عروض الكهرباء الإيرانية: لبنان يرفض الربح.. ويُكمل بالخسارة

لا يحتاج قطاع الكهرباء في لبنان أدلة وبراهين لتوصيف واقع مزري لأزمة يقبع تحت "سندانها" كل بيت لبناني منذ عقود. جل المواطنين يضبطون ساعة حياتهم على توقيت مجيء الكهرباء، ـ إذا جاءت طبعاً ـ ولم يكن الحال كهذه الأيام تقنين قاس وقاس جداً. ولكي لا يطول الحديث عن الأزمة، على حساب الحديث عن الحل. ثمّة سؤال يفرض نفسه، ما الأسباب التي جعلت أزمة الكهرباء عصيّة عن الحل الى هذه الدرجة؟، نحن نتحدّث عن حوالى ربع قرن من عمر أزمة يومية، لم تتقطّع فيها سبل الحل، بل لطالما كان أمام الحكومات المتعاقبة عروضاً "مغرية"، قُضي عليها في مهدها. فلو قدّر للعروض الإيرانية المتكرّرة في هذا الصدد الحياة، لكنّا اليوم ننعم بكهرباء 24/24. الحلم الذي يراود كل لبناني ملّ العيش تحت وطأة مصطلحات باتت جزءاً من قاموس حياته من "راحت" لـ"تكّت" لـ"احترقت الإماية".
 
مراجعة سريعة  لخطاب الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله الأخير، وقبله كلمة عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله خلال جلسات مناقشة البيان الوزاري، تُبيّن حقيقة ومسار الأمور. السيد نصرالله عرض الواقع كما هو. النكد أو الانصياع أو الجبن السياسي حرم الشعب اللبناني من الكهرباء 24/24. فعام 2006 رفضت الحكومة اللبنانية المساعدة الإيرانية في هذا الملف. وقبل أيام، أكّد فضل الله المؤكّد بأنّ رفض الكهرباء من إيران بأرخص الأسعار وبجودة عالية يتخطى حدود السياسة، الى ما هو أبعد. فمع إيران لا يوجد "سمسرات". بمعنى آخر مع إيران لا يوجد نهب وتلزيمات بالتراضي وصفقات مشبوهة. هذا الكلام المختصر المفيد يُشكّل "الزبدة" عندما نتحدّث عن مشكلة القطاع الكهربائي في لبنان. فأمام هذا الملف يطمع كثيرون في قلبهم مرض. يطمعون على حساب معاناة الشعب الكادح ليل نهار، ورغم ذلك ينشد أبسط مقوّمات العيش، فلا يجدها. ذاك الشعب الذي لا هم له من أين تأتي دولته الكريمة بالكهرباء وكيف وبأي ثمن. جل همه أن يعيش حياة "طبيعية" لا ظلام فيها. 

عروض إيرانية بالجملة متكررة في أعوام: 2006، 2009، 2010، 2012، 2017، 2019

والجدير بالذكر أنّ رفض الحكومة اللبنانية للعرض الإيراني عام 2006، لم يكن الأخير.  فالعروض ظلت سارية المفعول، وتتجدّد مع كل سفير إيراني جديد. ولا نبالغ إذا قلنا أنّه ما اجتمع إيراني ولبناني إلا وكانت الكهرباء بينهما. ففي عام 2009 وجهت إيران الى وزارة الطاقة اللبنانيّة رسالة مكتوبة للتعاون في هذا الإطار. وفي عام 2010، تجدّد العرض في زيارات رسميّة متبادلة بين البلدين، وجرى الحديث عن استعداد ايراني لبناء معملين لانتاج الكهرباء بقدرة الفي ميغاوات وبكلفة زهيدة، لكن الحكومة اللبنانية آنذاك برئاسة نجيب ميقاتي لم توافق. 

