إن تعبير "على من تقرأ مزاميرك يا داوود"، هو من أكثر التعابير تداولا في لبنان، في الإعلام، وفي مواقع التواصل الإجتماعي، وفي أحاديث الناس اليومية عن الأوضاع السياسية والإقتصادية والأمنية الحاضرة والمستقبلية، المزرية، في "البلد"، وعن تقصير السياسيين الفاضح في حلّ مشاكل الشعب، وعن عجزهم المزمن في التحسّب للمشاكل قبل حدوثها كي يجنّبوا الشعب الوقوع في فخاخها، وعن تفوّقهم وإبداعهم البالِغَيْن في تعقيد المشاكل القديمة وفي خلق مشاكل جديدة، دائمة، وفي الإثراء السريع وغير المشروع، وفي ممارستهم لسياسة الإزدواجية والباطنية في تعاملهم مع بعضهم البعض، ومع الشعب اللبناني، ومع ساسة العالم، وفي خلق التعاسة، في نهاية المطاف، للشعب اللبناني الفقير. إنه تعبير صادق عن القرف الذي يشعر به معظم أبناء الشعب اللبناني، وعن يأسهم من إمكانية الإصلاح، إصلاح الوطن، أي إصلاح تفكير وأخلاق الساسة وأتباعهم وعابديهم، من أجل تغيير أوضاعنا الإقتصادية والنفسية والإجتماعية والأمنية السيئة، المخيفة، في عالم تحرّكه روح الأنانية والمصلحة والطمع والكذب والخداع والكبرياء والعنف والإرهاب والسيطرة. والتعبير هو أيضا محاولة مباشرة، صريحة، لإحباط كل من يحاول المساهمة في هذا الإصلاح، بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والمثال الصالح. ويُضاف إلى التعبير هذا، تعابير أخرى، مُتَداوَلَة بكثرة، كتعبير "فالج لا تعالج"، مثلا، أو "شعب غير نافع"، أو "السياسة مصالح"، أو "السياسيون كلهم فاسدون"، أو "كبِّر عقلك وانسَ الموضوع"، أو "هل أنت من كوكب آخر؟"... 
  
                إنها لمسألة محبِطة، حقا، حين يفاجئك أبناء الوطن الواحد بتعابير من هذا النوع ، دفعة واحدة، وأنت تحاول أن تزرع في تربة الروح بذور الخير والمحبة، مع كل نسيم وكل ريح وكل شروق شمس، وحين يصرّون، بعد رشقك بوابل من أقوال التيئيس، على إقناعك بالعدول عن محاولتك النبيلة لتوعية النفوس وإيقاظ الضمائر وإنارة عتمة الليل: لماذا تتعب نفسك؟ ولماذا تغنّي، وحدك، في الطاحونة؟ 

               في الواقع، إنه لأمر سهل جدا القنوط والقرف واليأس من معظم أبناء الوطن، من شعب وساسة وإعلاميّين ورجال مال ومصارف وأعمال، حين يصمّون آذانهم ويديرون ظهورهم، كلما قرأ إنسان بريء وصادق على مسامعهم مزامير الحقيقة والحكمة والمحبّة والرحمة والحقّ والعدل والأخلاق الحسنة والقوّة، لتنوير عقولهم وقلوبهم وإراداتهم، ولحثّهم على تحسين سلوكهم في تعاملهم اليومي مع بعضهم البعض، وتوحيد جهودهم، وهم مكوّنات الوطن الذي لا بديل عنه، لبناء الوطن وحمايته، وهو مهدّدٌ كلّ لحظة بخطر الإنهيار والفناء، وذئاب الطمع والغدر والعنف والإرهاب والدمّ، داخل الوطن وخارجه، فاغرة أشداقها بوحشية وشراهة لإفتراسه. 

               إن صبر أبناء الشعب ينفذ بسرعة البرق، وغضبهم يشتعل، حين يكمل الصوت الصارخ قراءة وإنشاد مزامير الإبتهال والصلاة إلى الله دون تردّد أو وجل، ومزامير النصح والإرشاد والحكمة والدعوة إلى الوعي، لحثّهم على الإرتقاء بالروح من مستنقع أوبئة المال والفساد والرذيلة والجهل والكبرياء والأنانية والفرقة والضعف، حيث يرتعون ويسرحون ويمرحون، في سكرة لا يريدون أن يصحوا منها، إلى ينبوع الحياة الحيّ، والوحي البهيّ الصالح، وشمس المحبّة الصافية والرحمة الشافية للقريب الفقير والضعيف والمقهور، وإلى سماوات الكمال المطلق الساكن في أعماقهم، وهم لا يدرون.

