن يكون القائد القوي والحكيم عبقريًّا إلا في بساطته، وتواضعه، وإخلاصه لشعبه، وصدقه معه، ومحبته له.

               إن الحصاد يتكاثر كل يوم، وهو يفوق التصوّر، وأمّا الفعلة الحقيقيون، المخلصون، الصادقون، المثابرون، فقليلون جدا. نحن، أبناءَ الشعب البسطاء في لبنان، بحاجة الى العمل معا بوعي وجدّيَة، ودون ملل وقرف ويأس، من أجل اختيار قادة ورعاة وفعلة صالحين.

               نحن بحاجة ماسة إلى نُخَب صالحة، حكيمة، تملك رؤية سليمة واضحة للبنان الغد، وتملك اقتراحات عملية ومفيدة حول إحياء هوية لبنان الحقيقية في غنى تفاعل عائلاته الروحية، وفي رسالته، ودوره الفاعل في هذه المنطقة وفي العالم أجمع، وتسعى السعيَ الحثيث للتلاقي والحوار بين جميع مكوّنات الوطن لدرس ميثاق تفاهم جديد، إنطلاقا من ميثاق الطائف بالذات، من أجل تصويب الأخطاء فيه، ودرس أماكن إخفاقات تطبيقه وأسبابها، وسبل إزالتها وتلافيها، مع الحفاظ على روحية ميثاق الإستقلال.

               إن الطريقة الواقعية المُثلى لتوحيد الشعب اللبناني وقياداته، وتوحيد الولاءات جميعها للوطن الواحد تكون بمناقشة كيفية إعادة تكوين السلطة من جديد، بشكل متوازن بين جميع الطوائف، لا إجحاف فيه لأية طائفة، وبإنتخاب مجلس النواب تبعا لقانون انتخاب نسبيّ، عادل، يشمل كل الوطن، وينصف الشعب بكل فئاته، وينصف أية طائفة تشعر بالغبن، ويمنح رئيس الجمهورية صلاحيات أقوى وأشمل مما أعطاه إياه ميثاق الطائف. ويحسن بالمسؤولين أن يعملوا، قدر الإمكان، بحسب ميثاق 1943، من أجل تحييد لبنان عن كل الصراعات بين شرق وغرب، في عالم يسوده شرّ الطمع والمال والقوة والغدر والخداع والسلاح، ولبنان بالذات، مع دول المنطقة المقاوِمة، مستهدَف للتدمير، بسبب وجود مقاومة قوية جدا فيه، مع الحرص الشديد، بإزاء السعي لتحقيق فكرة الحياد،على بناء جيش قوي، بصمت وسرّية ودون ضجيج، تحسبا لكل طارىء في أدغال الشر.

               لا بأس هنا من التكرار، بكلام آخر، مع شيء من التفصيل:

               إن تكوين السلطة من جديد أمر أساسيّ، ضروريّ، لا غنى عنه، ومشروع طَموحٌ يشملُ المجلس النيابي والحكومة ورئاسة المجلس ورئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية. 

               يبدأ هذا المشروع بقانون انتخابات نسبيّ في كل لبنان، خارج القيد الطائفيّ. إن أي مشروع (إستدانة، ديون، بناء سدود، مدّ خطوط كهرباء فوق البيوت أم تحت الأرض، مقالع، كسارات، مكبّات و/أو محارق نفايات، معامل، إلخ...) ينبغي أن يُشْبَعَ، قبل إقراره فجأة (إستجابة لروح الإستثمار والربح في نفوس بعض الساسة وحلفائهم المعروفين في الداخل والخارج)، درسا وتمحيصا، في جلسات حوار تجمع الساسة والنخب الشعبية الجيدة والخبراء والمستشارين الصادقين، الشجعان، غير المرتشين، لا أن يُفرَضَ فرضا على الشعب اللبناني دون استشارته، ودون الإستماع إلى شكواه ومخاوفه، ودون تهيئته لفهمه وقبوله.

