كيف نحمي لغتنا العربية من خطر الإنحطاط

 

               إن مصير اللغة العربية مهدّد بأخطار كثيرة في جوِّ عولمةٍ طاغٍ، لا يمكن ردّه أو إيقافه، مشحون بالصراعات الحضارية العنيفة التي لا ترحم، والتي تطال وجودنا بالذات وهويتنا، والتي لا غلبة فيها ولا بقاء إلا للأقوى. فكيف نحمي لغتنا في خضم الصراع والتنافس على الوجود وعلى مراكز النفوذ اللغوي والحضاري والسياسي؟ 

               السؤال يطرحه على نفسه الإنسان القلق والحامل لهمّ اللغة والوجود، والباحث، في خضمّ الضجيج المدوِّخ لجعجعة طواحين "العولمة"، عن سبل ممكنة، معقولة، كفيلة بإنقاذ الإثنين، أي اللغة والوجود، من الإنحطاط وفقدان الهيبة والإنحلال، وهو يمرّ في حالة فحص ضمير دقيق ومسؤول، ومحاسبة صادقة لذاته.

               لا ينبغي أن يعفيَ كل من يُعتبر مثقفا، نفسَه، من هذه المسؤولية، ويرميها على الآخرين. هنا تكمن البداية الصحيحة، من الذات: ماذا يستطيع كل إنسان من النخبة الواعية، المسؤولة، في جميع الحقول، أن يفعله من أجل حماية هذه القضية المصيرية؟

               السؤال الذي نطرحه، بالتالي، على أنفسنا، حين نقرّر ان نكون فاعلين في حقل حماية اللغة، هو: هل نحن، إنْ فَعَلْنا، فعّالون؟ إلى أي مدى؟

               والسؤال الآخر: أين نقف، يا ترى، ونحن بصدد تغيير أمر واقع صعب ومؤلم، بين أضعف الإيمان وأقواه، بين النيّة والقول من جهة، وبين الفعل والتنفيذ من جهة أخرى؟

               إن السير بعكس تيار عالميّ، قويّ، هادر، ليس بالأمر السهل. فنحن، في اختبارات حياتنا اليومية البسيطة، مُعَرَّضون للجرف وللغرق في طوفان ضاج، سريع، يحمل أوحال أخبار السياسة والحروب والإرهاب والعنف والكوارث والدعايات والتعليقات. السيرُ المُرْغَمُ او الطوعيّ مع التيار يعني، ببساطة، التخلّي عن الذات الإنسانية الوجودية والوطنية، أي عن الحرية والكرامة. اما مسألة خلق وتبنّي توازن دقيق، دائم، قدر الإمكان، بين التأثّر، وبحذر شديد، تأثرا ايجابيا (مع رفض كل السلبيات) ببعض ما يجرفه نحونا تيار "العولمة" من أفكار ثورية وتحرّر واختراعات وتسهيلات تكنولوجية (بقطع النظر عن نوايا وأهداف السيطرة لمحرّكي هذا التيار)، وبين الحفاظ على استقلالية شخصيتنا الإنسانية، فهذه مسألة صعب، ولكن غير مستحيل، تحقيقها. إن تحقيقها لا يتمّ بسهولة. إنه يحتاج إلى تربية أخلاقية صارمة منذ الصغر، وإلى وعي الأخطار، وإلى خلق وتنمية إرادة صلبة، من أجل التحضر لمغامرة الجهاد الأكبر ضدّ أهواء النفس الأمارة بالسوء أولا، ثمّ ضدّ سيئات وشرور تيّار "العولمة" (حروب على الشعوب وإفساد أخلاقها بالمخدرات وثقافة الإباحية والموسيقى الشيطانية الصاخبة، للسيطرة عليها وإخضاعها، من أجل بناء نظام عالمي جديد على أنقاض وجماجم خصوصية وتاريخ وحضارة ولغة كل شعب). لا خيار آخر لنا، إن أردنا الحياة الكريمة المُشَرِّفَة، والحفاظ على تراثنا وحضارتنا ولغتنا، سوى خوض غمار هذا الجهاد الروحي والاخلاقي، وحتى الجهاد باليد أي بالسلاح، عند الحاجة، حاجة الدفاع عن النفس. إن الجهادَ، بكل أشكاله وأنواعه (بالفكر واللسان واليد) هو خشبة الخلاص الوحيدة لنا.

