مقاربة لمفهوم "الوحدة الوطنية" بين طوائف لبنان

 

               إن مصطلح "الوحدة الوطنية" (المستعمَل بشكل دائم في لبنان مع مصطلحات أخرى في القاموس اللبناني)، يعني أن يكون شعبُ أيِّ وطن مُوَحَّدا بالقلب والعقل والإرادة، تجمع بين أبنائه كلهم روحُ حبِّ الوطنِ الواحدِ، والولاءِ الكاملِ للوطنِ الواحدِ، والإخلاصِ له وحده، والمصلحة المشتركة التي تعني حبّ الحياة، معا، وتقاسم خيرات الأرض، وبناء الذات الوطنية والإقتصاد والمشاريع العمرانية والحماية الذاتية. والوطن يعني، بكل بساطة، وحدة الأرض والشعب والتراث ورؤيا المستقبل، وليس كلمة وهميّة، مُبهَمَة، ميتة، كما تحوّلَت لفرط الإستعمال البارد، المبتذّل، غير الصادق، وغير الواعي، إلى أن أُبْدِلَتْ بكلمة "بلد" البليدة.
               إنّ حبّ الوطن هو أكثر من مجرّد مصلحة أنانيّة مشتركة في وجوب تعايش الأفراد والجماعات معا. إنه يعني، بالإضافة إلى ذلك، حبّ أبناء الوطن لأرضهم التي تحتضنهم، معا، في حياتهم ومماتهم، وحبّهم لبعضهم البعض كشركاء حياة ووجود ومصير، واستعدادهم الدائم للدفاع عن أرضهم وعن وجودهم ضدّ كلّ خطر داهم. لا وطن، ولا وحدة وطنية، دون هذا الحبّ. والأرض، بلا شعب حيّ، مُوَحَّد، محبّ لها ولبعضه البعض، لا تشكّل وطنا.

               إن كل الشعوب تعمل بشكل طبيعيّ، إن هي أرادت الحياة بكرامة وإزدهار وطمأنينة وسلام، من أجل أن تحافظ على تماسكها ووحدتها، وأرضها. وحدة الشعب تجعله قويا منيعا ضدّ أية محاولات قوى خارجية مستقوية بالمال والسلاح، ومدفوعة بروح الكبرياء والطمع والسيطرة والشرّ، هي دائما جاهزة لزرع الفِتَنِ بين أبنائه، من أجل التسبّب لهذا الشعب بالتفكّك والإنقسام والضّعف والحزن والخراب، ليسهل على هذه القوى أمر ترويضه والتحكم به.

               تكثرُ الدعوات إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وتتكثّفُ، في حالات الخطر الشديد على الوطن. ولبنان لم يَسْلَمْ يوما من هذا الخطر الذي يأتي دائما من الخارج، من دول لها أطماع في السيطرة على إرادة شعبه وحياته ومُقدِّراته، من خلال سياسييه. سلاح هذه الدول هو عينُه لا يتغيّر، في سياستها العالمية الشاملة للكرة الأرضية: بثّ روح الفتنة والتنافس على السلطة بين زعماء الوطن، وبثّ سُمِّ إغراءات المال السخية في دَسَمِ المشاريع والمساعدات، والتهديد بعقاب مالي أو عسكريّ، في حال عدم الإستجابة لرغباتها وطاعة مشيئتها. إن لبنان، "بلد" تعايش الطوائف المتنازعة فيما بينها معظم الأوقات، يتميّز بكونه أرضا خصبة جدا لزرع بذور الفتنة، وبقابلية شرهة لدى زعماء الطوائف، المُصابين بعقدة العظمة، على لهط المال وممارسة السلطة، وبناء الجيوش الخاصة لكل زعيم ولكل طائفة، من أجل الحماية الذاتية، لا حماية الوطن ضدّ العدوّ الصهيوني المشترك وإرهابييه.

