مكر سعودي لتقويض حزب الله.

لماذا تصمت الدول الخليجية تجاه الاحتجاجات اللبنانية وتترك "الحريري" يقاتل وحيداً؟!

"لا تتدخل عندما يكون عدوك يدمر نفسه".. قاعدة وضعها نابليون بونابرت للنيل من خصومه، وهي قاعدة تنفذها الأيدي السعودية الماكرة بدهاء من خلال صمتها تجاه الاحتجاجات اللبنانية على سوء الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وفي ظنها أنه يمكنها النيل من حزب الله اللبناني الذي يمثل رأس حربة المقاومة في المنطقة، لكن ما سر صمت الدول العربية وعلى وجه الخصوص السعودية تجاه الاوضاع والاحتجاجات في لبنان وهي التي تتدخل دائماً لإنقاذ حليفها من المعسكر السني سعد الحريري، سؤال كبير تمكنت صحيفة بلومبرغ من التعرض له من خلال تقرير مفصل.

إذ ابدت الصحيفة استغرابها في مقدمة التقرير من تسليط السعودية في نشراتها الإخبارية بتهنئة الإمبراطور الياباني الجديد، وادانة تفجير شاحنة في أفغانستان، وتغطية مناقشات مع البرازيل حول حقوق الملكية الفكرية، وقد كان واضحاً للغاية تغييب مظاهرات لبنان، البلد الذي تمارس فيه المملكة العربية السعودية نفوذاً منذ عقود، والذي تحولت فيه الاحتجاجات ضد المؤسسة السياسية إلى ثورة أخرى في المنطقة، لكن لماذا تصمت هذه المرة؟!

تقول الصحيفة في تقريرها "الصمت في العالم العربي تجاه ما الاحتجاجات اللبنانية التي نتجت عن سوء الاوضاع الاقتصادية هو تطبيق حرفي لقاعدة نابليون بونابرت بضرورة عدم التدخل في شان العدو عندما يبدأ في تدمير ذاته، فقد توحد المتظاهرون في لبنان ضد المؤسسة السياسية التي ترى السعودية أن حزب الله اللبناني يهيمن عليها"، في الوقت الذي تعتبر فيه السعودية حزب الله اللبناني أحد اذرع ايران الطويلة في المنطقة، وأرادوا ان لا يدخلوا الحراك أو يعقبوا عليه سلباً أو ايجاباً لعدم اسداء خدمة لحزب الله الذي بدأت النار تقترب من ملعبه، على حد زعمه الصحيفة.

وقال مسؤول خليجي -طلب عدم نشر اسمه- :"إن الصمت متعمد ومدروس حتى في الوقت الذي يحيي فيه المعلقون السعوديون والقنوات التلفزيونية الخليجية الأخرى المتظاهرين ويغطون تظاهراتهم منذ بدايتها"، كاشفاً في الوقت ذاته أن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري رُفض طلبه للمساعدة المالية لتجنب ذهاب الأموال إلى حزب الله عبر الحكومة وزيادة الضغط عليه لبنانياً.

 

وذكرت صحيفة بلومبرغ أنه على الرغم من الفساد المستشري في الحكومة، إلا أن الاحتجاجات والثورة والتظاهرات شملت الطبقة السياسية كلها بما فيها حزب الله، إذ شهدت المظاهرات هتافات مثل "كلن يعني كلن" في إشارة إلى ان المظاهرات تستهدف الجميع ولا تستثني أحداً من الطبقة السياسية في لبنان، سواء الاحزاب السياسية أو الطوائف الإسلامية والمسيحية.

في السياق، قال سامي نادر رئيس معهد المشرق في بيروت: "إن ما يحدث هو هدية من الجنة للمملكة العربية السعودية ودول أخرى في حربها بالوكالة مع إيران، لذلك إن الابتعاد عنها أمر أساسي لها، فمن الواضح أن حزب الله هو الخاسر الأول من استمرار الاحتجاجات، لذا فإن أي علامة على وجود قوة إقليمية تحاول اختطاف الحراك ستؤدي إلى استقطاب التظاهرات وتقسيمها على أساس طائفية".

وذكر التقرير أن الدول المعادية لحزب الله وإيران مثل المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة امتنعت عن إصدار بيانات رسمية أو النداءات المعتادة للحفاظ على الهدوء، مما يحد من أفعالها لإجلاء مواطنيها من لبنان، مشيراً إلى ان تلك الدول الخليجية الثلاث حتى وقتٍ قريب كان تضمان عمليات الإنقاذ الاقتصادي والمساعدة المالية عندما تعثر الاقتصاد اللبناني وكان على شفا الانهيار.

و قال المسؤول الخليجي –الذي رفض عدم ذكر اسمه- "إن رئيس الوزراء الحريري زار أبوظبي قبل بضعة أسابيع ولم يتلق أي دعم مالي كان، وعلى النقيض من ذلك عندما اندلعت الاضطرابات في السودان واطيح بزعيمها، فإن الأمم المتحدة والمملكة العربية السعودية تعهدت بدفع 3 مليارات دولار لتفادي أي فوضى في البلاد".