               من مظاهر تحطيمنا لتراثنا ولغتنا اليوم، ما نشاهده، مثلا، في مواقع التواصل الإجتماعيّ، وفي مجال التواصل الخليويّ، حيث درج بعضهم، على كتابة العربية بالحرف اللاتيني (وكم هو صعبٌ نقاش الموضوع معهم لإقناعهم بالعدول عن ذلك). لا لزوم للقول، هنا، بأنّ اللغة لا تفقد هيبتها وحسب، بل كيانها الحيويّ وجمالها ووجودها بالذات، أي أنها تتعرّض، تدريجيا، نتيجة روح الإهمال والإبتذال والإسفاف، للإنقراض. ودرج البعض الآخر على خلط عامية فوضوية بفصحى غير فصيحة، ومفردات من لغات أجنبية باللغة الأم. هنا، تفقد اللغة شخصيتها وهيبتها وتتعرض للكثير من التفاهة والتشويه، كتابةً ونطقا ولفظًا. إنها آفة خطيرة تضرب مجتمعنا، اليوم. حتّام نحن غافلون عن هذه الآفة؟ وإلى أين نحن سائرون؟  

               أمّا ما يُسَمَّى ب"الشبكات العنكبوتية" باللغة العربية، ففيها الغثّ والسّمين من المواضيع والأبحاث. إن المواقع الجيدة التي صادفناها في مجال البحث قليلة، وفقيرة المحتوى، وغير متجدِّدة بشكل متواصل يغنيها، وهي أحيانا غير سهلة المنال، وأحيانا أخرى تختفي فجأة، ودون سابق إنذار. طبعا، هذه إنطباعات الغاية منها لفت النظر إلى واقع "الشبكات العنكبوتية" بإختصار شديد، وغير مكتمل. يحتاج الموضوع، لا شكّ، إلى متابعة تطوّر تلك الشبكات من خلال دراسة مُفَصَّلَة، عميقة، موثّقة.
 
               ماذا أيضا عن لغة بعض الإعلاميين والساسة، والمثقفين وحَمَلَة الشهادات العليا، والمنتمين إلى "الطبقة العليا" بالإجمال، التي تصدمنا كل يوم؟ 

               لهم لغتهم الخاصة المبنية على قوالب تعبيرية جامدة، توحي بالبلاغة وهي ليست ببليغة، وجاهزة للإستعمال والإستهلاك السريع. ولْنُضِفْ الى ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، لهجاتهم ولكناتهم الأجنبية المُصْطَنَعَة، المائعة، وخلطهم المنصوب بالمرفوع والمجرور والساكن، بكل طلاقة وحرية وثقة ودون أي حرج. ثمّة قسم من الشعب يسمعهم، ويتعلّم اللغة العربية منهم، ويردّد، بإعجاب وتقدير، المفردات والتعابير الهجينة عينها، من بعدهم. 

               يستطيع الإنسان الباحث، هنا، أن يستفيض في عرض الكلام الدخيل الهجين على اللغة العربية، بسهولة فائقة. ولكن ذلك يفوق نطاق البحث في هذا المقال. ما نلاحظه هو أن لا أحد، اليوم، يحمي اللغة من هذا الغزو، ولا أحد يحاول، من أصحاب الإختصاص والثقافة، إحياء المفردات والتعابير الأصيلة (بالإضافة إلى إحياء تراثنا الأدبي واللغوي الغني جدا)، واكتشاف غنى اللغة، وقدرتها على استيعاب اللغات الأخرى، خاصة في التعابير العلمية، وتعميم كل ذلك على الجميع. من تراه، اليوم، يستطيع مداواة الواقع السقيم الذي نعيشه، ويوقف تفاقمه السريع، المريع، واقع التقليد الأعمى والطوعيّ ل"حضارة" الغزو العالميّ، أو "العولميّ" اذا صحّ التعبير، بكل أوحالها وأصفادها، ووواقع الإقتباس النّهِم السريع لمفرداتها وتقاليدها، وواقع الشعور بالدونيّة الدائمة تجاه مدّها القويّ، الجارف، الآتي من الغرب، وواقع تخلينا المأساوي عن ذاتنا الوطنية والحضارية؟