               أجل، أيها القارىء، على من تقرأ، إذًا، مزاميرك، ولا أحد يريد أن يصغي إلى قراءتك ويطرب لصوت غنائك؟ 

               هل تكمل قراءة مزاميرك على أبناء شعب يرفضون الإقرار بأخطائهم وإصلاح أنفسهم؟ وإن أنت أكملت القراءة يكرهونك ويرتدون عليك ليمزقوك، ويتابعون عنادهم وإصرارهم على رفض إصلاح أنفسهم، وإصلاح أوضاعهم الشاذة، وإصلاح الساسة الذين اختاروهم ليسوسوا شؤونهم الدنيوية بدراية وحكمة وأمانة، ولم يفعل الساسة ذلك، ولم يكونوا عند حسن الظنّ، وخانوا الأمانة؟

                هل تكمل القراءة على من يستلشق بحاضره ومستقبله ونفسه، ويصرّ إصرارا عجيبا على إغماض عينيه عن حقيقة الواقع النفسي والإقتصادي والتربوي والإجتماعي المأساوي، المعيب، الذي يعيشه بسبب إستلشاق السياسيين به، ولا يجرؤ أن يحاسب نفسه على أغلاطه المميتة له ولذرّيته من بعده، والمتكررة على الدوام، أغلاط لا يقرّ بها أبدا، ألا وهي إعادة إنتخاب الممثلين الفاسدين، الفاشلين في مجال خدمته وحمايته، في كل دورة إنتخابية، وعدم التجرّؤ على محاسبتهم والتوقّف عن إنتخابهم، لأسباب غريبة عجيبة تظل غير مفهومة لصاحب العقل السليم، ومن هذه الأسباب أن المرشحين الأبديين هؤلاء هم من "عظام الرقبة"، أي أقرباء له من الطائفة عينها والمذهب عينه، ومن عائلة "عريقة" في القدم، وفقط في القدم، لا في الفهم والأخلاق والصدق والثقافة، ولا في أعمال البناء والخير والرحمة؟

                هل تكمل القراءة على من لم يكفّ لحظة واحدة، حتى في أحرج الظروف، عن طمر رأسه كالنعامة في الرمال، هربا من الواقع والحقيقة، وعن تقديس وتأليه وعبادة زعيمه الفاشل، والمسؤول، على سبيل المثال، عن مهزلة توشك أن تصبح اليوم مأساة خطيرة، ألا وهي مهزلة/مأساة تراكم جبال الديون والضرائب والرسوم، وجبال النفايات والبشاعة والمحارق والمعامل العشوائية في كل مكان، والمرض والموت، وتلوّث مياه البحر والأنهار والينابيع والهواء والغذاء، تُضاف إلى الكثير من المهازل/المآسي المزمنة، من أزمة ثقة الشعب بالدولة ونفوره منها، ونفور شركاء الوطن من بعضهم البعض، وأزمة الكهرباء والمياه والدواء والإستشفاء، ومنافسة اليد العاملة الغريبة الرخيصة، والبطالة، وغلاء المعيشة، والجريمة والإنتحار والموت المبكر والإرهاب والهجرة، إلى آخر المعزوفة الحزينة، المرعبة، المقرفة؟

               هل تكمل القراءة على الجاهل الذي يغلبك إن أنت جادلته، ويصرّ على أن ذلك النسر الذي طار، هناك، في البعيد، إنما هو "عنزة ولو طارت"، ويصرّ على افتعال الطرش والعمى وسوء الفهم، ونكران الحقيقة، وعلى تقبّل الباطل والكذب غذاءًا يوميا، قد أدمن عليه، من يد سياسيين مخادعين وإعلام مخادع، والتماهي الأعمى مع صنم الزعيم، "مثاله" الأعلى في القيادة والسياسة والأخلاق والفهم والدهاء، مهما أخطأ هذا الزعيم؟

               هل تكمل القراءة على من يرى أن الزعيم دائما على حقّ، ويعذره في كل شيء، وكلما اشتدّت الحملات على هذا الزعيم لفضح خبثه، وشروره، وتقلباته، وارتباطاته المشبوهة، المخجلة، مع حكومات الخارج ومراكز المال الخبيثة التي تدعم الإرهاب لتدمير لبنان، وفشله في العمل من أجل مصلحة وخير الشعب اللبناني بأسره، يردّد من تظن أنه يصغي بانتباه إلى "مزاميرك"، أجل، يردّد وبكل فخر واقتناع، عن زعيمه، بعد أن يكون قد شبع تذمرا من الأوضاع السيئة، وشبع شتما للدولة الفاسدة، والساسة الفاسدين، والشعب غير الواعي: "هو، على الأقل، زعيم عظيم يعمل لخير الطائفة، ولا نملك أفضلَ منه. حماه الله من عين الحاسدين. والعواصف العاتية لا تضرب إلا القمم العالية"؟