               لذلك، لا ينبغي أن تتكرر مسألة الإنتخابات الماضية في أيار 2017. فقد فُرِضَ، حينها، على الشعب اللبناني، قانون إنتخاب معقَّد، نسبيّ، إستنسابيّ، مجتَزَأ، طائفي بامتياز. لقد قيّد هذا القانون حرية الناخب، وأجبره على انتخاب لوائح مصطنعة،هجينة، مغلقة، مقفلة، "معلبة"، بكاملها، مع بدعة-فذلكة-خدعة "الصوت التفضيلي" و"الحاصل الإنتخابي". إن هذا القانون الهجين قانون ظالم، رغم تشدّق بعض المسؤولين بحسناته (طبعا، بالنسبة لهم وحدهم). فقد ظلم الكثيرين من المرشحين المستقلين والعلمانيين وحرمهم من الوصول إلى الندوة النيابية. وظلم الشعب في عدم السماح له باستعمال حريته كما ينبغي. وخلق جوًّا من الخبث والرياء والكيدية والتنافس الوقح على شراء "الصوت التفضيلي"، بين مرشَّحي اللائحة الواحدة. إنه أجبر أكثر من نصف الشعب على مقاطعة الإنتخابات، أو تقديم ورقة بيضاء. كانت الأوراق الملغاة كثيرة جدا نتيجة لعدم توعية الدولة للشعب على ماهية القانون الجديد. أما نسبة المقترعين عامة، فهي نسبة لا يحقّ أبدا للّذين "طبخوا" وحدهم قانون الإنتخاب وفاجأوا الشعب به، وللّذين ناسبهم، وللّذين نجحوا وحققوا انتصارات "باهرة" وغير متوقَّعَة، أن يسكروا ويفتخروا ويحتفلوا بها ويبنوا عظمتهم عليها.

               إنّ النخب القليلة الجيدة (خارج الحكم وداخله) هي القوى الوحيدة المؤهَّلَة أن تلعب دورا قياديا يؤسِّس لخلق قيادة واحدة للوطن، قيادة ينبغي أن تُعْتَبَرَ خشبة خلاص للشعب اللبناني المنقسم على ذاته، ولقياداته الكثيرة المتناحرة. وهو مشروع، إن وُجِدَ حقا، وهو بالفعل موجود لدى بعض النُّخَبِ الجيدة غير المسموع صوتها في أجواء برج بابل اللبناني، ينبغي أن يكون قابلا للنقاش في جلسات حوار صادقة، هادئة، متواصلة، تضمّ كل اللبنانيين من نخب شعبية فكرية وتربوية وإعلامية وقيادات سياسية وروحية. إن تطبيق المشروع بعد نقاشه والموافقة عليه من قبل جميع الساسة والزعماء والنخب، يشكل الفرصة الذهبية الوحيدة للشعب اللبناني، على غنى تنوعه، لكي يكون حقا مصدرا واحدا موحَّدا للسلطات، ولكي يكون له حقا صوت واحد هو من صوت الله، ولكي تكون له مناعة قوية دائمة ضدّ شرّ الكذب والخداع والفتنة والإنقسام والفساد والزوال، ولكي يبدأ بالتنعم بمسيرة إنعاش لأمله بحياة أفضل في كل المجالات والحقول.

               إنه مشروع كبير، يحتاج إلى وقت وصبر. إذا كُتِبَ له النجاح، على مراحل، ودون استعجال للأمور، سوف يُفْضِي، حتمًا، في نهاية المطاف، إلى خلق نظام علمانيّ يلغي الطائفية وزعماء الطوائف المستبدّين، يكون فيه خلاص الشعب اللبناني من كل أمراضه النفسية والإجتماعية والسياسية، ومن روح التعصّب العائلي والعِرقيّ والطائفي والمذهبيّ والديني، ومن مآسيه التاريخية المزمنة.
]
               هل نصبح، يوما، وقبل كل شيء، شعبا واحدا، يملك قيادة واحدة، ونَبْطُلُ أن نكون مجموعة شعوب مشتتة، متناحرة، ضعيفة، تفتخر، وهي في قلب أتون النار (حروب، إرهاب، فقر، ديون، تلوث، أمراض، فرض التوطين والتطبيع...) بأمجاد تاريخية عريقة، أنانية، باطلة، لا تجدي نفعا، تقودها مجموعة زعماء يعيشون خارج أتون النار وبعيدا عنه، سعداء وسكارى بعبادة أتباعهم لشخص صنمهم المقدس، قد ضرب الطمع والغرور وحبّ الذات وجنون العظمة رؤوسهم، لا يعرفون معنى التواضع والوداعة والصدق والوطنية والمحبة والتضحية والحق والعدل؟

               هل نبدأ، يا ترى (من تراه يبدأ)، ومتى، وكيف، بالخطوة الأولى الجريئة، وهل نكمل الخَطْوَ، معا، دون توقّف، على درب الخلاص الضيّق، المحفوف بمخاطر قُطّاع الطُّرُق وخفافيش الليل وعقارب الغدر وأفاعي الفتنة؟