وفي عام 2012 كرّر السفير الإيراني الراحل غضنفر ركن آبادي موقف بلاده بالاستعداد لبناء معامل كهرباء في لبنان تُنتِج، كبداية، نحو 1000 ميغا وات. آبادي قال حينها أنّ الشركات الإيرانيّة أنجزت كل الخطوات التمهيديّة ومستعدة لإنتاج 500 ميغاوات خلال سنة، وإن أراد لبنان أكثر فإيران مستعدة وحاضرة، إلا أنّ الأسباب التي ذكرها السيد نصرالله في خطابه السبت المنصرم حالت دون إبصار المبادرة الإيرانية النور. السفير الخلف محمد فتحعلي كرّر عرض آبادي، إلا أنّ "الغنج" اللبناني برز مجدداً. حتى أنّ معاون وزير الطاقة الايراني للشؤون الدولية علي رضا دائمي جدّد عام 2017 خلال لقاء وفد اعلامي لبناني زار وزارة الطاقة الايرانية بطهران، جدّد العرض للتعاون مع لبنان وتصنيع وتشغيل معامل توليد الكهرباء. ولفت حينها الى أنّ إيران وصلت للمرتبة ١٤ بانتاج الكهرباء على مستوى العالم، ومجدداً لا أحد على السمع، وغير ذلك العديد من المواقف التي أبدت فيها إيران استعدادها لمساعدة لبنان . حتى أنّ زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للبنان منذ حوالى الأسبوع قدّمت إيران خلالها عرضها مجدداً لإنقاذ لبنان من أزمة الكهرباء، إلا أنه لا حياة لمن تنادي.

واشنطن لبيروت: ممنوع!

بموازاة هذه العروض المتتالية، خضع ملف الكهرباء للعديد من التجاذبات السياسية والمناكفات. تعرّض لاجتهادات عديدة فالبعض وجد الحل باستجرار الطاقة عبر البواخر، وآخرين رأوا أن استجرار الكهرباء عبر سوريا يشكل حلاً مؤقتاً ريثما يتم بناء معامل. فيما وجد البعض الآخر أن بناء المعامل يشكل حلاً جذرياً لأزمة الكهرباء، بعيداً عن "المسكنات". لا غبار على النقطة الأخيرة. إنها حل يقتلع أزمة الكهرباء من جذورها، وفي هذا الإطار، جاءت معظم العروض الإيرانية، إضافة الى الاستعداد لتزويد لبنان بالكهرباء من خلال استجرارها عبر سوريا. المدير العام للاستثمار في وزارة الطاقة اللبنانية غسان بيضون الذي أحيل الى التقاعد أواخر الشهر الماضي، بعد أن عايش ثلاث وزراء طاقة، يشرح في حديث لموقع العهد الإخباري الأسباب التي حالت دون وضع ملف الكهرباء على سكة الحل لأكثر من عقدين. يُشير الى العروض الإيرانية للبنان ببناء معامل إنتاج بسرعة وبلا تمويل، فيرى أنها سقطت أرضاً بفعل القرار السياسي المفقود، وارتهان لبنان لقرارات بعض الدول ومداراتها. وفي هذا السياق، يوضح بيضون أنّه وفي إحدى السنوات، ومجرد أن اشتمت الولايات المتحدة الأميركية  رائحة عرض إيراني للبنان، حذرت السفيرة الأميركية في بيروت وعلى عجل من القبول بأي عرض إيراني في هذا الصدد!!.

كل الفرص كانت متاحة!

وبالعودة الى أصل المشكلة، فيختصر بيضون أزمة الكهرباء بالمشهد التالي: هناك حاجة لانتاج إضافي يؤمن لنا الكهرباء على مدار الساعة. وهناك حاجة لرفع التعرفة على المواطنين لتغطية كلفة "الفيول". وهناك عدم قدرة على زيادة التعرفة لأن المواطن يدفع فاتورتين للكهرباء. وبالتالي فنحن ندور في حلقة "مفرغة" لا خلاص منها سوى بزيادة الانتاج والتغذية المستمرة. وفي سبيل هذا الانتاج، يوضح بيضون أن الدولة لجأت الى عدة طرق سواء عبر استئجار البواخر المؤقتة ريثما يتم إنشاء معامل خلال ثلاث سنوات، أو تطبيق خطة الكهرباء عام 2010، أو قانون البرنامج المعجل للأشغال الكهربائية، 181/2011. برأي بيضون كل الفرص كانت متاحة، إلا أنّ "التعسف" في تطبيق القوانين، والاستئثار بالقرار حال دون إنقاذ قطاع الكهرباء، ليتم تقاذف المسؤوليات بين من يرى أن البعض حاول عرقلة مشاريعه، وبين من يؤكد أن هناك سوء إدارة للمشاريع. 