               إنها مسؤولية النخبة الواعية، لا شكّ، النخبة المتواضعة، الواعية، المؤمنة بالله، الصّادقة مع نفسها ومع الآخرين، الوفيّة لتراثها الروحي والأدبي، وللغتها وحضارتها وشعبها وأرضها.

               هذه النخبة هي المؤهَّلَة لتأخذ على عاتقها إحياء التراث الثقافي الوطني، وتجديد أساليب تعليم اللغة العربية وآدابها، وممارستها كما ينبغي، قراءة ونطقا وكتابة، في المدارس والجامعات والإعلام، وحمايتها من سطوة اللغات والمفردات والحروف الدخيلة، وتأمين التفاعل المفيد، الخلّاق، مع سائر اللغات، من خلال إتقان اللغات والترجمات من وإلى العربية، وتثقيف عقول الناس، وتصحيح أغلاطهم كل يوم، ومتابعة هذا المجهود الجبّار، دون ملل أو تعب. 

               اللغة هي الإنسان. حين يلقى الإنسان تربية وطنية وأخلاقية وفكرية ولغوية جيدة، تكون اللغة محميّة ومنيعة ضدّ كل الغزوات الشرسة، والخبيثة، و"الناعمة"، للأمراض "الحضارية" الفتّاكة بإنسان مجتمعنا. 

               ولكن، مهما كبر فريق النخبة للعمل الدائم من اجل الخوض في هذه المهمة/الرسالة الشاقة، ومهما كانت معرفته باللغة والثقافة عميقة، وهمّته عالية وغيرته نارية، فهو يحتاج الى تمويل ضخم لسنين كثيرة. من اين يأتي المال؟ من الساسة الأغنياء وكل حلفائهم المعروفين، اذا اقتنع هؤلاء بقدسيّة الرسالة وضرورتها الملحّة، ووافقوا على مدّ يد العون للمساهمة الجبارة في عملية إنقاذية للغة وللوجود. وهذا أمرٌ مشكوك فيه، مع أناس لا يفكرون إلا بالربح المادي والشهرة الشخصية وحياة العظمة والأنانية والرفاهية والرخاء، وحكمتهم المفضلة هي: من بعدي الطوفان. 

               ها نحن نجد أنفسنا، من جديد، في قبضة من نحاول التحرّر منهم، وهم أصحاب المال الجشعون والأنانيون، والساسة المتكبرون الذين يتهمهم، كل يوم، معظم أبناء الشعب ومعظم الإعلاميين، بالكذب والفساد والخيانة والجهل وقمع الفكر الحرّ.

               إذًا، ها نحن نعود، من جديد، الى ما يُسَمَّى، في لغة السياسة والإعلام، ب"نقطة الصفر"، أو ب"المربّع الأول"، ندور على أنفسنا في زنزانة الفكر الحزين، المستوحش، ونعيدُ طرحَ الأسئلة عينها على أنفسنا دون أن نلقى جوابا، ونحن نتأمّل في فضاء الحرية والفرح الفسيح، من خلال نافذة الأمل والحلم، بانتظار حدوث معجزة ما: 

               هل نحن فاعلون؟ هل نحن فعّالون؟ 

               هل من يستجيب لاستغاثة اللغة لإنقاذها من بؤر البلبلة واللغط والإندثار، ولاستغاثة الحضارة المحتضرة في مستنقعات "عولمة" آسنة؟ 

               هل من ينقذ إنسان مجتمعنا من الهلاك؟

               هل من خلاص؟ 

               نعم، ثمة خلاص، ومعجزة الخلاص نحن نصنعها.
 

إيلي أنطون شويري
كانون الأول 18، 2019