هل على سوريا أن تعود إلى جامعة الدول العربيّة ؟

 

يُحكى أنّ سوريا تعود في تاريخها وبناء على الآثار المكتشفة في آلاف المواقع إلى حوالي ثمانية آلاف سنة قبل الميلاد أي أنّ أرضها شهدت بعضاً من أقدم الحضارات على وجه الأرض وأن الإنسان استوطنها منذ العصر الحجري الأوّل وأنّها كانت هدفاً للغزاة من الشرق والغرب بدءاً من السومريين والأكاديين والكلدانيين والبابليين والفرس والإغريق والرومان والصليبيين والمغول والعثمانيين والفرنسيين وصولاً إلى الهجمة الحالية أو ما سُمّيَ الحرب الكونية ضد سوريّا لأهميّة دورها في القضايا المصيريّة وموقعها الجيوسياسي . تصارعت الدول على أرض سوريا ونشبت الحروب وقُسِّمت إلى ممالك وإمارات ودويلات كان آخرها تلك الدويلات التي أنشأها الجنرال الفرنسي غورو المندوب السامي على سوريا ولبنان (1920 -1924) ولكن سوريا عصيّة على التقسيم والتجزئة ويأبى شعبها إلا الوحدة ويقاتل من أجلها. منذ تأسيس الدولة السورية ككيان مستقل في بدايات الربع الثاني من القرن العشرين بعد هزيمة المشروع الفرنسي على أيدي الثوار السوريين نشأت الأحزاب الوطنيّة التي لم تكتف في تكريس وحدة سوريا كياناً وشعباً بمختلف الأعراق والديانات بل سعت وعملت على توحيد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج ، وكان أبرز تلك الأحزاب "حزب البعث العربي الإشتراكي " الذي رفع شعاره الشهير "أمّة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة " وكان إحتلال الصهاينة لغالبية الأراضي الفلسطينية عام 1948 بداية امتحان مصداقية قيادة ذلك الحزب وشعاراته التي كان من بينها شعار" فلسطين طريق الوحدة والوحدة طريق فلسطين" وعلى أساس هذا الشِّعار عمل الحزب على إنجاح الوحدة التي قامت بين مصر وسوريا عام 1958 والتي كان الطموح أن تتوسع لتشمل باقي البلاد العربية أو معظمها على الأقل وحلّ الحزب نفسه نزولاً عند طلب الرئيس جمال عبد الناصر ، لكن تلك الوحدة لم يكتب لها النجاح وحدث الإنفصال عام 1961 وكانت غالبية الدول العربية خاصّة دولة آل سعود ضد تلك الوحدة وعملت على إفشالها وإسقاطها وشجّعت الإنفصاليين الّذين استغلوا أخطاءً حدثت ودعمتهم والسبب الخوف من نجاحها وتمدُدِها وبالتالي إسقاط عروشهم إضافةً إلى التحريض الأمريكي البريطاني . وبالرغم من أن سوريا من الدول المؤسِسة لجامعة الدول العربية والتي سعت دائماً لتفعيلها ولتحسين أدائها على الصعيدين العربي والدولي خاصةً بعد وفاة الرئيس عبد الناصر الذي كان ضابط الإيقاع لسياسات الدول العربية لا سيّما الخليجية إلا أن وفاته عام 1970 جعل تلك الجامعة تساهم بتفرقة العرب وتقسِّمهم محاور بدلاً من أن تجمعهم وتوحدِّهم خاصةً نحو القضيّة الفلسطينية التي من المفروض القضية المركزيّة لجميع العرب . وليس مستغرباً أن تقوم الدول العربيّة خاصّة الخليجية بإرسال وتمويل وتسليح شذّاًذ الآفاق من جميع أنحاء العالم وإشعال حرب ضد الدولة السورية ومؤسساتها لا سيَّما ضد الجيش وترافق ذلك مع إصدار قرار بطرد سوريا من الجامعة العربية والضغط على الأمم المتحدة للعمل بالمثل لكنهم فشلوا ، أمّا السبب الأساسي لجميع ما فعلوه وما شجعوا على ارتكابه من مجازر وقتل وتشريد هو موقف الدولة السورية من القضيّة الفلسطينية ودعمها لحركات المقاومة في فلسطين وللمقاومة اللبنانية وبسبب رفضها إعتبار إيران دولة عدوّة بدلاً من الكيان الصهيوني ولا سيما بعدهزيمة الصهاينة في حرب تموز 2006 ضد لبنان والتي جعلت غالبية الأنظمة العربية خاصّة قطر والسعودية والإمارات تعلن موقفاً علنياً ضد سوريا وضد حركات المقاومة فعملت بالتنسيق مع الكيان الصهيوني ومع الأوروبيين والأمريكيين على إسقاط الدولة السورية وعلى تمزيق سوريا إلى دويلات ، وبالرغم من هزيمة مشروعهم إلّا أنهم لا زالوا يكابرون ويرفضون الإعتراف بالهزيمة وبالتالي يرفضون عودة سوريا الى مقعدها في مجلس جامعة الدول العربية. إن على الدول العربية العودة الى سوريا وليس العكس ، فالمهزوم عليه أن يعترف بهزيمته ويسلِّم بالأمر الواقع ويستجدي المنتصِر خاصّةً وأنّ المنتصِر ليس بحاجة للمهزوم ، وبالتالي من المفترض أن تنشأ جامعة دول عربية جديدة تضُم الدول الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني وتعزل جميع الدول التي تتآمر على القضية الفلسطينية وعلى حركات المقاومة .