               في لبنان، "الوحدة الوطنية" تعبير نسمعه، كل يوم، منذ نعومة أظفارنا. وهذا دليل أن الوحدة بين أبناء الشعب اللبناني ليست موجودة. إنها غائبة، مفقودة، وبحاجة إلى استحضار دائم، دون أن تحضر. كل المراجع الدينية والسياسية والإعلامية والتربوية والعمّالية كانت، وما تزال، تدعو الشعب إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية و("السلم الأهلي")، لفرط ما كان وما يزال الوطن اللبناني، بنظامه الطائفي الهشّ، الهزيل، عرضة دائمة للأخطار الخارجية والتفتيت. والحديث يتكرر دائما، كلما دبّ الخلاف العنيف والحرب الكلامية بين زعماء الطوائف حول تقاسم حصص الحكم والسلطة من وظائف ووزارات، وحول "الحيثيات" و"الأحجام" و"الأوزان" الشعبية (أي الطائفية)، وعن "التوازنات الدقيقة" التي يفرضها "الدستور" والتي لا يجوز المساس بها. ومن الطبيعي جدا أن ينتقل خلاف زعماء الطوائف فيما بينهم، بكل عنفه، إلى الأتباع. حتى الساعة، الوحدة الوطنية الحقيقية مفقودة في لبنان، مع أن مفهومها الحقيقي النظري والواقعي واضح، وبسيط، ومعروف من جميع اللبنانيين، شعبا ونُخَبا، ومع أن الجميع يتغنّون ويتغزّلون بجمالها ومحاسنها.

               لماذا، إذاً، الوحدة الوطنية في لبنان، هي وحدة صعبة التحقيق، منذ الإستقلال حتى اليوم، وإن تحقّقَتْ فبشكل مؤقت؟

               ليس من الضروريّ أن يكون لكل أبناء الوطن الواحد تفكيرٌ واحدٌ، وشعورٌ واحدٌ، وتصوّرٌ واحدٌ، في كل القضايا الحياتية والسياسية والإقتصادية والروحية. الوحدة الوطنية الحقيقية تبدأ وتترسّخ، قبل كل شيء، بوجود وبتنمية روح الإنتماء والإخلاص لوطن واحد إسمه لبنان، وطن جامع وحاضن للكل، شعبا ودولة وجيشا وأرضا وتاريخا وحاضرا ومستقبلا. ومن ثمّ، وبعد أن يتوفّر هذا الشرط الأساسي، إن توفّر من خلال تربية أخلاقية، مدنية، وطنية، واحدة، سليمة، يتبارى الشركاء في الوطن الواحد في مجال خدمة وطنهم فقط، لا خدمة طوائفهم وأوطان أخرى، بكل ما لديهم من قوة وحبّ وتنوّع واختلاف وغنى في الأمزجة والعقليات والأفكار والأساليب والمصالح. إنها خدمة تفيد المجتمع الواحد كما تفيد كل فرد، من خلال الأحزاب والنقابات والإعلام والدولة والعمل اليوميّ المنتج، ومن خلال التعامل اليوميّ العاديّ في جميع الحقول والميادين مع الشريك الآخر في الوطن. التنوّع، إذاً، والإختلاف، ينبغي أن يكونا مدعاة وحدة وقوّة ومِنعة وازدهار، وغنى نفسيّ وروحيّ واقتصاديّ وحضاريّ للوطن، ومدعاة تلاقٍ وحوار وتفاهم، لا مدعاة حقدٍ وتحدٍّ وخلاف وضعف وانقسام وتنافر وتخلّف.

               لماذا واقع لبنان المعروف من جميع أبنائه لا يعكس هذه الوحدة بمفهومها الحقيقي؟

               إنها وحدة يتمناها في أعماقهم كل أبناء الشعب، دون أيّ شك، ويتمناها أيضا (أو هكذا كنا نودّ أن نتمنى) زعماء الطوائف والساسة مِمّن يُفتَرَضُ فيهم أن يحملوا بجدّية هموم الشعب، ومسؤولية إدارة شؤونه، بحكمة وإخلاص.