               هل تكمل القراءة على من يحبّ حبّا مَرَضِيّا جلادَه في "نعيم" سجنٍ نفسيّ وفكريّ وأخلاقيّ و"حضاريّ" قد بناه له جلاده، وملأه له بالنفايات والتلوث والأمراض وسلاسل العبودية وبعض العظام من أوهام العظمة العائلية والطائفية، فسكنه سعيدا بملء إرادته ورضاه، وهو لا يريد الخروج منه أبدا، حتى لو فُتِحَتْ له كل الأبواب والنوافذ؟

               وهل تكمل القراءة على من لا ينشد الوحدة والحرية والسيادة والإستقلال والقوة والكرامة والفخر والإعتزاز إلا في واقع وهميّ جميل مُسْكِر، هو واقع الشعر والأغاني الحماسية والأناشيد الوطنية والشعبية؟

                هل تكمل القراءة على شعب يريد أن يتّحد مع كل شعوب الغرب والشرق والشمال والجنوب إلا مع نفسه، ويتحمّس للتضامن مع قضايا كل الشعوب إلا مع قضاياه هو؟

                هل تكمل القراءة على ساسة وإعلاميين مصابين بجوع وعطش شديدَين لا لخدمة الشعب وتوعيته، بل للمال والعظمة، وبشهوة جامحة لإستجداء منابعهما في الخارج، وهم يقضون معظم أوقاتهم في الخارج في سفرات عمل وسياسة وسياحة، ويدبِّجون المقالات والتصريحات والخطابات، ويأخذون المواقف التي ترضي وتخدم مصلحتهم ومصلحة أولياء نعمتهم، لا الحقيقة، ولا الضمير الحيّ، ولا مصلحة الشعب المخدوع، المتواطىء، دون وعي، مع جلاديه؟

               هل تكمل القراءة على الذين أمعنوا، وبدم بارد، بتسييب حدود لبنان من زمان بعيد، ودعوة الإرهابيّين (المعروف جيدا من هي الدول التي خلقتهم وموّلتهم ودرّبتهم وأدارت كل عملياتهم الإرهابية لزعزعة استقرارنا واستقرار المنطقة بأسرها) إلى استباحة أرض وشعب لبنان بقوة السلاح، والتهرّب الخبيث، بحجة عدم توفّر المال، من تسليح الجيش اللبناني إلا بالكلام الكاذب المعسول، وأمعنوا بالتقليل من قيمة وجدوى المقاومة وبإحتقار سلاحها وتضحياتها وشهدائها وجرحاها؟

               هل تكمل القراءة على الذين أمعنوا في إفقار الشعب وتيئيسه وتقصير عمره وترحيله نهائيا إلى بلاد الغربة أو إلى جنات الخلد، وزيادة ثرائهم هم وحدهم، وأكلهم، حتى الشبع والبطر، كل يوم، لخبزهم الدائم الذي لا ينقطع ولا يشحّ (المكدَّس في أهرائهم المليئة بالخيرات لسنين عديدة، بعرق جبين الشعب الكادح، الجائع، المريض)، ودعوة الغرباء إلى شراء واستملاك أراضي لبنان وبيوته (مع منح بعضهم الهوية اللبنانية) والإقامة الدائمة في ربوعه التي تكاد تضيق، لا بل قد ضاقت فعلا، بسكانه الأصليّين؟ 

               هل تكمل القراءة على الذين أمعنوا في خلق أزمات وفراغات حكم كثيرة، وأمعنوا في الإتفاق على التمديد لولاية حكمهم وزيادة رواتبهم، وفي الإتفاق على سلخ جلد الشعب وامتصاص دمه وخنقه، بإهمال رواتبه المتدنية، المزرية، وإثقال كاهله، من خلال دراستهم الطويلة ل"موازنة" تهدف إلى وقف الهدر ومحاربة الفساد، بمزيد من الإستدانة (من أجل الشعب وبإسمه)، وبمزيد من فرض الضرائب والرسوم عليه (مع إعفاء أنفسهم من كل ذلك)، وتحميل أبناء الشعب الفقير (من عمال وموظفين وقضاة وجيش ومعلمين وطلاب...) همّ التضحية برواتبهم وضماناتهم، وهمّ التقشف في طريقة عيشهم، لكي يملأوا، وحدهم، خزينة الدولة الفارغة، المنهوبة من حماتها بالذات، وأمعنوا بتفاقم البطالة وغلاء المعيشة والفقر والدين العام وإفلاس الدولة والشعب، وبتفاقم غضب ونقمة الشعب عليهم، ولا حسيب ولا رقيب، ولا من يسمعون ويعون ويتوبون ويندمون ويصلحون أنفسهم، ولا من يحزنون؟

