عبد العزيز بدر القطان.. تاجك.. قلمك.. فكرك يغير أمّة!

ركزت الثورات العربية التي اشتعلت شرارتها في عددٍ من الدول العربية على الفساد والفقر وانعدام الحريات، فيما تغافلت اهم المطالب والتي هي الهيمنة الغربية والاحتلال الصهيوني، فجاءت هذه الثورات ضد الأنظمة وضد الحكّام والزعماء، بعضاً منهم موالين للغرب، لكن حقيقة انطلاقهم هذه جاء بعضاً منها مدعوماً من الغرب، ما يعني أنّ هذه الدول أصبحت تشكّل تهديداً حقيقياً للنظام الإستراتيجي العالمي.

بين الأمس واليوم

وإذا ما قارنّا ثورات اليوم بالأمس، لوجدنا الفارق كبير جداً، ووجب علينا التمييز بين الجماهير الغاضبة والجماهير الجائعة، فالأولى من الممكن إمتصاص غضبها، أما الثانية، لا قدرة لأحد على أن يسيطر عليها، كما حدث في الثورة الفرنسية في العام 1789 -1799، عندما هاجم الباريسيون قلعة الباستيل، واستولوا عليها لسببين أساسيين وهما البارود من أجل البنادق والمدافع والقمح لصناعة الخبز.
حيث تمكن فولتير من أن يحفر اسمه مع قادة عصر التنوير في فرنسا مثل روسو وديدرو ومونتسيكيو حيث تركت أعماله وأفكاره بصمتها الواضحة على مفكرين مهمين تنتمي أفكارهم للثورة الأمريكية والثورة الفرنسية.

يقول فولتير: "من الأفضل أن نجازف بحماية مذنب، من أن ندين بريئاً"

إن ما يحدث اليوم في العالم العربي، من حيث الشكل سبق وأن إجتاح العالم في قرونٍ خلت، فلقد انتشرت الثورة في أوروبا عام 1848 مطيحة بالأنظمة الحاكمة في تلك الفترة. فالثورة التي اندلعت في صقلية كانت تنذر بأخرى تختمر في باريس، مما أطلق العنان لموجة عملاقة من الثورات التي اجتاحت سائر العواصم الأوروبية، كما أن الثورات في الوطن العربي وفي أوروبا قامت بالأساس لإسقاط الأنظمة الاستبدادية، وتأسيس دول تحترم الحريات السياسية، لكن ماذا حدث؟
إقتصرت نتائج الثورات العربية على إزاحة النظم القديمة وإستبدالها بأخرى جديدة، الطابع الغالي عليها هو تغيّر الوجوه فقط، أستشهد هنا بما قاله كارل ماركس: "الطبقات الرأسمالية كانت تختبئ وراء الثورات، وعندما حانت الفرصة قفزت لتسيطر مباشرة على مراكز القوى"، فاليوم نحن بأمس الحاجة إلى الوعي السياسي بين الجماهير نفسها، ومن ثم إختيار أنظمة من رحم الشارع تعي حقيقة أوجاع الثوار الغاضبين الذي جلّ ما يطمحون إليه هو العدالة الاجتماعية وهذا أبسط حق مشروع لهم.

ثورة الخبز

اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 حتى 1799، حيث كانت فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في فرنسا، أثرت بشكل كبير على فرنسا وجميع أوروبا. انهار خلالها النظام الملكي الذي حكم فرنسا لعدة قرون وخضع المجتمع الفرنسي لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات الإقطاعية والأرستقراطية والدينية وبروز الجماعات السياسيّة اليساريّة الراديكالية إلى جانب بروز دور عموم الجماهير وفلاحي الريف في تحديد مصير المجتمع. كما تم خلالها رفع مبادئ التنوير وهي المساواة في الحقوق والمواطنة والحرية ومحو الأفكار السائدة عن التقاليد والتسلسل الهرمي والطبقة الأرستقراطية والسلطتين الملكية والدينية.

ولعل أبرز ما فجّر الوضع آنذاك، هو الوضع الاجتماعي حيث برز وجود الطبقيّة في المجتمع، وهي: طبقة النُّبَلاء، وطبقة رجال الدِّين، والطبقة العامّة وهي الطبقة الأكثر انتشاراً في المجتمع، والتي تعرَّضَت للظلم، والقَهْر والحرمان من قِبَل أفراد الطبقات الأخرى.

يقول فولتير: "عندما يكون الحديث عن المال، فكل الناس على دين واحد"

يضاف إلى ذلك الوضع الفكري والثقافي الذي تمثّل ببروز رُوّاد الحركة الفكريّة، أمثال: مونتسكيو، وفولتير، وجان جاك روسو، حيث ساهمت هذه الحركة الفكريّة في إيقاظ الطبقات المظلومة، وزيادة وَعيهم، وتحفيز الرغبة لديهم في الحُرّية، والتخلُّص من الاستبداد.