               إن مسؤولية تحقيق الوحدة الوطنية هي، بالدرجة الأولى، مسؤولية زعماء الطوائف. في الحقيقة، الزعماء لا يبذلون جهدا كافيا، صادقا، ودائما، من أجل ذلك. إنهم يدعون إلى الوحدة الوطنية بالكلام فقط، وكأنهم لا يريدونها، وكأنها ضدّ مصلحتهم الشخصية، وضدّ ديمومة عزّهم المبنيّ على هواية الممارسة لسياسة "حافة الهاوية" والتحدّي الدائم لزعماء آخرين من طوائف أخرى، واستدرار عطف ومال ودعم بعض الدول التي عوّدَها الزعماء العبثَ بمصير الشعب اللبناني. وهم يتصرّفون وكأنهم يعطون الإنطباع (الكاذب، طبعا) للشعب بأنهم يعجزون عن تحقيق الوحدة الوطنية، وبأنهم مغلوبون على أمرهم، ويرمون تهمة التقصير والعرقلة على منافسيهم في الحكم. وكأن الوحدة (ومعها الحرية والكرامة) أشياء ممنوعة على اللبنانيين، وكأنهم قد تعوّدوا فقدانَها وعدم افتقادها، ورؤية طيفها في الأغاني الشعبية والنشيد الوطني والحلم فقط، إلى درجة أصبحت فيها حالهم تشبه حال المحكومين بالسجن المؤبد، فإذا حصل عفوٌ عامٌ مفاجىءٌ، وفُتِحَتْ أبوابُ السجن لهم، فإنهم يبقون في الداخل، مُخّدّرين، كسالى، قابعين في الزوايا المعتمة، المؤنسة، التي اعتادوها، بقرب سجانيهم. وفي حال ثاروا في الشارع ورفعوا أصواتهم مطالبين بالحرية والكرامة و"حقوق الإنسان"، فإنهم يثورون بإسم الشعب اللبناني والوحدة الوطنية، متفرّقين، ويتحولون إلى عدة ثورات في عدة مناطق لكل منها رأس محرّك مستقل، وسرعان ما يصطدمون وينصدمون بمماطلة الحكم ومناوراته ووعوده وهروبه من تحمل المسؤولية، أو عدم قدرته على الإستجابة السريعة لكل المطالب، وسرعان ما يبادر سجانوهم ومحرّكوهم (وهم في الحكم) في الخفية والعلن، أي زعماء الطوائف (المرتبطون بمصالح الخارج)، إلى احتضان وضبط تحركهم، بحسب مصالحهم، وإعادتهم إلى زنزانة الطائفة المؤنسة، ثم إلى الشارع من جديد.

               الأسباب التي تفرِّق بين اللبنانيين قد أصبحت معروفة من الجميع: كثرة الطوائف والمذاهب والأديان والأحزاب والتكتلات والقوميّات والأمزجة والمصالح، وشهوة الإستئثار بالحكم والسلطة لدى الزعماء، ودوام وقوّة إرتباطاتهم المالية والمذهبية العاطفية مع "الخارج"، والحَذَرُ التاريخيّ المزمن الموروث، والمغذّى من هذا "الخارج" بالذات ومن خلال الزعماء المتكبّرين، بين كل هذه المكوِّنات للوطن الواحد.

               هذا الوطن لم يعرف يوما الوحدة الحقيقية بين أبنائه، إلا، كما أشرنا منذ قليل، في الأغاني الشعبية والنشيد الوطني، والتظاهرات المؤقتة مهما تكرّرت وطالت، وأيضا في المجاملات الكاذبة في الأفراح والأتراح.

               أمّا قصّة هذا "الخارج"-الكابوس على الشعب اللبناني فقط، وقصّة مستضيفيه السعداء الدائمين في الداخل من زعماء وساسة وإعلاميين ورجال أعمال ودين وأصحاب مصارف من جميع الطوائف دون استثناء، فهي قصّة معروفة من جميع أبناء الشعب بكل تفاصيلها. والذين يمثلون هذا "الخارج" هم رؤساء وملوك وأمراء (مصابون بعقدة القوة والعظمة) لدول وحكومات قوية، وغنية، وسخيّة مع مطيعيها، ونواياهم المبطَّنة ومخططاتهم الشريرة تجاه لبنان (وهم يدّعون صداقته)، غير خافية على أحد، من تحريك وتمويل مظاهرات وإطالة أمدِها واستغلال مشاعر الشعب المظلوم الثائر، والإكثار من مطالبه المحقة، ولكنْ، التعجيزية، وخلق فراغ أمني وسياسي وفوضى لإحراج الحكم، وفرض عقوبات مالية وقتل العملة الوطنية وإفلاس الدولة والشعب، والتسبّب بغلاء معيشة لا يُطاق، ومنع الجيش من التسلح، واحتكار إستخراج ثروة النفط والغاز الهائلة من البحر واقتسامها مع العدوّ الصهيوني، وتطبيع العلاقات مع هذا الكيان العنصري، وأخيرا، وهنا بيت القصيد، الوصول إلى توطين كل اللاجئين من فلسطين والنازحين من سوريا نتيجة إرهاب هذا العدوّ وحماته وداعميه ومموليه، منذ سنة 1948 حتى اليوم.

