"وجع الناس" في لبنان

 

               إن الوجع، في الإنسان، هو وجع جسدي ونفسي، يستطيع التعبير عنه بالصرخات الغريزية كالحيوان المجروح أو المنازع، وبلغة العقل والعاطفة التي تميّزه عن الحيوان. وجع الإنسان الجسدي هو خلل في وظيفة الخلايا ينتج عن مرض أو نقص ما في الغذاء أو التنفس، أو عن جرح أو كسر أو نزيف دماء، إلخ... وجع الإنسان النفسي (وجع الرأس والقلب) الذي يهمنا، هنا، ينتج عن ضغوطات الحياة الكثيرة القاهرة (في العائلة والمجتمع والعلاقات الإنسانية السيئة)، وهموم المعيشة والخوف من الفاقة والفقر والإستعطاء والجوع والمرض والقلق على الغد المجهول، وعن فقدان الأمن والأمان والكرامة والأمل.

               إن اللبنانيين قد مرّوا، منذ الإستقلال، بمراحل وجع كثيرة. وقد بلغ وجعهم ذروته في مرحلة الحرب الأهلية (1975-1990)، ثم في مرحلة ما بعد "إتفاق الطائف"، حيث اشتدّت عليهم، شيئا فشيئا، وطأة الحرب الإقتصادية، إلى أن فجّروا، معا، في الشوارع والساحات وحول مراكز الحكم، ولأول مرّة، ولفترة طويلة جدا بلغت 52 يوما حتى الساعة، تهمد قليلا ثم تتجدّد مع كل شروق للشمس، صراخَ وجعهم وغضبهم على مسبّبي هذا الوجع من ساسة ومصارف وحكومات خارجية.

               لن ندخل، هنا، في معرِض تفاصيل التفسيرات والتأويلات والوقائع المتناقضة والمتتالية والمعقّدة التي سيقَتْ، خلال هذه "الثورة"، حول هوية ونوايا المتدخّلين والمستغلين والمحرّكين والمموّلين من دول الخارج ومن بعض أفرقاء الداخل في الحكم وخارجه، من أجل إطالة حراك او ثورة الشعب الموجوع قدر الإمكان، ومناورات إسقاط الحكومة وحرق أسماء المرشحين لرئاسة حكومة جديدة (بمسمّيات ومكوّنات مختلفة)، وإرباك وإضعاف الحكم والمقاومة، وخلق أزمة مالية طالت الطبقات الفقيرة، وشلّت الإقتصاد، وأفلست وأغلقت عدة شركات ومؤسسات وزادت من نسبة البطالة، وخلق أجواء فوضى وتصادم بين فئات الشعب وشتم وإهانات وتحديات ورعب وأعمال شغب وعنف وانعدام الثقة بالحكم، من أجل أهداف باتت مكشوفة للجميع، كإعطاء الحكم إلى قوى سياسية لا تعارض، لا بل تنسجم مع مشيئة حكومات المال والقرار و"صفقة القرن" التي تخطّط لفرض التوطين، واحتكار استخراج النفط والغاز من بحر لبنان، وتسليح الجيش ولكن بشكل محدود، وترسيم الحدود مع العدوّ الصهيوني وقضمه لمزيد من الأراضي في البحر والبر، وتطبيع العلاقات مع هذا العدوّ.

               في الحقيقة، إنّ الشعب اللبناني موجوع جدا، بشكل متواصل ومتزايد. نعني الشعب الفقير وحده، لا الساسة ولا حلفاء الدّين والمال والأعمال والتجارة والمصارف. حقوق الإنسان المنصوص عليها في "شرعة حقوق الإنسان" التي تبنّتها مؤسسة "الأمم المتحدة" وطبّقتها بنسب متفاوتة معظم الدول، والتي تضمن لكل شعب موجوع حياة كريمة، غير متوفرة للشعب اللبناني. كرامته مهانة. وجودُه بالذات مهدّد بالزوال كل لحظة. مستقبله مجهول. البقاء في الوطن يصبح مستحيلا. باب الهجرة إلى بلاد أخرى حيث الحياة أفضل، مفتوح لمن عنده أقارب هناك أو فرصة عمل. باب الهجرة الأبدية، دون رجعة، إلى العالم الآخر، مفتوح أيضا لليائسين ومريدي الدخول فيه طوعا وعنوة ودون تكاليف، هربا من الواقع الأليم، كما هو مفتوح للمفروض عليهم فرضا الموت البطيء، والنزاع الموجع، في وطن غير مرحَّب وغير مرغوب فيه بفقرائه، صار يشبه معسكر اعتقال وتعذيب لهم.

