إقتصادنا ورأس المال.. أيهما أصلح لهذا الزمان؟

تحتل المشكلات الاقتصادية في الوقت الحاضر أهمية كبيرة على المستويين القومي والدولي. ولهذه المشكلات انعكاسات على الصعيدين السياسي والإجتماعي لا يمكن إنكارها أو التغافل عنها، حيث يصعب إهمال دور التطور الاقتصادي في فهم الجوانب السياسية والاجتماعية لأي جماعة من الجماعات، خاصة المسؤولين عن إدارة مفاصل الدولة. فالواقع الاجتماعي حقيقة معقدة يتأثر بالواقع المعيشي والإقتصادي، والإنتاج بدون بيئة سليمة لا يحقق إكتفاء حتى على مستوى الأفراد.

هيمنة بلا حدود

الرأسمالية هي السمة الأساسية للإمبريالية في طورها الجديد، كما أن العولمة ” صيغة تهدف إلى إعادة صياغة النظم السياسية والاقتصادية السائدة في العالم، بهدف إخضاع العالم لإرادة كونية واحدة، فهي هيمنة بلا حدود، تقوم على حرية حركة رؤوس الأموال والمنتجات والتسليم بسيادة السوق، وفي العولمة، باتت دول العالم الثالث والوطن العربي تحديداً بحكم عوامل أو مصالح طبقية خارجية وداخلية، مجرد مشروعات يتم بواسطتها تدمير السوق الوطني أو القومي ومن ثم تكريس تبعيتها وتخلفها وارتهانها، لتتحول من بلاد منتجة إلى بلاد مستوردة ومستهلكة، يُفرض عليها الحصار فيتحول الوضع من سيئ إلى أسوأ، ومن هنا تنطلق التدخلات الخارجية لتعبث بمقدرات هذه البلاد عبر وقودها ألا وهو "الشعب"، لكن لأسباب حقيقة الجميع مشارك فيها والجميع مسؤول عنها.
إن معرفة الظروف التي وجد من خلالها النظام الرأسمالي، تمثل في نفس الوقت معرفة بتاريخ الفكر الاقتصادي، فالفترة الممتدة من منتصف القرن 15 وحتى منتصف القرن 18، هي الفترة التي شهدت مقدمات ميلاد النظام الرأسمالي، حيث تجمعت عوامل كثيرة، خلال فترة زمنية، أدت بدورها إلى تداعي وانهيار النظام الإقطاعي، وفي نفس الوقت مهدت لظهور نظام جديد، تلك الفترة التي شهدت بوضوح ببداية الثورة الصناعية ووقوع الثورة الأمريكية وصدور المؤلف لآدم سميث "ثروة الأمم".
وعلى الرغم من كثرة الكتاب الذي انتقدوا وهاجموا النظام الرأسمالي، إلا أن هناك شخصية قد دفعتهم إلى الظل، وهى شخصية الألماني كارل ماركس (1818- 1883). وقد وصلت شهرته على المسرح الاقتصادي والتاريخي، وقد تأثر كارل ماركس فكرياً بالفيلسوف الألماني هيغل، حيث كان رافضاً التراث الكلاسيكي أو مفترضات النظام الرأسمالي التقليدي والحديث. فالاقتصاديون الرأسماليون يفترضون وجود توازن بين القوى المختلفة، لدرجة أن أصبح يسمي باقتصاد التوازن، والذي يقوم على أساس أن العلاقة الأساسية بين صاحب العمل والعامل، وبين الأرض ورأس المال والعمل، وهي العلاقة التي لا يمكن أن تتغير أبداً، وإن حدث تغيير في المعروض من الأيدي العاملة أو من رأس المال، وهذا التغيير لا يؤدى إلا إلى توازن جديد ومماثل. وبحث وتحديد هذا التوازن النهائي هو جوهر علم الاقتصاد السياسي. كما أن من أساسيات النظام الاقتصادي التقليدي والحديث هو وجود قاعدة ثابتة لا تتغير، أيا كانت الاضطرابات أو الأزمات التي يتعرض لها النظام، وأن علم الاقتصاد يبحث ويثقل المعرفة بالمؤسسات الرئيسية والعلاقات الجوهرية الدائمة والباقية.
فقد رأى ماركس، أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية دائما ما تتغير. وعندما يبرز كيان اجتماعي أو طبقة اجتماعية وتحتل الموقع الأول اجتماعياً، لا تلبث أن يظهر كيان أو طبقة اجتماعية وقوة جديدة تنافسها وتتحداها. والمثال البارز لهذه الفكرة، هو بروز طبقة الرأسماليون أو الصناعيون الجديد مكان الطبقة الحاكمة القديمة، وهي مالكو الأرض. ولم يكن الأمر يحتاج إلى جهود لرؤية أن الصناعيين الجدد أو البرجوازية الجديدة، بعد أن تحدت الطبقة الاجتماعية السابقة عليها وهي الأرستقراطيين أو ملاك الأراضي بالقدر الكافي وأنشأت تركيباً جديداً، سوف تتعرض بدورها لتحد كيان اجتماعي جديد وهو طبقة العمال.