               ولكنّ السؤال المحيّر والمؤلم يبقى هو ذاته في كل المراحل:

               لماذا طالت الأمور (الإنقسام والفرقة والتصادم) إلى هذا الحدّ بين اللبنانيين، ولماذا لا يحاول اللبنانيون، شعبا وزعماءا على حدّ سواء، ولو مرّة واحدة في تاريخ هذا الوطن المستضعَف، المعذَّب، ودون الخوف من أحد ودون استئذان أحد في "الخارج"، ودون السماح لهذا "الخارج" بتسميم أجواء "الداخل"، وإجباره جبرا على البقاء خارجا، أجل، لماذا لا يحاول الزعماء اللبنانيون الجلوس معا للحوار من أجل خلق حلول نهائية لمشاكلهم النفسية العقيمة التي لا طائل تحتها، وخلافاتهم التافهة، وتنافسهم المثير للضحك والشفقة، حول المال والسلطة والحكم والشهرة والأوزان والأحجام والحيثيات وحصص الحكم وإثبات الوجود، خاصة وأن أبناء الشعب يعيشون في حالة قلق دائم على المصير، جراء الأخطار الكثيرة المُحْدِقة بهم، حتى الساعة، من كل جانب، في الخارج والداخل؟ ماذا ينتظرون ليفعلوا ذلك؟ من تُراهُ لا يعرف هذا المثل، ولماذا لا يطبّقونه: في الإتحاد القوة؟ 

               إن المسألة هي، في الحقيقة، أبسط بكثير مما يظنّه اللبنانيون. الساسة، بسبب من كبريائهم وأنانياتهم ومصالحهم الشخصية وأطماعهم وقساوة قلوبهم، وفقدانهم لروح الواجب والحق والبرّ والعدل والرحمة، هم الذين يعقّدون الأمور، لا الشعب البسيط، الكادح، المغلوب على أمره، والذي لا يطلب، كما يُقال، إلا "السترة"، والذي، رغم كل شيء، يظلّ يحبّ ويقدّس زعماءه حتى العبادة. فهل من يستطيع (من رجال دين وعلم وفكر وثقافة وعقلاء وحكماء) أن يقنع الساسة بأن يتحلّوا بشيء من التواضع والقناعة والمحبة، ويتخلّوا عن عشق "كنوزهم" في "الخارج" حيث تسكن قلوبهم كل الوقت، وأن يتوحّدوا على حبّ وطنهم لبنان أوّلا وأخيرا، والعمل من أجل مصلحة شعب لبنان وكرامته وخيره وازدهاره وسلامه وسعادته وحسب؟ 

               نحن نؤمن إيمانا عميقا بأن الساسة اللبنانيين، إذا قرروا (لو يقررون، ومتى؟) أن يتّحدوا، فليس من قوة على الأرض تقدر على منعهم من تحقيق وحدتهم، ومن ثمّ وحدة الشعب اللبناني الحتميّة. الشعب مشتاق إلى الوحدة بين زعمائه وأبنائه. فليقرِّروا، بكل بساطة، إذاً، أن يتوقفوا عن لعب دور "أحصنة طروادة" تتصارع فيما بينها في الداخل، وتابعة لأكثر من مدينة "طروادة" تتصارع دائما فيما بينها في "الخارج". إن لعب هذا الدور لا يؤذي إلا الشعب اللبنانيّ وحده.

