لا يمكن أن يكون هذا العداء الذي انغرس في نفوس قطاعات شعبية تجاه المقاومة العربية في لبنان إلا نتاجًا لعمل أجهزة مخابرات غربية وصهيونية، لأنها صاحبة المصلحة الوحيدة في تنامي هذا العداء، ولقد استخدمت تلك الأجهزة الخطاب الديني والتحريض المذهبي لتحقيق أغراضها عبر وسطاء من مشايخ الإسلام لإدراكها مدى فعالية اللعب بورقة الدين في مجتمعاتنا التي تم وضع العراقيل أمام تطورها، كما استخدمت طابور من المثقفين الليبراليين أيضًا لخدمة نفس الغرض عبر صرف الانتباه عن الخصومة المركزية مع الطرف الصهيوأمريكي، وتلطيخ سمعة المقاومة وحلفائها عبر اتهامهم بـ"الديكتاتورية".

 

الحكاية بالنسبة للمحرضين ليست في شيعيّة "حزب الله" أبدًا، بل في عدائه للكيان الصهيوني وفي دوره بالحرب ضد تخريب وهدم وسلفنة سورية، ولو كانت بالتشيع لتمّ التحريض على أذربيجان التي يتبع سكانها المذهب الشيعي، ويحكمها شيعي ورث الحكم عن والده (انظر غياب الديمقراطية) .. لكن لأن أذربيجان طيّعة في يد الغرب وتجمعها علاقات قوية بالكيان الصهيوني وتناكف إيران، لا يعرف جمهور المتدينين والليبراليين أي شيء عن تشيّعها أو فساد حكامها، ولو كان الأمر قائمًا على رفض التشيّع لما رأيت شيعي مثل "نديم قطيش" يقدّم واحدًا من أهم البرامج على قناة العربية، فقط لأنه يخدم أجندة السعودية، ولما كان رئيس قناة العربي القطرية (التي يظهر فيها جو شو) هو الشيعي عباس ناصر، ولما كان المُعمم الشيعي "محمد علي الحسيني" ليظهر في الإعلام السعودي، ولما كان تحالف غربي/خليجي يمد أياديه بالدعم للتيار الشيرازي الشيعي الذي يتخذ من لندن منبرًا ليهاجم منه الخميني ونصر الله، ولما كانت المنظمات الحقوقية الغربية قد فتحت أبوابها لبعض المعارضين الشيعة البحرينيين، ضمن لعبة العصا والجزرة التي تلعبها الإدارة الأمريكية مع الأنظمة الخيجية لضمان مزيد من الركوع، بالإضافة إلى الحفاظ على المكياج الديمقرطي.

 

ومن باب الشيء بالشيء يذكر.. ألم تسال نفسك يومًا: لماذا لا يأخذ أحد موقفًا سلبيًا من محمد علي جناح -الذي قاد مهمة فصل باكستان عن الهند- رغم كونه شيعي؟، بل هو بالنسبة لفحول التكفير المذهبي محل مدح وتأييد؟!.

 

الشاهد أنه قد تم تكفير جمال عبد الناصر سابقًا على يد علماء السعودية، لأنه كان خصمًا للإمبريالية الغربية، وحتى صدام حسين (الذي يجري استخدامه حاليًا كرمز سني طائفي!!) لم يسلم من التكفير الصريح بفتوى رسمية من عبد العزيز بن باز، طبعًا ليس في الثمانينات، ولكن عندما هز عروش الخليج بعد عام 90، وضم الكويت.. فحاربه الأمريكان وحاصروه، وهنا بالتحديد كانت فتوى التكفير جاهزة "بسبب انتمائه لمباديء البعث الإلحادية!!".

 

لكن تبقى موجة العداء الشعبي (مع ملاحظة أنها بالأساس بين المتعلمين) للمقاومة اللبنانية ما هي إلا طبقة بسيطة من التراب تغطي أواني من الذهب الخالص، وهذا التراب مزعج ومقرف ويحجب جمال ما تحته، لكنه يسهل جدًا التخلص منه بقماشة مبللة. وربما تحتاج المقاومة نفسها أيضًا إلى بعض الضبط لخطابها عامة ولنشاطها الإعلامي كذلك.

 

**

كاتب وباحث سياسي مصري