جوانب الضعف للرأسمالية

من هنا، نجد لكارل ماركس فلسفة جديدة مخالفة، تشبه فكر الألماني جورج فريدريك ليست (1789 – 1846)، وهي أن الفرد يوجد من أجل الدولة. فالدولة هي التي تمنحه الحماية وإمكانية الوجود بشكل متحضر ومستمر، ومن هنا فالدولة يجب أن تتقدم وأن يكون لها الدور الأسمى.
حيث رفض ماركس، الافتراضات الأساسية للاقتصاد الرأسمالي التقليدي والحديث، فالتوازن ليس هو النهاية، وإنما هو مجرد حدث في تغير أكبر كثيراً، يؤدى إلى تغيير كامل العلاقة بين رأس المال والعمل. كما أن المؤسسات الاقتصادية، ونقابات العمال، والشركات، والمظاهر الاقتصادية للدولة وسياستها. كل ذلك في تغيير مستمر وفي حالة حركة، وأن صراع الطبقات هو مصدر هذه الحركة.
وقد أصدر كارل ماركس، بالتعاون مع صديقة الألماني أيضاً فريدريك انجلز (1820 – 1895) أشهر منشور سياسي، والذي قوبل بأكبر قدر من الاعتراض والتنديد وهو البيان الشيوعي الذي خاطب السخط الواسع النطاق الذي عبرت عنه الحركات الثورية للعام 1848. وقد تبع ذلك إصدار المجلد الأول من كتابه "رأس المال" الذي راجعه وأعده للطبع صديقه انجلز، وصدر في حياة كارل ماركس، ثم اعتمد انجلز بعد ذلك على المذكرات وأجزاء من المخطوطة لاستكمال ونشر الجزأين الأخيرين من " رأس المال" بعد وفاة كارل ماركس.
وفي كتابة "رأس المال"، أشار ماركس إلى إنجازات النظام الرأسمالي في مجال الإنتاج، وأشاد بها، وذكر أن النظام الرأسمالي، وفي فترة لم تتجاوز الـ 100عام حقق قدراً أكبر وأضخم من كل الأجيال السابقة مجتمعة. كما أشار إلى إنجازات أخرى للرأسمالية، وإن كانت فرعية كخلق المدن الجديدة وزيادة سكان الحضر زيادة كبيرة بالقياس لسكان الريف علاوة على الأسعار الرخيصة للسلع والمنتجات. ولكن بعد هذه الإشارة المقتضبة لمنجزات الإطار الإنتاجي الجديد أو الرأسمالية، وجه ماركس سهامه نحو جوانب الضعف في الرأسمالية والتي أجملها في أربعة عيوب أو مشكلات رئيسية، وهي:
التوزيع غير المتكافئ في السلطة، التوزيع غير المتكافئ في الدخل، الأزمات المتلاحقة للنظام الرأسمالي، الاحتكار، لكن هل حقق كارل ماركس في نظريته ما أفاد الدول ضمن العامل الاقتصادي، أم فقط في عصره وزمانه؟