               إنه طلب يبدو سهلا للوهلة الأولى، ولكنه ليس كذلك بالنسبة للمدمنين على عشق "الخارج" وكنوزه، وعشق حياة الغنى والترف والقوة والعظمة والمجد. التوقّف عن الإدمان هذا، إنما يتطلب إنسلاخا مؤلما من قِبَلِ الساسة المتورّطين من أخمص القدم حتى الرأس، مع "الخارج" (منهم بالوراثة أبا عن جدّ، ومنهم حديثو النعمة في أوحال التورّط)، والمغمورين بنعمه، من مال وقوة وسلاح ودعم معنويّ وحماية، وكلها "نِعَمٌ" تُستعمَل ضدّ شركائهم في الوطن لا ضدّ العدوّ التلمودي العنصري وإرهابيّيه، وتتحوَّل إلى نقمة كبيرة على الشعب اللبنانيّ وحده.

               إن الإنسلاخ عن الخارج أمرّ ضروريّ ومُلِحٌّ، وكذلك "التضحية" بالأنانيات والمصالح، وتحمّل "وجع" الإنسلاخ، من أجل قضيّة أشرف وأسمى، ألا وهي خلاص شعب الوطن الواحد لبنان من شرّ التعاسة والقهر والتمزّق والزوال، ومن أجل إعادة الثقة واللحمة والكرامة المفقودَة بين أبنائه، وتحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية، في الواقع، لا في عالم الأغنية والوهم والخيال والحلم.

               إذاً، ومع وعينا الكامل لبعد النظرية عن التطبيق والمثالية عن الواقع، نودّ أن نأمل ونعتقد بأن كلّ شيء يهون في لبنان، إذا بدأ الساسة وزعماء الطوائف (هل يبدأون؟ ومتى؟)، وهم أصحاب الحلّ والرّبط، بالتحرّر من سلطة "الخارج" وعبادة المال، وبالعمل معا، بكل نيّة صافية، وبكل تواضع ومحبة وصدق، من أجل الإستجابة لمطلب الشعب الأساسيّ الدائم، ألا وهو تحقيق وحدتهم، هم أولا، كنخبة مسؤولة، وقادرة، وفاعلة، ومن ثمّ تتمّ، بشكل طبيعي، وحدة الشعب، لأنّ الشعب يتبع زعماء طوائفه، مهما قرّروا وفعلوا، في السرّاء والضرّاء. وأما الأكثرية الصامتة، المستقلة، والمهمِّشة لنفسها، فسوف تكون سعيدة بتحرر الزعماء من عبودية آلهة المال وبوحدتهم من أجل الشعب، وسوف تتخلى، حينئذ، عن انكماشها وعزلتها. أجل، ساعتها، أي حين يتفق الزعماء، كل شيء يهون. نذكر على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

               -إنتخاب رئيس للجمهورية، كل ست سنوات، يكون بإختيار نواب الشعب المتحرّرين من سطوة ومال الخارج، ولا يعود مشكلة معقّدة، وعرضة للتأجيل.

               -عملية تكليف من يرأس الحكومة بعد إستشارات النواب واستمزاج آرائهم وأذواقهم، ثم عملية التأليف والتخليف "القيصرية"، لا تعودان أيضا عرضة للتأجيل بسبب تدخلات الخارج وفرضه (من خلال بعض الساسة وشارعهم الطائفي) لنوع الحكومة (بين حكومة إختصاصيين و/أو سياسييين و/أو عسكريين و/أو حكومة وحدة وطنية)، ولا تتحوّل إلى لعبة قمار ومناورات وكيدية واقتتال سخيفة، تافهة، بين زعماء الطوائف، على احتكار وتناتش الحصص الأهم، وعلى الكرامة وال"حيثية" والوجود والسيادة، إرضاءاً لغرورهم وللخارج المموِّل لهم ولولائهم، بل تصبح تنافسا مرحا ومحبا بين قادة أبناء الوطن على خدمة الشعب اللبناني وتحقيق الوحدة الوطنية.