               ثمة أقوال عن الوجع، قد تعلّمناها وحفِظناها، منذ الصغر، من المسنّين الحكماء في قريتنا، واختبرناها في معترك الحياة، واكتشفنا قيمتها، وعرفنا جمال معناها وجدواها. من هذه الأقوال: 

               -الجمرة لا تحرق إلا في موضعها.
               -الوجع ملك صاحبه.       
               -لا أحد يتوجّع عن جاره.
               -أفضل مدرسة هي مدرسة الحياة، وأفضل معلم هو الوجع.
               -الوجع يربّي أخلاق الإنسان ويقوّي شخصيته، ويجعله متواضعا، ويقرّبه أكثر من أخيه الإنسان ومن الله. 

               أننا نرى، أمام هذا الواقع المأساوي الذي نعيشه في لبنان، بعض أعمال الرحمة تجاه الفقراء يقوم بها أفراد قلائل وجمعيات خيرية قليلة، ونفرح بأن ثمّة من يشعرون بأوجاع الموجوعين والمتعَبين، ويقومون بما يستطيعونه للتخفيف من ثقلها عن كاهلهم. غير أن وجع كل الموجوعين والمُتعَبين لا يسكّنه ويزيله إلا دولة قوية، مخلصة لشعبها، تقوم بواجبها تجاهه في مجال احترام شخصيته ووجوده ك"قيمة" إنسانية مطلقة، ثمينة، والإستجابة لحقوقه، وضمان حياة كريمة له من المهد إلى اللحد، دون أية مِنَّة، لأنه، في الواقع، يدفع لها أجرا سخيًّا من تعبه وعرق جبينه كي تخدمه وتدافع عنه وتحميه وتسعده وتحقِّق ازدهاره.

               ماذا قدّمَت الدولة، حتى الآن، للشعب اللبناني الثائر والموجوع وجعا صارخا وصامتا، في الشوارع والساحات، وفي البيوت وأماكن العمل، وفي المدارس والجامعات، غير المزيد من "السياسة" التي تعني كيدية وحسب: إستقالة الحكومة، وتأليف حكومة جديدة وعرض أسماء لترؤسها ثم حرقها، تأليف حكومة وتكليف رئيس حكومة يرضيان الشعب الموجوع، الثائر، والرئيس المستقيل وشارعه الخاص (الثائر غبّ الطلب) ورؤساء طائفته، وكل الطوائف وكل حكومات الكرة الأرضية والأفلاك السماوية، في لعبة خبيثة، عبثية، تافهة بكل معنى الكلمة، كالمعتاد، لعبة شدّ حبال وعرض عضلات، وكرّ وفرّ، ومناورات وتذاك وإحراج، ومماطلة وتأجيل وانتظار "كلمة السر" من "الخارج" (مدير لعبة القمار هذه بكل كيديتها وصخبها وأوساخها، مهما ادعى مدّعو الحرية والإستقلال عكس ذلك، وهم يشوّهون براءة ثورة الشعب الموجوع ويطيلونها قدر المستطاع لتحقيق سريع لطلبات تعجيزية، مستحيلة)، وتبادُل الملامة والإتهامات على كل شيء بين الأقطاب المتنازعين على الإمساك بدفّة الحكم وعروشه وتناتش حصصه ومغانمه؟

               الدولة، قبل الثورة العارمة للشعب الموجوع، لم تقدّم شيئا يخفّف من وجعه سوى الوعود المخدِّرة والألاعيب السياسية، والتنعّم بالألقاب العظيمة وبعرش وصولجان وتاج الحكم ومغانمه الدسمة. 