من هنا بدأ التغيير، بدأت العدالة الاجتماعية تتحقق بين جميع طبقات الشعب، فعلى الرغم من أن معظم بلاد الوطن العربي هي جمهوريات وقليلة هي الممالك مقارنةً بها، إلا أن الرئيس المنتخب لم يجلب العدالة لشعبه، ولم يحقق لهم شيء، لا بل طمح معظم هؤلاء لو أنهم ملوك يتوارثون العرش ليبقى ضمن العائلة الحاكمة وتزوّر، فلم يخرج معارض واحد لتلك السياسات وتلك الأنظمة إلا وتم قمعه قتلاً أو سجناً، لا نفياً إلا من رحم ربي.

هل من فولتير بيننا؟

كان فولتير كاتباً غزير الإنتاج قام بكتابة أعمال أدبية سياسية ومسرحيات وخطابات ومؤلفاً لأكثر من 100 كتاب، وهو فرانسوا ماري آروويه المعروف بفولتير، تولد العاصمة الفرنسية - باريس العام 1694 – 1778، ومن أشهر أعماله: "رسائل فلسفية وصادق التي ترجمها الأديب طه حسين، تحت اسم القدر، والمعجم الفلسفي وغيرهم".
لقد كان فولتير مدافعاً عن الإصلاح الاجتماعي على الرغم من وجود قوانين رقابية صارمة والعقوبات القاسية التي كان يتم تطبيقها على كل من يقوم بخرق هذه القوانين، وكان فولتير واحداً من العديد من الشخصيات البارزة في عصر التنوير إلى جانب مونتسيكو وجون لوك وتوماس هوبز وجان جاك روسو.

يقول فولتير: "لا تخبر الخدم أن الله غير موجود، وإلا سيسرقون ما لديك من فضة"

لقد كان من الرواد الشجعان لفن الجدل والمناظرة قام بالدفاع المستمر عن الحقوق المدنية والحق في الحصول على المحاكمات العادلة وحرية العقيدة، كما استنكر فولتير بشدة النفاق والظلم الذين كان يتصف بهما الحكم الأرستقراطي في ذاك العهد.
وإذا ما ربطنا ذلك كما أسلفنا في المقال السابق وتوضيح الفروقات بين كتاب رأس المال لكارل ماركس وإقتصادنا للسيد محمد باقر الصدر، نجد أن الجدل حول الملكية الفردية هو تعبير أطلقه ماركس، والذي يبدو قريبا من العقلية الثورية العربية، والدليل على ذلك أن الإضرابات العمالية في مصر وتونس والكويت أكبر وأعمق بكثير مما حدث في عام 1848، فعلى مدار 160 عاما تراكمت الأفكار حول الرأسمالية والرأسمالية العالمية، صحيح أنه وحتى الآن ماتزال الطبقات العمالة العربية بعيدة عن القيام بدورها القيادي، لكنها أكبر وأكثر تركيزا وتنظيما مما كانت عليه الطبقات العامل في أوروبا عام 1848، مما يعطي فرصة أكبر في استمرارية الثورة، وهو ما لن يحدث إلا على يد الطبقة العاملة المؤمنة بالأفكار الاشتراكية، والتي تستطيع جذب الكثير والكثير من المؤيدين.

"الكتب كالبشر، قليلٌ منها يلعب دوراً عظيماً"

هذا القول العظيم لفولتير، ومع فلّة الكتّاب وندرة المؤلفات التي من الممكن أن تصل إلى يد العامة من الشعب، كان عاملاً مؤثراً، في إنتفاضة شعبه ضد الطغيان والحرمان، كانت كلماته قنابل زلزلت عرش الملكية وأرست الديمقراطية التي قبل بها الشعب، ولسنا هنا بصدد تقييم أي تجربة أو ثورة، إنما ما وراء القصد، كيف للقراءة أن نمّت ذاك الوعي سياسي وإقتصادي وإجتماعي، قد نسميه اليوم إطلاق مشروع، لتغير الواقع، فقلائل منّا من تؤمن بنظرية المؤامرات لكنها موجودة، وإستغلها الغرب الذي هو من يريد الإطاحة بنا من الأساس، فلو لينا شرائح مثقفة لعلمت كل ما يُحاك، دون تفكير أو إستنتاج، لكن ها لا يعني أن لا ظلماً واقع، هو موجود لكن لسنا وقوداً لأي محور معادي، فالثورات السلمية يحترمها القاصي والداني، وما إن تتحول إلى أحداث شغب وإقتتال، مهما كنا على حق، نقضي على انفسنا من خلال التمرد والفوضى، وللأسف هذا واقع مُعاش نراه في نماذج من مظاهرات عمّت أكثر من دولة وأكثر من بقعة جغرافية.
ففولتير ألهم هؤلاء المستضعفين، وفي عصر فولتير، حلّت أزمة إقتصادية في فرنسا بسبب بذخ لويس الرابع عشر، الذي قرر أن يبيع نصف الخيول الموجودة في الإسطبل الملكي، وعندما سمع فولتير بهذا الأمر، أطلق جملة ساخرة إهتزت لها باريس: "كان من الأنفع لفرنسا لو أن الوصي باع نصف حمير البلاط أيضاً"، مشكّلاً ظاهرةً فريدةً في الفكر الفرنسي إنتقلت عدواها إلى عواصم ثقافيةٍ أخرى، لتتأسس حينها مدرسة فولتير الفلسفية التي إتضحت مظاهرها من خلال كتابه الشهير "القاموس الفلسفي" الذي يعد من أهم الأعمال التي أنجزت في عصر التنوير الذي فيه نقد للطغيان وفيه كراهية للتعصب وإدانة للحروب، وفيه دعوة إلى المساواة وشجب التعصب العقائدي، يقول فولتير: "من يجعلك بالسخافات والخرافات يستطيع أن يجبرك على إرتكاب الفظائع"، وهذا ما يحدث لأغلب عالمنا اليوم، من خلال الخوف والتمسك بالقشور والبعد عن الجوهر، الخوف من الحاكم ورجل الدين اللذين يتحكمان بالناس، ليتحولوا إلى أدوات يحركونها كيفما شاؤوا، فترى ثائرو اليوم، جلّهم يدافعون عنه لا عن ذاك الظلم الواقع.