سياسة النقد

لطالما اعتمد   السيد محمد باقر الصدر سياسة النقد، لكن دائماً ما كان يتبع النقد وإضفاء رأي جديد يكون أقوى من الفكرة بحد ذاتها، فالمفكر من يأتي بفكر يخدم فيه البشرية جمعاء وليس لمصلحة فئة معينة ويكون فكره قابلاً للتطور، هذا الفيلسوف الذي ألف عدة مؤلفات حول الإسلام والبنك الربوي وكتبا أخرى تدرس في جامعات بعض الدول العربية، فالسيد الصدر وصل في تحليله للنظرية الماركسية في (العمل اساس القيمة ) إلى هشاشة هذه النظرية تماما وأنها نظرية لا تصلح أساسا لدراسة معنى القيمة التبادلية على أساس أن مكونها الوحيد، هو العمل فهناك العامل السيكلوجي الاجتماعي الذي هو أساس القيمة وهناك قيمة المواد الخام  وهناك عنصر كفاءة المواد الخام وهناك ...الخ وبهذا أيضا ضرب الإمام الصدر وهم قانون (فائض القيمة) الماركسي كذلك قاعدة فائض القيمة قائمة على مبدأ (ان العمل أساس القيمة) باعتبار أن صاحب راس المال يسرق من قيمة سلعة عمل العامل.
فلقد كان في كتاب اقتصادنا مضامين إنسانية وأخلاقية، ظهرت إليها الحاجة ملحة، وأكد السيد على التأمين الإسلامي، وفي هذا اليوم الجميع بحاجة إلى تأمين حاجات الأفراد الأساسية. فالنظام الإسلامي تجاوز السلبيات التي كانت موجود في بقية النظم الاجتماعية كالرأسمالية والاشتراكية، فكتاب إقتصادنا من أهم الكتب الحديثة التي تتحدث عن نظرة الإسلام للإقتصاد، ففيه دراسة موضوعية تتناول بالنقد والبحث المذاهب الاقتصادية للماركسية والرأسمالية والإسلام في أسسها الفكرية وتفاصيلها.
إقتصادنا، يقدم قراءة فلسفية للمذهب الاقتصادي في الإسلام، من خلال مقارنة حقيقية بينه وبين الشيوعية والرأسمالية، السيد الصدر خالف الأسلوب الذي انتهجه العديد من الإسلاميين بأن يعاصروا اقتصاديا الموجة التي تجتاح عالمهم، فمثلا كان واضحا في منتصف القرن الفائت تأثر الإسلاميين بالاشتراكية التي اجتاحت عالمهم، ومن ثم الرأسمالية، فجاء الكتاب بطريقة فلسفية ينقد الرأسمالية دون الإستشهاد بالنصوص الدينية حديثاً او قرآناً.
لقد آن الأوان أن يخرج كتاب اقتصادنا وهو السّفر الخالد للإمام الشهيد الصدر من عالم النظرية والمفاهيم إلى عالم الدراسة الواقعية الميدانية التطبيقية في المجال الأكاديمي.
وبدون أدنى شك، أن كارل ماركس، كان عملاقاً لكن ما دعا إليه عارض قضية الملكية الفردية وبذلك يكون قد عارض الفطرة، فالملكية الفردية هي قضية فطرية.
فخطأ كارل ماركس في كتب رأس المال، كما يقول السيد الصدر، أنه فهم الإنسان بطريقة خاطئة، وأن الإنسان من الممكن أن ينفك عن ملكيته الخاصة، مبرراً ذلك بحسب إعتقاده أن إيمان الناس في ذاك الزمان كان بالملكية المشاعية، أو ما تسمى بـ "الشيوعية البدائية"، وهذا مُجافٍ للواقع وللحقيقة، ولا يوجد دليل عليه.
أما في كتاب "إقتصادنا": لربما كان أنجح من رأس المال لأنه يؤكد على الملكية المزدوجة وهي السائدة في أغلب الدول، فلقد هيئ البنية التحتية للناس من خلال تهيئة الناس وتربيتهم على القيم والنظم الأخلاقية. ومثال ذلك أن هناك قيم رفضها الإسلام كالجشع والإحتكار وما شابه ذلك.

الاقتصاد والإسلام

الإسلام خرج بكافة التعاليم التي تختص بتنظيم حياة الأفراد وتنظيم المؤسسات وما إلى هنالك، فلقد قال السيد الصدر في كتابه "إقتصادنا": "إقتصادنا لمجتمعنا"، فقد يكون ها الكتاب كمرجع في تطبيق الإسلام للمسألة الاقتصادية، فكل مجتمع يحمل قيم ومبادئ وأخلاق الإسلام.
ومن هنا جاءت فكرة تطبيق الملكية المزدوجة عن طريق السيد محمد باقر  الصدر، في حين أن كار ماركس "رأس المال" خالف الفطرة في محاربة الملكية الفردية التي لا يمكن ان تنتزع من نفسية الإنسان إلا بإنتزاع روحه، فعيب ماركس مهاجمته ومحاربته للملكية الفردية كما ذكرنا وتأكيده وإصراره على الملكية الجماعية فنكون أمام حقيقة وهي فشل الماركسية لأنها خالفت الفطرة.
على المقلب الآخر، كتاب إقتصادنا، لا يزال فيه الكثير من الإيجابيات خاصة تلك المطبقة منه، ففي الازمة الاقتصادية العام 2008 وأزمة البنوك، كانت ألمانيا قد طبقت ما جاء فيه، عندما جمعت بين الملكية الخاصة والعامة التي عبر عنها السيد الصدر بانها ملكية مزدوجة وبالتالي لم تتأثر ألمانيا بتلك الأزمة، بعكس الدول الأخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تعرضت لهزات إقتصادية.

من هنا، رأس المال وإقتصادنا، كلاهما لا يصلحان لهذا الزمان، لأسباب واضحة، فالوقائع إختلفت وتغيرت والاحداث في العالم بعضها تطور والآخر تصدّع.
فرأس المال إنتهى مفعوله مع إنهيار الإتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وإنتهاء تلك الحقبة، أما إقتصادنا فكان أنجح من رأس المال وتم تطبيق الكثير مما جاء به. لكن في زمنٍ مضى لا يتماشى طرداً مع وقتنا الحالي، إذ علينا إبتكار نظريات خلّاقة لا تقل أهمية عن فكر أي مفكر وخبير وضع نظرياته، فمع دراسة تلك النظريات والإستفادة منها، يجب تطويرها إن لم توجد القدرة على إبتكار الأفضل، فهذا الزمن بات الاقتصاد محور الصراعات وأصبحت السياسة مسألة ثانوية أمام حروب الغاز والنفط والماء. لذلك أن ننهض بأمة يجب أن ننهض بإقتصادها لأن سلاح القوة في العصر الحديث.

*كاتب وحقوقي كويتي.