واشنطن وطهران.. أكثر من "حرب كلامية" وأقل من "حرب تقليدية"

يبدو أن مصطلح "الحرب الكلامية أفضل من الحرب التقليدية "، المنسوب خطاً إلى وينستون تشرشل، بات الأكثر استخداماً في السياسة الدولية بالفترة الأخيرة.

فما يجري بين الولايات المتحدة وإيران اليوم يتأرجح ما بين الحرب الكلامية والتمهيد لخطوة جديدة نحو حرب تقليدية، رغم الأجواء الإيجابية التي تبدت بعد صفقة تبادل الأسرى بين الولايات المتحدة و إيران، والتي أشاد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قائلاً: " نشكر إيران على قيامها بتفاوضٍ عادلٍ للغاية، وأعتقد أنه يمكننا أن نعقد صفقةً ومحادثاتٍ مستقبلية معاً ". ولكن قبل أيامٍ قليلة وفي بداية هذا الأسبوع، طفت على السطح بعض الأخبار المشؤومة غير المتوقعة .

ففي خبرٍ صادمٍ نشرته صحيفة "وول ستريت" على صفحاتها الأولى، ذكرت أن الولايات المتحدة سترسل 14000 جندي إلى الشرق الأوسط، بالإضافة إلى 14000 جندي تم ارسالهم منذ أيار الماضي .

وقالت الصحيفة: "أن داعي التعزيزات هو ردع الخطر الإيراني في المنطقة، حيث تدرس إدارة ترامب توسيع بصمتها العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط بشكلٍ كبير لمواجهة إيران"، بما في ذلك عشرات السفن الإضافية و ما يصل إلى 14000 جندي إضافي بمعداتهم العسكرية الكاملة ، لكن بحلول نهاية الأسبوع ، طالب وزير الدفاع الأميركي مارك إسبير بحذف القصة وازالتها تماماً عن صفحاتها الأولى، قائلاً إنه لم يتم التخطيط لنشرٍ جديد للجنود و أن القوات الأمريكية في المنطقة كافيةٌ للتعامل مع الوضع في إيران.

يبدو أن جمهورية إيران الإسلامية في وضع يائسٍ بشكلٍ مقلق، فقد خفضت العقوبات الأمريكية مبيعات النفط الإيراني من 2.5 مليون برميل يومياً إلى 400000 برميل تقريباً، و بعد الإعلان في 15 من تشرين الثاني عن ارتفاعٍ بنسبة 50٪ في أسعار الوقود لإغلاق فجوة في الميزانية، انفجر أسبوعٌ من أعمال الشغب والمظاهرات في البلاد .

فإلى متى يمكن لإيران الاعتماد على عائداتها النفطية التي تضاءلت في مواجهة هذه الأزمة المتفاقمة؟ و كم من الوقت سيلزم إيران لتتخلص من وضعها اليائس؟

عندما انسحب ترامب من الصفقة النووية وأعاد فرض العقوبات الأمريكية على إيران، حذرت إيران من أنه إذا لم تتمكن من بيع نفطها خارج الخليج، فإن نفط دول الخليج الأخرى يمكن أن يبقى خارج الأسواق العالمية و يصبح معرضاً للخطر أيضاً ، حيث أرسلت إيران إشارةً تحذيرية لتظهر بأن نواياها حقيقية من خلال بعض الهجمات لمضايقة عدة ناقلات نفطية في الخليج .

ثم جاءت ضربة صاروخيةٌ بجانب هجومٍ بطائرةٍ مسيرة على منشآت نفط سعودية أدت إلى خفض الإنتاج السعودي لفترةٍ قصيرة إلى النصف، أي إلى 5 ملايين برميل يومياً. فبينما أعلنت حركة أنصار الله في اليمن مسؤوليتها عن الهجوم، يعتقد الغرب أن إيران قامت بذلك إما مباشرةً أو عبر وكلائها في اليمن. و لكن الهجوم على المنشآت النفطية السعودية لم يليه أي رد من قبل أحد .

و هذا ما يدفع لطرح عدة أسئلةٍ جدية، ما هو هدف العقوبات الأمريكية بالضبط ؟ و ما هو الهدف الاستراتيجي لمعاقبة الإيرانيين أو إقناعهم بالقدوم إلى طاولة المفاوضات؟ ما هو الهدف الدبلوماسي منها؟ ، هل هو إجبار إيران على قبول صفقة نووية جديدة أكثر صرامة وأكثر دواماً لصالح الولايات المتحدة ؟ ، أم هل يريد ترامب وضع ضوابط جديدة على اختبارات الصواريخ الإيرانية وانسحاب القوات الإيرانية من سوريا؟، أم هل هو خنق الاقتصاد الإيراني حتى الموت إذا لم تستسلم طهران لمطالب الولايات المتحدة، كما تفعل الولايات المتحدة مع فنزويلا؟، أم هل هي لإشعال ثورة و إسقاط الحكومة الإيرانية ؟

إن حرباً جديدة في الشرق الأوسط، و التي قد تشعلها العقوبات الأمريكية على إيران، من شأنها أن تفي بتعهد ترامب للشعب الأمريكي بأن يريح العالم من حروب الشرق الأوسط إلى الأبد، و لكنها يمكن أن تشل الاقتصاد الأمريكي و الاقتصادي العالمي أيضاً، و قد تطيح بترامب و يصبح جو بايدن أو بيت بوتيجيج رئيساً للولايات المتحدة بعد انتخابات عام 2020.

الكاتب: بات بوكانان