لقد جفلت فرنسا من شخصٍ واحد، فولتير الذي كان يدب الرعب في البلاط الملكي عندما يأتي ذكره.
في رواية شهيرة تم نقلها حدثت قبل ثلاثة أشهر من وفاة فولتير وأثناه عودته من منفاه في سويسرا إلى مسقط رأسه في فرنسا، على الحدود بدأت الشرطة الفرنسية بتفتيش عربته، قال فولتير: "لا يوجد شيئاً في العربة مخالفاً للقانون إلا أنا".

أخيراً، لا أحد منّا ينكر حقيقة أوضاعنا المزرية، وحاجتنا إلى التغيير، لكن التغيير الواعي والعقلاني الذي يحافظ على بلادنا، نستطيع إحداث الفرق، بالوعي والحكمة، بأن يخرج العقلاء والحكماء منا، يكونوا فولتير ولوك وهيجو، يكونوا كإبن رشد والسيد الصدر الذي كان مشروع سياسي وإصلاحي من الناحية الفكرية، والغزالي ففي داخلنا نحن كذلك، فلنبتعد عن الخوف، فلنحب بعضنا ولا نكره أعدائنا، بل نحذر منهم ونجابههم بالطرق الأخرى بمقاومة السلاح عن تطلب الأمر وبالعلم وسلاح الفكر الي هو أقوى، وإن كان من زعمائنا من هو متعقل، عليه أن يحضن شعبه، ويحقق مطالبه ضمن الإمكانيات المتاحة، فأولاً وأخيراً بلادنا لا تعرف ولا تعلم أياً عن فن إدارة الأزمات، فلو علمت لكان حالنا لم يصل إلى ما نحن فيه اليوم، فلا مراكز بحثية ولا مراكز أدبية وثقافية إلا القليل منها، فالجهل سكن بيننا وتغلغل وها نحن نحصد كل الفوضى جرّاء ذلك.
فما نحتاج إليه ودائم الدعوة إليه هو المراجعة الفكرية والمذهبية، لكن الأكيد أننا نستفيد من تجارب الآخرين لكن لا يوجد تطبيق مستنسخ يتحقق في واقعنا هذا، لعوامل كثيرة، فتجارب الآخرين كانت رائدة في عصرهم لا تتماشى وعصرنا الحالي رغم أنها قد تفيد لكن بنسب متفاوتة، فلا يمكن لمن ذكرتهم ومن لم أذكرهم وهم كثر، أن نعيد تجاربهم، لكن لكل واحد منهم تجربة نستطيع الإستفادة منها، من الجوانب الفكرية والتربوية والثقافية والإقتصادية والسياسية، زد على ذلك كله، نحتاج إلى التربية الروحية والوعظ الحقيقي الذي يدعم المساوة بين الجميع من مبدأ الإنسانية، والحب، أن نحب بعضنا ونتقبّل بعضنا الآخر، ونطبق المبادئ فعلاً لا شعارات، لأن الحب يهذّب النفس ويكسر الضغائن.
وكل ما سبق سيفيد الأفراد والمجتمع، سيفيد الأمة ككل، وهذا ما نصبو إليه جميعاً لننهض بواقعنا ضد ما يعصف بنا، لهو حصانة لنا من أي آفة قدي تحيط بنا، فالحب والسلام والوفاء والإيثار مفتاح يبعدنا عن التنظير ونتفرد بتجربتنا الحديثة في عصرنا الحديث، من باب المراجعة الفكرية دون تكبّر أو غرور لنكون يداً واحدة وسواسية وشركاء في كل شيء.