ويوضح المتحدّث أن لبنان يحتاج الى حوالى 3000 ميغاوات سنوياً، بينما قدرته على الانتاج حالياً تبلغ 1900 "ماكسميم" هذا إن توفّر "الفيول". ويشير بيضون الى أنّ تأمين الفيول يتطلب مليار ونصف دولار سنوياً، وهذا يستدعي رفع التعرفة على المواطنين مقابل تأمين كهرباء 24/24. وهنا يشدد على ضرورة أن تلحظ مسألة رفع التعرفة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للشعب اللبناني، ما يتطلّب دراسة تراعي ذوي الدخل المحدود، وهو أمر ليس صعباً لكنه يتطلب العمل بجدية كبيرة ومهنية عالية، بحسب بيضون الذي يشدد على ضرورة تعيين مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان، والهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، لوضع الخطط ومناقشة العروض، وتحمل المسؤوليات، بعيداً عن سياسة تفصيل المناقصات على قياس هذه الشركة أو تلك، وبعيداً عن الغش والمصالح الشخصية، ومخالفة القوانين والأصول الدستورية، وحفظاً للمال العام وعدم هدره في جيوب المستفيدين.

38  مليار دولار هدر 

ولا يخفى على أحد حجم الهدر المالي السنوي الذي ينتج عن عدم وضع حل جذري لأزمة الكهرباء، وهذه النقطة أشار اليها سماحة السيد نصرالله في خطابه الأخير. وعلى هذه القضية، يُعلّق الخبير الاقتصادي زياد ناصرالدين فيشير الى أن ملف الكهرباء يكاد يكون أكبر الملفات استنزافاً للمالية العامة في لبنان، فهناك حوالى ملياري دولار من الهدر سنوياً، وإذا أجرينا جردة حساب منذ عام 1992 حتى بداية عام 2019، فهناك 38 مليار دولار صرفوا على قطاع الكهرباء من أصل 86 مليار دولار مديونية، وفق ما يؤكد ناصرالدين، أي أكثر من ثلث المديونية، ما يقارب الـ48 بالمئة.  هذا المبلغ من الهدر كنا في غنى عنه لو بنينا معامل تبلغ تكلفتها لمدى العمر ملياري دولار وتنتج 2000 ميغاوات، ما يحل المشكلة بشكل جذري.

 

 

ويشدد ناصرالدين على أن ملف الكهرباء لا يمكن حله بطريقة عشوائية من دون تخطيط. بالنسبة اليه، فإنّ عملية انتاج الكهرباء تحتاج الى أربعة أمور: مصنع إنتاج، شبكة توزيع، مركز للتحويل، وإدارة وصيانة. كل هذه الأمور لن تتم بلا قرار سياسي، وهو الأمر الذي نحتاجه للبت بالعروض الإيرانية التي تأتينا على الدوام والتي لا يمكن وصفها بأقل من ممتازة، لما تحمله من فائدة على الاقتصاد اللبناني، فحل قضية الكهرباء  بتكلفة منخفضة يعني الكثير بالمجال الاقتصادي، إذ يخفض كلفة الانتاج ويشكل عاملاً لجذب الاستثمارات. 

لا يرى الخبير الاقتصادي مبرراً لرفض العروض المذكورة. وفق قناعاته، على الدولة أن تكون إيجابية الى اقصى الحدود، فالتذرع بالعقوبات أمر غير مقنع لأن العقوبات لا تشمل قطاع الكهرباء. يعود ليكرر بأن أمامنا فرصة مهمة نستطيع عبرها تحويل قطاع الكهرباء الى قطاع انتاجي، فإيران لديها خبرة واسعة في قطاع الكهرباء، يوفر فرص عمل، ويعطي مردودا ماليا مهما للدولة، بعيداً عن تكبيد الخزينة بدل طاقة ما لا طاقة لها عليه.