               -تحصل الإنتخابات النيابية من خلال قانون عادل للشعب، ولجميع المرشحين من مستقلين وعلمانيين وأحزاب وزعماء طوائف، لا كيدية فيه، ولا فرض لإختيار لوائح برمّتها على الناخبين، وتحصل في موعدها دون تأجيل مستمرّ لأسباب مغرِضة، غير منطقية، وغير مقنعة، ودون تنافس حقود، عنيف، ودون إشعال الأتباع وتجييشهم ضدّ بعضهم البعض، ودون رشاوى المال المتدفق بغزارة من مصادره الخارجية المعروفة، ودون تزوير، من أجل تغليب فريق على آخر، وإفساد الوحدة الوطنية.

               -عمل المؤسّسات الدستورية ذات البنية الطائفية، يتمّ بشكل طبيعي، إلى أن يحين موعد الإتفاق على نظام حكم علماني مدني جديد، ودستور جديد غير طائفي، يكون عادلا لجميع اللبنانيين، ويستند على مبدأ الكفاءة لا الإنتماء الطائفي.

               -تزول كل الأسباب لتعطيل آلية الحكم، وخلق فراغات موسمية، عبثية، قاتلة للشعب اللبناني وحده.

               -يتمّ، بوضوح كامل، تحديد من هم أعداء الشعب اللبناني ومن هم أصدقاؤه، وواجب وكيفية التصرّف والمواجهة، معا، مسؤولين وشعبا، بحكمة وبحسب ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا، أي مصلحة كل الشعب اللبناني، لا مصلحة بعض الزعماء وأولياء نعمتهم في الخارج.

               -يتمّ بناء جيش قويّ بالعدّة والعدد من أي مصدر خارجي، دون تلكؤ وتأجيل وخداع، ودون إستئذان بعض دول الخارج الممانعة لتسليح الجيش، والممارسة لنوع من "الوصاية" الدائمة على الوطن (بسبب ولاء بعض السياسيين لها)، "وصاية" تصل إلى حدّ التسلّط، والحريصة جدا، فقط، على عدم إزعاج وإقلاق راحة الكيان العنصري في فلسطين، ولو كان الثمن تدمير كل الدول المحيطة بهذا الكيان الهجين.

               -يتمّ إنجاز المشاريع العمرانية الكثيرة العالقة، ويتحقق إزدهار الشعب اللبناني بكل طبقاته. 

               -لا يعود هناك مشكلة تشويه للبيئة بحرق وقطع الأشجار دون رقابة ومحاسبة، ومشكلة المعامل ومحارق النفايات والمحافر والكسارات العشوائية وتراكم النفايات والمكبّات وما تسببه من تلوث للهواء وللمياه، ومن عوارض إختناق وأمراض سرطان، ومشكلة بطالة وفقر وهجرة وتربية وتعليم وضمانات مالية وصحيّة لكل الأعمار.
               
               -لا يعود هناك مشكلة فساد وسرقات وعبث بمال الخزينة وكسر قوانين، وتزول مشكلة تسييس القضاء وشلِّهِ.

               - يتمّ، في الوقت المناسب، البحث في إمكانية إقتناع اللبنانيين، أو معظمهم، بالحفاظ، إن أمكن، في أجواء الجحيم المستمرّة على هذا الوطن المعذَّب،على دور حياديّ للبنان (يبدو مستحيلا في المدى المنظور، غير أن المحاولة لا تضرّ)، كوطن الرسالة الحضارية الإنسانية، رسالة المحبة والسلام، لا يكون فيه طرفا في أي نزاع بين الدول في المستقبل، مع بقاء لبنان موحَّدا، قويا جدا بجيشه وبشعبه المقاوم، وبإقتصاده، دائم الإستعداد لأي تحدّيات طارئة.

               إنّ الشعب التابع لزعمائه الطائفيين والمتعلّق بهم تعلّقا يبدو أبديا، ولا ينوي التخلّص منهم (كما تنوي بعض النُّخَب المستقلّة والعلمانية، و"الأكثرية الصامتة")، بعدم إعادة انتخابهم، أجل، إن الشعب ينتظر الخلاص على يد الزعماء أنفسهم، وفي أقرب وقت، حتى لو بدا ذلك أمرا غريبا، وشبه مستحيل. 

