بهدوء...فالشعوب العربية قبل الإسلام لم تكُنْ هُويتها إسلامية، تلك الهوية التي صنعتها الدعوة المحمَّدية في بناء دولة محْكَمة قوية متماسكة عمادها العدل والمساواة بين الشعوب والأمم، فتوسَّعت شرقاً وغرباً لتلتحق بها شعوب من مختلف المِلل والإثْنيات والأعراق والقوميات، لتعزيز وتثبيت هويتها الإسلامية التي ظلَّت قروناً من الزمن تفرز أنواعاً من الحضارات العلمية والجدل الفلسفي والإجتماعي المتقدم، فكانت هذه الهوية ملْحقة بإنجازات دولة الإسلام والمسلمين وتقدُّمها من بين الأمم، وصار همُّ الغرب الإستعماري الناشىء ومن باب المنطق الإستعلائي وللدخول في مفهوم السِّباق الحضاري هو نزع هذه الهوية الإسلامية عن شعوب المنطقة لأنَّه يعتبرها المُسبِّب الرئيسي في تقاسمه مساحاته الجغرافية التي يُريد السيطرة والإستحواذ عليها لسلْب خيراتها وحُكْم شعوبها...

لا تستطيع أن تتمسَّك بهويتك وتتمترس خلفها وتقود صراعاً عالمياً من باب الموروث التاريخي لهذه الهوية التي كانت متقدِّمة على غيرها في الأزمان الغابرة، أيّاً تكُن هذه الهوية التي تنتمي إليها، فصناعة الهوية الإسلامية والإعتزاز بقوتها تعود للمُنجَز الحضاري والعلمي والتقدمي الذي أحرزته الدعوة القائمة على العدل والمساواة وحبِّ السلام، وصناعة الهوية القومية وبناء قوتها زمن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ومن بعده الرئيس الراحل حافظ الأسد والتأثير الكبير الحاصل في الأمة العربية جرَّاء الفكر النهضوي والتقدمي الذي أرساه فكر الزعيم  الراحل أنطوان سعادة هو الذي صنع الهوية القومية والتقدمية والنهضوية نتيجة تراكم نضالات الشعوب ومحاولات الإنعتاق والتحرُّر من المستعمرين وبناء القوة في قدرة الدولة التقدمية، كلَّها جعلت من هذه الهوية القومية في فترة زمنية سابقة محلَّ إعتزاز وإفتخار، وبالتالي لا يجوز لنا البقاء متمتْرسين خلفها الى اليوم واضعينها في جيوبنا ومقاتلين من أجلها ونحن لا نصنع في سبيلها شيئاً، لا تنمية ولا تقدماً ولا بنيةً لمؤسسات دولتية تعزِّز من قوَّة الفرد وتحميه وتجعله غاية بحدِّ ذاته، ولا خِيضت تجربة التعويض للهزيمة الحضارية أمام الكيان الصهيوني، فسار العرب أو أغْلبهم من فشل الى فشل ومن هزيمة الى أخرى، فتقدمت دولها لكن الى الخلف بالعودة الى مرحلة اللادولة، سواء لناحية المؤسسات السياسية الناظمة لحياة البشر وعلاقاتهم مع السلطة أو لناحية التقدُّم في الوعْي الجماهيري وبناء التعدُّدية والسَّير بالطرق الديمقراطية المبدعة والخلاقة....

