"الضابوس" ترك حنة عرسه في "عسقلان" .. ومضى

سيكون مفاجئاً لكل من عرف الشهيد إبراهيم أحمد الضابوس، ببساطته، وطيبته، ووداعة ابتسامته، وهدوئه الأخّاذ، أن يتوقع أنه يخفي وراء كل ذلك، شخصية ذاك المقاوم العنيد، الجريء، العميق جداً في كتم أسرار عمله المقاوم.

من أين لوالده الحاج "أبو محمد" أن يدرك أن "إبراهيم" الذي بالكاد أفلت من يديه رضيعاً، بالكاد كَبرُ وبلغ الخامسة والعشرين من عمره، أن هذا الهادئ، أضحى بكل مسالمته يشكل خطراً على (دولة) ذخرت 50 رأسٍ نووي قبل أن ترصف طريقاً أو تقيم مصنعاً قبل 70 عاماً من اليوم، ربما هو لم يصدّق ما رأته عيناه في حرب العام 2014، وقتها نجا "إبراهيم" الذي لم يكن يتجاوز الـ 20 ربيعاً، من محاولتي اغتيال، "صغيره" صار رجلاً، يا لَلمفاجأة الحزينة، صار مطلوباً، يشغل جيش الاحتلال لأجل الخلاص منه، عملاء على الأرض، ومسيّرات في السماء، وطائرات حربية أغارت على منزله في حي السلاطين، مرتين، أملاً في الخلاص منه! يا للمفاجأة الكبيرة، إبراهيم، الصغير، صار كبيراً، لم يعد ملكه، صار ملك الحياة، الحياةُ التي علّمته أنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، الحياة التي أفلت من كل تعقيداتها وحساباتها الصعبة، ورأى فيها، أن الإنسان، حين يعيش هموم قومه ووطنه، يعيش أعماراً طويلة فوق أعماره، الحياة التي علمته، أن طول العمر، ليس أن تعمّر على ظهرها 80 عاماً أو 200، إنما، أن تستدفئ في حضنها، في باطنها، وقد عشت ما كتبه الله لك، رسولاً، نبياً بين قومك، مسيحاً يهون عليه الصلب، في سبيل أداء الواجب !

ها قد كَبر إبراهيم يا "أبو محمد"، كَبر كما لم تكن تتوقع حين علقت في كفولته "بكرج الذهب" الصغير، قبل 26 عاماً من اليوم، أسميته "إبراهيم" وما كنت تدري أنه سيلقي نفسه في النار، كما سميّه نبي الله، النار التي نظنها حارقة، وهو مَن علم حقيقتها، أكثر منا جميعاً!

كان مفاجئاً على أخته "حنين" أن تعلم أن أخيها الذي كان يعتذر عن مواعيده لزيارتها مراراً لانشغاله، هو من أطلق ذات يوم، صاروخ "جحيم عسقلان" على مدينة المجدل المحتلة، وقتل فيه مغتصباً وأصاب العشرات، من أين لعروسه "مروة" أن تدرك صنيع زوجها، وهو الذي لم يباهي يوماً بما فعل، لم يفخر ويتظاهر ويبنى مجداً شخصياً لقاء أفعاله؟

نتيجة بحث الصور عن الشهيد الضابوس

يوم أمس، كان على عائلة الشهيد إبراهيم الضابوس الذي ارتقى في التصعيد الأخير مع الاحتلال الإسرائيلي، أن يعيدوا النظر مراراً، وهم يرون ابنهم، على شاكلةٍ لم يعهدوه بها، مكداً مجتهداً في حفر الأنفاق، وتربيض الصواريخ، غارقاً في عالمه الذي بقيَ سرياً طوال حياته، فيديوهات بسيطة في مدتها، حفظت نسخة للرجل الآخر الذي كان يعيشه ابن الوحدة الصاروخية، لسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، الذي قضى عريساً، بعد أقل من شهرين على زفافه، وترك حنةَ يديه توقيعاً على مدينة جده التي لم يراها .

وكان "الضابوس" قد استهشد يوم الثلاثاء 21/11/2019 بعد اغتيال (إسرائيل) للقيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا، بينما شهد 4/9/2019 يوم زواجه، وقد أقامت حركة الجهاد الإسلامي يوم أمس، حفلاً تأبينياً لشهداء "صيحة الفجر" حضره الآلاف من جماهير قطاع غزة.