               في الحقيقة، إن تظاهرات الشارع (مهما قيل عنها كيف ابتدأت ومن حرّكها وموّلها وأطال أمدَها، وكيف استُغِلَّت من الخارج والداخل لنوايا وأهداف غير بريئة، وكيف قُطِعَت الطرقات وأرزاق شركاء الوطن الموجوعين، ومورِسَت أعمال العنف ضدّهم، وسقط جرحى وشهداء، وحصلت أضرار مادية جسيمة، إلخ...) قد خَلَقَتْ (أو هكذا نتمنّى ونودّ أن نعتقد) نوعا من الصدمة الإيجابية وشيئا من الوعي في نفوس الزعماء المخدَّرين والنائمين على حرير عروش العظمة والمال، ولعلها ستساهم، بشكل فعّال ولو بطيء، بعد استقالة الحكومة لإرضاء الشعب الثائر، ومحاولة تأليف حكومة جديدة ترضيه (أيضا وأيضا، رغم كل ما قيل عن مناورات الإستقالة والخِدَعِ السياسية وفرض الشروط التعجيزية للعودة عن الإستقالة، وللتأليف، وحرق أسماء مرشحين لرئاسة الحكومة، وتأجيل جديد لموعد الإستشارات النيابية، إلخ...)، في التغيير السلميّ الديمقراطيّ، لا العنفيّ، للأوضاع الشاذة (إستغلال المناصب الحكومية لكسر القوانين والإثراء غير المشروع، التلاعب بالعملة الوطنية، فقر، طائفية، بطالة، غلاء معيشة، فساد إداري في الدولة، إلخ...)، التي يتظاهرون من أجل تغييرها. أما الساسة العتاق والجدد الفاشلون في خدمة الشعب وتحقيق ازدهاره ووحدته الوطنية، وفي الحفاظ على خزينة الدولة، فمسألة تغييرهم لا يمكن أن تتمّ إلا في صندوق الإقتراع، ومسألة محاسبة من فَسُدَ منهم وإجباره على ردّ أموال الضرائب والرسوم المرتفعة، المفروضة باستمرار على الشعب الفقير، إلى خزينة الدولة، لا يمكن أن تتمّ إلا أمام القضاء النزيه، الحرّ، العادل، غير المسيَّس، لا بتعليق المشانق في الساحات والرقص حولها.

               لا تَدَعوا الشعب المجروح والموجوع ينتظرُ طويلا، أيها الزعماء، لئلا يبدأ أن يفقد صبره، وها هو قد بدأ يفقده، شيئا فشيئا، ولئلا ينتفض، هذه المرّة، انتفاضة واحدة تكون قاسية، نهائية، غير مؤقتة كما في السابق، إنتفاضة شعبية عارمة سوف تفاجىء الجميع، في الإعلام وفي الشارع وفي صندوق الإقتراع، ضدّ نفسه أولا، لأنه ضاق ذَرْعًا بسكوته الطويل عن الظلم والفساد والعبث بحقوقه وإذلاله، وضدّ كل الساسة الذين خيّبوا آماله باستمرار في مجالات خدمة مصالحه، وهو قد ضيع وقته في الحرص على مداراة خاطرهم، والتستير على عيوبهم وفشلهم، لأسباب عائلية وطائفية ومذهبية. 

               إن الحصاد كثير جدا، وأمّا الفَعَلَة الحقيقيون، الصادقون، الحكماء، المتواضعون، فقليلون جدا. كم نتمنّى أن تهبّ في الذات اللبنانية عواصف ثورة حقيقية على الذات، تُذرّي كل الأوراق اليابسة في شجرة الوطن، وتحوّل كل الساسة اللبنانيين، وكل أفراد الشعب اللبناني بجميع نخبه، إلى فَعَلَةٍ صالحين حقيقيّين، يتنافسون ويعملون، معا، بفرح كبير، قلبا واحد، وعقلا واحدا، ويدا واحدة، في حقل وطن الرسالة، لبنان، الوطن القويّ بتنوّعه وبوحدته، الفسيح بقلوب أبنائه الكبيرة ورؤيا مستقبله المزهِرة المنوَّرة، الغنيّ بتراثه الحضاريّ، وبطاقات أبنائه الفكرية والروحية والعلمية والفنية والمهنية، والخصيب بأرضه الطيّبة، الخيِّرة، المِعطاء.