               الدولة قدّمت، فيما مضى، كلمات جميلة تعبّر عن إحساسها ب"وجع الناس"، ووعودا جميلة بمحاربة الفساد واسترجاع أموال الشعب المنهوبة من خزينة الدولة. وطلبت من الشعب المديون والمنتوف ريشه والمسلوخ جلده والموجوع، أن يضحّي ببعض "مكتسباته" (وهو فارغ اليدين)، وأن يتحمّل، فوق وجعه، بعض الوجع، وأن يثق بساسته ويبتسم ويكون سعيدا، ويتفاءل بالخير ليجده، في وقت كانت تفرض عليه هذه الدولة الحنونة التي تشعر ب"وجع الناس"، المزيد من الضرائب والرسوم، وتنقيص ضمانات ورواتب المتقاعدين وغير المتقاعدين من قوى الأمن والجيش، من أجل تحقيق موازنة لم تلغِ منها الدولة بنود الهدر الكثيرة، المضحكة والقهّارة والمبكية، المتعلّقة ب"مكتسبات" الساسة الخيالية، الأسطورية، وبعيالهم، وبجمعياتهم الوهمية، وبتكاليف أسفارهم ومراكز حكمهم، وبرواتبهم ومخصصاتهم وتعويضاتهم.

               لذلك، لم يعد الشعب الموجوع يثق بالدولة وبأركانها العتاق والجدد على حدّ سواء، لفرط ما لُدِغوا من جحر الساسة، ولم يعودوا يصدّقونهم حتى لو صدقوا، مهما ردّد الساسة هذا القول: "إننا نشعر بوجع الناس".

               لسنا ندري إذا كان القول المعروف "شرّ البلية ما يضحك" مُتَداوَلا بكثرة في دول أخرى، كما هو مُتَداوَل في لبنان. إننا نشكّ بذلك. 

               أمام الواقع الدائم لإزدواجية الساسة الفاضحة، الفاقعة، الوقحة، بين إغداق الوعود المعسولة على الشعب، من جهة، ومواقف خذلان الشعب وتخييب آماله، من جهة أخرى، وأمام واقع الساسة وهم في إثراء متزايد وسعادة دائمة، وواقع الشعب وهو في فقر متزايد وتعاسة دائمة، لا يسعنا إلّا أن نردّد هذا القول المأثور، بحزن وغضب، وبإستغراب شديد إلى حدّ الضحك، ولكنه ضحكٌ مرير، مقرف، قاتل: "شرّ البليّة ما يضحك"!

               ونردّده حين نرى الأتباع يؤلّهون صنم زعيمهم حتى العبادة، ولا يلومونه على شيء، ويجدّدون له الولاء في الإنتخابات، حتى لو اكتووا بنار الإهمال والإحتقار والذلّ والفقر والقهر، وحين نراهم على أتمّ الإستعداد للقتال والإستشهاد ضدّ طوائف أخرى لا ضدّ العدوّ الصهيوني، في سبيل ديمومته هو وحده مع عياله وقصوره وثرواته وأمجاده الباطلة، لا ديمومة الوطن.

               ونردّده حين نرى أن الأتباع، عابدي صنم زعيم الطائفة، هم من يشكلون، في صندوق الإقتراع، الأكثرية الشعبية التي تحكم ديمقراطية لبنان الطائفية "التوافقية" الفاسدة، وحين نرى أن أكثر من نصف الشعب اللبناني لم يشاركوا في عملية الإقتراع، قرَفا واشمئزازا ويأسا من فساد النظام الطائفي والساسة، وحين نرى نواب الأتباع يفتخرون جهارا بحجمهم ووزنهم وحثيتيهم ويتقاتلون على أكل "جبنة" الدولة، ونهب "مزارع" الدولة وزرعها بالفساد. 