               هل تكمل قراءتك على الذين سرقوا الشعب ووعدوه بإسترداد ماله المسروق من خلال سنّ قانون في المجلس النيابي لإسترجاع المال المنهوب ، قانون لن يرى النور (كما لم يرَ النور قبله قانون من أين لك هذا)، لأنه يفضح معظم الساسة، كونه يسمح بكشف حساباتهم المصرفية خارج لبنان، بحسب إتفاقية مكافحة الفساد الموقعة من دولة لبنان، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الأول 31، 2003، والتي يُسمح بموجبها للحكومة اللبنانية باسترجاع "الموجودات" المسروقة بالتعاون مع دول أخرى، وقد سرّبت مؤخرا (لا أحد يعرف من يقف وراء التسريب ومدى صدق المعلومات) لوائح بأسماء بعض الساسة اللبنانيين مع حساباتهم التي تبلغ ال320 مليار دولارا في مصارف سويسرا، وفي كل الأحوال، المعلومات لم تفاجىء اللبنانيين، لا بل دعمت شكوكَهم وحدسَهم حول ثروات ساستهم الخيالية؟ 

               هل تكمل القراءة على الذين يمعنون في كل إستحقاق إنتخابي، بإنفاق مبالغ طائلة، هائلة، من مال أغنياء الداخل اللبناني (الطامعين بشراء مراكز حزبية وحكومية) وحكومات وممالك الخارج، من أجل رشوة المقترعين الفقراء والأتباع وإجراء إنتخابات نيابية مزوّرة، فاسدة، لا تعكس حقيقة التمثيل الشعبي، غايتها أن تقوّي وتغلِّب فريقا على فريق آخر، وبثّ روح الفتنة بين أبناء الشعب الواحد، لمصلحة الخارج الخبيث والساسة المتعاونين معه؟

               هل تكمل القراءة على الذين أمعنوا برفض إشراك نُخَبِ الشعب اللبناني الواعية لإعطاء رأيها في مسائل إقتصادية ودستورية وقانونية يجهلها ويختلف حول فهمها أو تفسيرها وتطبيقها أركان الحكم بسبب من كبريائهم ومصالحهم الخاصة لا الوطنية، حول سياسة الإستدانة المتواصلة، مثلا، الكارثية فقط على الشعب اللبناني لا على الساسة المستدينين، وحول تفسير صلاحيات كل رئيس بحسب دستور "الطائف" (المُنْزَل لبعضهم، والمربح لجميعهم) ومحاولات الإلتفاف عليه (دون التجرؤ على البحث في كيفية وإمكانية التبنّي لنظام علماني)، أو حول دراسة قانون الإنتخابات "النسبي" الجديد، الذي تبيّن، فجأة، وبعد فرضه فرضا على الشعب اللبناني (بلوائحه المغلقة وبدعة الصوت التفضيلي والحاصل الإنتخابي)، أنه ليس القانون المناسِب لتكوين الشعب اللبناني والمحترِم لحرية اختياره، وأنه يناسب فقط بعض زعماء الطوائف ومموّلوهم، ولا يمنح المستقلين والعلمانيين أية فرصة للنجاح؟  
 
               هل تكمل القراءة على الذين أمعنوا، بالتواطؤ مع الأمم المتحدة والمسيطرين عليها بمالهم من أبناء حام وسام، بإغراق لبنان بالديون وباللاجئين والنازحين، في محاولة خبيثة للضغط على الشعب اللبناني بعد إرهاقه بثقل الديون والمعيشة، من أجل فرض توطينهم في عملية دمج للشعوب وخلق صراع بين الأديان والحضارات كما يحصل اليوم في أوروبا بالذات، بحسب ما خطط له، بنجاح حتى الآن، قادة يهود العالم، مع الحفاظ على العِرق اليهودي الصافي في كيانهم العنصري في فلسطين، ومحو وجود وطن فريد، ذي رسالة خاصة، إسمه لبنان، لم يعرف ساسته وشعبه كيف يحافظون عليه؟ 

