الحلقة الثانية

الولايات الكسيرة

تتمة للحلقة الأولى، الديّن السيادي الأمريكي إبان الأزمة المالية الفائته كان بما يعادل 13ترليون دولاراً حسب تقرير الإحتياطي الفيدرالي، أما اليوم فقد تضاعف هذا الدين حتى وصل لحد الـ 21ترليون دولار. أي أننا ننظر الآن إلى تبلور أزمة مالية شبيهة في تركيبتها و خصائصها "بالكساد الكبير" الذي حدث بعد إنهيار سوق الأسهم في تشرين أول من العام 1929 والذي إستمر إلى العام 1939.

الأن بما أن ربط الدولار بالنفط الخام لم يعد كافياً لدعم العملة، ومخرجات إنتاج المجمع العسكري لم تعد كافية لدعم الإقتصاد المحلي و الإحتياطي الفيدرالي لم يعد قادراً على مواءمة الحالة السوقية سياسته النقدية، بالتزامن مع بروز منافسين دوليين كبار كمجموعة "البركس" الذين يتخلون عن الدولار بشكل ممنهج وبشكل فعال، كما أسماها خبراء الإقتصاد الأمريكيين بال (de dollarization). بقى لأمل الوحيد لدعم الدولار الأمريكي و منع إقتصادها من الإنهيار هو توحيد سعر النفط و الغاز على أساس (الوحدة الحرارية الهيدروكربونية) ومن ثم ربط الدولار بالطاقة (وليس فقط بالنفط) بعد فرض تسعيرة "مركز هنري هوب" لتجارة الغاز على أساس العرض والطلب. أي، تحوّل العالم وإعتماده لمركز "هنري هوب" لإتخاذ قراراته الإقتصادية المعتمد على الطاقة، و خصوصاً الصين.

 

كيف ذلك؟

 

طاقة القرن هي الغاز الطبيعي، الذي يُلبي ربع إحتياج العالم من الطاقة حالياً، يُسَعَّرْ على أساس المليون وحدة حرارية، وأسعار النفط العالمية التي تُحدد اسعار الغاز الطبيعي المسال الأن تُسَعَّرْ بالبرميل. فبعد أخذ الكثافة النوعية بعين الإعتبار، كل برميل نفطي يعادل حوالي  5.8مليون وحدة حرارية ومن هنا يمكن مقاربة أسعار النفط و الغاز ببعضها للحصول على سعر "الوحدة الحرارية الهيدروكربونية" ليكون "مركز هنري هوب" لتجارة الغاز الذي بدأ عمله وتداوله من تسعينيات القرن الماضي على "بورصة نيويورك التجارية" على أساس العرض والطلب كسلعة منفصلة مستغلاً عندم إستقرار السوق العالمي على طريقة تسعير واحدة و ملئ الفراغ التنظيمي بعد عدم قدرة أوروبا بإستحداث نقاط تسعير خاصة بها وإضطرارها لفهرسة سعر الغاز بسعر النفط وعدم إنضباط آسيا وتأرجحها بين تسعيرة  مركز"هنري هوب" والتسعيرة المفهرسة مع النفط الخام لتوازن سياساتها بين القوى الدولية.

 

ليكون "مركز هنري هوب" لتجارة الغاز هو من يفرض سعر الطاقة بالعالم والتي ستستطيع الولايات المتحدة من خلاله بفرض تسعيرة للسوق العالمي لمدة عام ونصف، الأمر الذي سيعطي صنّاع القرار الأمريكي هامش ثمانية عشر شهر و نصف للتحركات التكتيكية وممارسة العقوبات والإستفراد بالقرار الدوليّ بشكل أعمق و أشدّ مما شهدناه في مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد تفكك الإتحاد السوڤيتي بالإضافة لإستفادتها الإقتصادية بسبب ربطه بالدولار بها وإستفادتها من هذا الهامش للتحكم أكثر بإقتصادها ومخرجاته بتوفر وقت أكبر للتجربة والتعديل وتلافي الأخطاء.  

 

وهو الأمر الذي لن يحدث إلا إذا تحكمت الولايات المتحدة بمجاري طاقة العصر، وهي الغاز المسال. و من هنا بدأت التجاذبات الأقليمية و الدولية وهذا هو الهدف من كل تحركات الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً و هذا هو مركز كل رد فعل من روسيا والصين وهذا هو الإطار العام لكل ما يحدث الأن على الساحة العربية وهو الأمر المؤسس لأي قاعدة إشتباك إقليمي ودولي حالياً.

 

بسبب تسارع الأحداث و التقاطع المعقد للمصالح، لا يكفي لِغرض إستشراق الُمستقبل الإستعانة بِعلم النمذجة الرياضية للتواتُر التاريخي أو المعروف إصطلاحاً (بالكيلو ديناميكا)، المبني قصراً على مُقدمة إبن خدلون الشهيرة حولَ نُهوض و إنهيار الدول. لهذا السبب، النهج الفكري للبحث اللذي إتبعّتهُ بتركيب الأفكار والحقاق مبني على أساس تَحليل للجغرافيا الأمنية الدَّوْلِيَّة "بِشِقَّها الإقتصادي المبني على الطاقة" اللذي رسم مَعالم قَواعد الإشتباك العَسّكري الدئر بسُوريا، وأتبعّته بتوصيف مكامن النفع والضرر لكل المنخرطين بالحرب ومن ثم قمت بتضييق المبحث تِبَاعاً حتى الوصول إلى عاصمتنا الْقُدْسّ لِيُمَكِنَنا من إستشراق حَيثيات المكان الُمناسب لسياستنا الخارجية و سياستنا الأمنية، للتموضُع العسكري الأقل ضرراً والأكثر إنجازاً والأخف تأثيراً على المُجتمع.

 

بالحلقة القادمة سوف أتحدث كيف بدأ الإشتباك و من هم المنخرطين وفي أي مرحلة من مراحل الصراع نعيش الأن؟ ومن المنتصر إلى هذه اللحظة، هل هم العرب؟ أم الأمريكيون وحلفهم؟