               بالنتيجة، لا ينتظرنّ الشعبُ الموجوعُ أن يضحِّيَ ساسته الأغنياء (الذين يشعرون، فقط من بعيد، وبالكلام، ب"وجع الناس")، حتى بجزء يسير من ثرواتهم الخيالية (المشروعة وغير المشروعة، المعلَنَة وغير المُعلَنَة)، المخبَّأة في خزنات أقبيتهم ودهاليزهم المحصَّنة والمحمية بسلاح الأزلام والدولة، وفي مصارف لبنان والخارج الآمنة، من أجل حلّ مشكلته الإقتصادية وأزمته المالية وغلاء المعيشة، وتأمين كل حقوقه المهدورة، ومداواة جراحه، وإزالة أوجاعه، وخلق ازدهاره، وإسعاده. إنهم لا يشعرون أبدا بوجعه، مهما ادّعوا ذلك من خلال اجترارهم المملّ، السخيف، التافه، المقرف، المنفِّر، للتعبير الجافّ، البارد، الميت: "نحن نشعر بوجع الناس". 

               إن الجمرة التي تحرق "الناس" لا تحرق مَنْ بطونُهم ملأى بثمار البحر والبرّ وبدماء الكرمة، ومَنْ جيوبهم وخزناتهم السرّية تطفح بالمال والذهب، ومَنْ نفوسهم منفوخة بروح الكبرياء والعظمة. إنهم، بكل بساطة، عديمو الإحساس والرحمة. ومهما صلّينا من أجلهم، فلن يحلّ عليهم أبدا، وفجأة، الروحُ القدس، ليهديهم إلى الصراط المستقيم، لأنهم قد صمّوا آذانهم وأغمضوا عيونهم وقسّوا قلوبهم وغلّظوا رقابهم، وأصبحوا غير مستعدّين وغير مؤهَّلين ليأتوا بأيّ ثمر جيد، كالتينة الكثيرة الأوراق، غير الواعدة بإعطاء ثمر في أوانه، والتي لعنها المسيح، فيبِسَتْ للحال.

              غير أننا، كجزء من "الناس" البسطاء، المساكين بالروح، الأنقياء القلوب، الرحماء، الفاعلي السلامة، المضطَّهَدين من أجل البرّ، المؤمنين بإله الخير والمحبة والعدل والرحمة، نتمنّى ونترجّى من كل قلبنا وقوتنا أن تتدخّل السماء القديرة، الحكيمة، المحبة، لإنقاذنا من محنتنا المزمنة والمتفاقمة بإستمرار وبشكل مخيف، ونصلّي بحرارة من أجل حدوث معجزة شفاء وهداية لنفوس ساستنا، تعجّل خلاص وفرج الشعب اللبناني المظلوم والمقهور والعاجز واليائس، من براثن الظلم والوجع. 

               في غياب أية معجزة من السماء، لحكمة نجهلها، سوف يبقى الشعب موجوعا، في لبنان، لوقت طويل، كي لا نقول إلى الأبد. إن المعجزة، معجزة شفاء وتخليص نفسه من وجعه وظلم الساسة له، هو وحده، في الحقيقة، إن قرّر ذلك، يستطيع تحقيقها، مهما طال الزمن، من خلال إرادته الصلبة وجهاده المتواصل، الصبور، لتحرير نفسه من عبودية التعصّب والإرتهان للطائفة والزعيم، ولتوحيد صفوفه، ولخلق ودعم جمعيات الرحمة والمحبة والرِفق بالإنسان، ومن خلال الإعلام والتظاهر السلميّ، غير الحاقد، لإسماع صوته لرعاته غير الصالحين، ومن خلال صندوق الإقتراع وقانون إنتخابي جديد يناسبه ويكون من إختياره هو لا الساسة.
 
               إن صندوق الإقتراع هو النور في نهاية النفق المظلم. إنه نهاية المطاف الطويل، العسير، مطاف درب جلجلة الشعب المعذّب، حيث يقرّر، بحرّية تامة ووعي كامل، أن يختار مَنْ يمثله خير تمثيل في الحكم، دون الخضوع لمشيئة وأطماع ومصالح وأمزجة آلهة الطائفة والمال والقرار في الداخل و/أو الخارج، وحيث يتحضّر لواجب البحث الرصين  بتبنّي نظام سياسيّ جديد، غير طائفي، رعاته صالحون.

إيلي أنطون شويري
كانون الأول 6، 2019