في السياق، قال حلفاء الخليج أنهم رفضوا إلى حدٍ كبير مساعدة لبنان لسببين رئيسيين، أولاً أن الحريري لم ينفذ أيٍ من الإصلاحات التي طلبها المانحون للبدء في دفع الأموال التي تعهدوا بها في مؤتمر عام 2018، وبسبب نفوذ حزب الله الراسخ والكبير في لبنان.

ويرى شفيق غبرة أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت: "بطريقةٍ ما، يمكنك إنقاذ لبنان، لكنك في الحقيقة ستنقذ حزب الله".

يشار إلى ان حزب الله قوة لبنانية لا يستهان بها في المنطقة، ولدى الحزب شبكة من الجمعيات الخيرية التي تقدم المساعدات الاجتماعية والرعاية الصحية بأسعار معقولة يستفيد منها مؤيدوها الشيعة، على حد زعم التقرير.

 كما، فاز حزب الله بأول مقعد تشريعي لها في بيروت التي يهيمن عليها السنة في عام 2018، حيث فشل الحريري رئيس الوزراء السني الموالي للسعودية في كبح نفوذها الكاسح، ولذلك تم إحضاره إلى الرياض لمواجهة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في وقت لاحق من ذلك العام.

يذكر أن السيد حسن نصرالله حث المتظاهرين في 19 أكتوبر على التعبير عن آرائهم بأدب، ثم قال "لأولئك الذين يحاولون الفرار من مسؤولياتهم بعد سنوات في السلطة أنهم يجب أن يوضعوا أمام المحكمة".

واوضحت الصحيفة في تقريرها المطوب أنه على الرغم من العقوبات والضغوطات المالية التي يعاني منها الحزب، إلا أن عناصره كسروا التابوت واتهموا قادة الحزب ونوابه في البرلمان بالفساد، وتبذير المال على الحرب في سوريا، وتجاهل حاجة الناس ورفاهيتهم، على حد زعم التقرير.

وفي الوقت الذي رفضت فيه حكومات الخليج التعليق علانية على ما يجري في لبنان، فإن بعض الاصوات من المعلقين وكتاب الرأي ظهرت بشكل واضح  فقد كان عنونت صحيفة عكاظ السعودية مقالٍ لها بعنوان: "إن جدار الخوف قد تحطم: الشارع اللبناني يفتح النار على نصر الله"، ومن المعروف أن صحيفة عكاظ صحيفة سعودية قريبة من الحكومة، و كانت مقالة أخرى في الجريدة السعودية بعنوان: "حزب الله يشهد انتقادات واسعة من قبل عناصره واللبنانيين المحتجين".

كما أبدى مواطنو الخليج غضباً كبيراً في تعليقاتهم على لقطات جلبت لحظات خفيفة ومبهرة مثل امرأة تركل حرساً مسلحًا في أعضاءه التناسلية، وحفل دي جي في مدينة محافظة، ومصففي شعر يعطون حلاقةً مجانية، و يتعانق المتظاهرون بين الغاز المسيل للدموع، والعاطفة التي تغمر قوات الأمن أيضاً، حيث قال جعفر محمد مذيع برنامج الحوارات الكويتي في قناة الشاهد: "في كل الثورات، يشعر المتظاهرون بالحزن بينما تسخر حكوماتهم منهم، باستثناء الاحتجاجات في لبنان".

وقد توصل الحريري إلى حزمة مالية جديدة للبلاد تشمل خفض رواتب الوزراء والبرلمانيين الحاليين والسابقين بمقدار النصف، حيث قال الرئيس ميشال عون يوم الخميس الماضي "إن التغييرات في النظام السياسي يجب أن تأتي من خلال المؤسسات وليس عبر المظاهرات والاحتجاج.

وعلى المستوى الرسمي، لم تتخلَّ دول الخليج عن لبنان، كما يزعم أحد الأشخاص المطلعين على تفكيرهم،  وقال هذا الشخص إنهم سيساعدون أي حكومة يمكن أن تكون شريكاً موثوقاً به بالنسبة لهم، وجادةٌ في الإصلاح ولديها الشجاعة لكبح نفوذ حزب الله في البلاد.

يذكر أنه في عام 2016 ، ألغت المملكة العربية السعودية ما قيمته 3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية و1 مليار دولار للشرطة، وألقت باللوم على دور حزب الله البارز في لبنان.

وفي ختام تقرير بلومبرغ، قال أستاذ العلوم السياسية الإماراتي عبد الخالق عبد الله: إنهم يريدون معرفة أين تسير الأمور ولا يريدون أن يستبقوا أي تطور، فليس هذا هو الوقت المناسب لاتخاذ أي موقف رسمي إلا لمجرد التواجد ومراقبة الأمور عن كثب حتى تصبح الأمور واضحةً لدول الخليج".