لقد بات عالمنا اليوم متشابهاً في أزماته التي تراكمت وتشابكت كما في حال الإرهاب المعولم وتقويض أسُس الدولة الوطنية وما نتج عنه من تفريغ لدولة الرعاية الإجتماعية وتثقيلها، وكذلك اللُّهاث نحو الخصخصة التي تجيِّر المرافق الأساسية في بُنية الدولة لناحية البنوك الدولية لرعاية مصالح الرأسمال العالمي وأدواته الداخليين من الطبقة والنخبة الكولونيالية. فهي تحوُّلات في دنيا العرب أسْفرت وضاعفت من تأزيم المشكلات الإجتماعية كالفقر والبطالة والعمل في ظروف قاهرة ومُهينة وحروب أهلية طاحنة بين أبناء الشعب الواحد وضرب وتشويه للبنى والنسيج المجتمعي المتطلّع إلى التغيير كالأحزاب والنقابات وكل المشاريع التحرّرية، وبالرّغم من إستفحال هذه الأزمات وضراوة تأثيرها اليومي على المجتمع وناسه، إلّا أنّه يتمّ تغييبها وطمسها من خلال الضخّ والتحشيد لخلق وعْي منحرف وبائس يتلهَّى بهَوَس الهُويات المتقاتلة والمتنابذة والعنصريات الغوغائية المتنقِّلة التي يطارد بعضها بعضاً.. فهو تحريف لوجْهة الصراع وتزييف للوقائع ولأدوار الدول الحقيقية.

اليوم لدينا مثال واضح لطمس هذه الهزيمة الحضارية أمام المستعمرين الصهاينة ومعهم مشاريع الغرب وإعادة تثبيت الهوية العربية والقومية والإسلامية إن شاء البعض، وهو مثال تجلَّى وتوضَّح في المقاومة اللبنانية التي أرْست قواعد التوازن والرَّدع وكبَّلت إسرائيل ومنعتْها من التمادي والتطاول والإعتداء والتوسُّع، أليس ردُّ المقاومة اللبنانية الأخير وقصفه الجنود الصهاينة من داخل الأراضي اللبنانية بإتجاه شمال فلسطين كما وعَدَ سيِّدها هو فرض وتثبيت لقواعد الإشتباك وتوازن الرَّدع مع العدو وكسراً لمنطق الهزيمة الحضارية التي عاش عليها العرب عشرات السنين؟ إذن نحن أمام فرض للتوازن الإستراتيجي مع الغرب الإستعماري، ويجب أن يكون بعد اليوم متلازماً مع تحصين للبنى المجتمعية المتماسكة وغير المنقسمة أو المتفسِّخة داخل كل دولة أو بلد، بعد القضاء على قوى الإرهاب الموظَّفة في إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بريشة التكفير، نموذج بدأنا به في لبنان وسوريا بصدِّ هذا العدوان الإستعماري ورسم معادلات التوازن في الرَّدع وتحصين البيئة الداخلية وتماسكها، لننتقل بعدها الى ضرب ومكافحة الفساد وبناء المؤسسات الديمقراطية التعدُّدية، فيُعاد من بعدها التشبيك الإقتصادي مع دول الجوار العربية والإسلامية(طبعا من دون إسرائيل) كوحدة متماسكة تربطها المصالح المشتركة كما في كلِّ الأمم، حيث شكَّل الإتحاد الأوروبي نموذجاً في هذا المجال،فلقد حقَّق الأوروبيون وحدة عملية إنطلاقاً من الواقع والمصالح ومن دون نقاشات عقيمة عن الخصوصية والكونية والمحلية والإقليمية والسِّيادة والتنافس، فهي فكرة تطوَّرت وتمَأْسست ولم تقفز عن الواقع ولم تُبْنَ على القوة الجبرية والإكراه بل على المصالح والمنافع والإحترام المتبادل بين البلدن والشعوب وثقافاتها، وهنا تتقدَّم الأمم والشعوب الى مصافي البلدان المصنعة والمنتجة والمتحرِّرة من أيِّ قيد خارجي، ساعتها نستطيع أن نحدِّد ونخلُق الهوية التي تليق بنا وبمجتمعاتنا القومية والعربية والإسلامية والنهضوية بدل أن نبقى أسيرين لمحدِّدات هوياتية لم نصنع في سبيل تقدم أممنا إلاَّ ما يزيد في طمسها ولعنها...