               هل تكمل القراءة على الذين أمعنوا جدا في إهمالهم لكلّ قضايا الشعب وأهمّها جيشه وأمنه وسلامته وازدهاره، وأمعنوا، نتيجة لإنعدام صدقهم وإخلاصهم، ولإستلشاقهم بوطنهم، بإرتفاع نسبة الفساد والكذب والنفاق والغشّ والخداع والبطالة والجريمة والعنف والسرقة والتسوّل وحوادث السير والتلوّث والأمراض والوقاحة والكبرياء والدعارة، وحرمان العجزة من ضمان الشيخوخة، وغضّ النظر عن عمالة الأطفال واستغلالهم، واحتقار القوانين على أنواعها وكسرها، وحماية المخالفين والخارجين على القانون والإرهابيين، وتسييس القضاء ومنعه من أداء دوره الحقيقي في إحقاق الحق ونشر العدل، وتعطيل وشلّ الدولة، وقتل حلم الشعب الجميل بوطن ليس كسائر الأوطان، ما زال يراود مخيلة المخلصين السُذّج، البسطاء، الطاهرين، وما زال يحلو لهم لفظ إسمه في أصعب الأوقات، ألا وهو حلم "وطن الرسالة"؟

                أجل، أيها القارىء، على من تقرأ مزاميرَك؟ 
 
                وهل من داعٍ لأن تكمل القراءة، إذْ إنه لا يبدو أن أحدا يسمع ويصغي، ولا أحد تستوقفه قراءتك إلا أنت وحدك، في طاحونة بيئة متكبّرة، ثرثارة، صاخبة، هي بيئة "أبراج بابل" الساسة وإعلاميّيهم والمصفقين لهم، كل واحد منهم يقرأ "مزاميره" الخاصة به وحده وفي "كتابه" الخاص بلغته الخاصة، وكل واحد يغنّي "موّاله" الخاص به وحده، ويطرب له وحده هو وأتباعه و"الخارج" الذي يحنّ قلبه إليه حنينا خاصا، والذي يتنافس معظم الساسة اللبنانيين، هُمْ وإعلامهم، على كسب قلبه وودّه ورضاه وبريق ذهبه ورنين دنانيره، ولا أحد يصغي لأحد إلا ل"الخارج"، ولا أحد يقدّر ويحترم أحدا إلا "الخارج"، ولا أحد يعترف بوجود وبفضل أحد إلا بوجود وبفضل "الخارج"؟ 

                أَكْمِلْ قراءَةَ مزاميرك بوضوحٍ، وتأنٍّ، وفرح.

               أَكْمِلْ غناءَك وعزفَك المنفرد على قيثارتك بصوت عذب، صاف، صادق، وبإيمان قويّ. 

               إن رقعَ الثلج الخفيفة، الرقيقة، الهادئة، الصامتة، إذا تراكمت على فروع الشجرة الضخمة تقصفها. 

               إن قطرات المياه الصغيرة، الناعمة، المتتالية، المثابرة، تنخرُ رأسَ الصّخرِ القاسي، الغليظ. 

               إن نور الشمس الرقيق يخرقُ، برفق ودون صوت ضجيج، حُجُبَ الظلمات الكثيفة ويبدِّدها، وهو لا يتدنّس بشيء، ولا يتلوّث بشيء يلمسه، بل يطهّر كل شيء. 

               إن إيمانا بقدر حبّة الخردل ينقل الجبال، ويجعل العود اليابس يزهر ويورقُ ويثمرُ، ويجعلُ الصخرَ يتفجّرُ ينبوعَ مياهٍ عذبة، ويجعل الصحراءَ الناشفة، الجافّة، القاحلة، الجدباء، تُنبِتُ زرعًا وتتحوّلُ واحاتٍ وجنّاتٍ خضراءَ، غنّاء.

                أَكْمِلْ قراءة مزاميرك في وطن الروح، في وطن الرسالة، لبنان. أكملْ قراءتك، ولا تَعُدْ تسأل على من تقرأ، ولماذا تقرأ، ولا تتوقع آيات الشكر من إنسان، فالشمس والأشجار والينابيع والطيور لا تنتظر الشكر على عطاءاتها، ولا تتوقف عن القراءة لعلك ترى، بأمّ العين، البذار المنثورة في الهواء وتربة الروح، وهي تؤتي ثمارها الجيدة بسرعة البرق. 

               أكمِلْ، واترك وحيَ الروح يعمل بحسب حكمة الروح ومحبتها وصبرها، ويهبط فجأة مع كل قراءة، وبحسب توقيته السرّيّ، على رؤوس السامعين، الغافلين والمختارين على حدٍّ سواء، ألسنةَ نارٍ تفتحُ آذانهم وعيونهم، وتنوّر عقولهم، وتطهّر قلوبَهم، وتحيِي عزيمتَهم.

               أَكْمِلْ قِراءَةَ مزاميرِكَ.