"بينيت".. وزير الجيش الذي طوع المنصب لمجده الشخصي ولـ"تخريب التهدئة مع غزة"

تولى نفتالي بينيت منصبه وزيراَ لجيش الاحتلال خلال ضجة اغتيال أحد أبرز قادة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بهاء أبو العطا، والتصعيد العسكري في 12 نوفمبر الماضي، الذي أطلق عليه الاحتلال عملية "الحزام الأسود". ونتيجةً لذلك، طلب عدم إجراء أي احتفالٍ عسكريٍ لمناسبة تكليفه منصبه الحساس، على غير ما جرت العادة.  وقال، إنه أراد التعامل مع التحديات المهمة مباشرة. لكن، من ناحيةِ أخرى، بدا الأمر وكأنه خائفٌ من أن يجري استخدام ما قد يقوله في مثل هذه المناسبة، ضده إذا فشل في أداء دوره.

وصل بينيت إلى وزارة الجيش بهدف إعادة تأهيل وضعه السياسي بعد عامٍ صعبٍ للغاية ومليءٍ بالاضطرابات السياسية. ففي انتخابات الكنيست الأولى لعام 2019 في أبريل، فشل حزبه في تجاوز العتبة الانتخابية  بينما في الانتخابات الثانية في سبتمبر، احتل المرتبة الرابعة في قائمة الكنيست التابعة التابعة للأحزاب اليمينية.

وبدأ أول لقاءٍ له مع هيئة الأركان العامة بتلاوة "الصلاة" من أجل دولة الاحتلال، قائلاً: " أبونا في الجنة، المقوي والمخلص لإسرائيل، فلتبارك دولة إسرائيل، أول تجسيد لنهج خلاصنا. قم بحمايتها بمحبتك وأغلفها بالسلام، وامنح نورك وحقيقتك لزعمائها ووزرائها ومستشاريها، وامنحهم الحكمة بنصيحتك الصالحة "، ثم توقف قليلاً وأضاف بضعٍ كلمات مرتجلاً: "الآن أكثر من أي وقت مضى".

خلال حرب 2014 على غزة، كان هناك ضجة في أروقة حكومة الاحتلال،عندما قام العميد  والجنرال عوفر وينتر، قائد لواء جفعاتي ، بتوزيع التعليمات على قواته، و طالبهم بمحاربة "العدو حماس" من أجل الله. وعندما رفض رئيس الأركان غادي إيزينكوت شن العملية في فصل الشتاء، اعتقد الكثيرون أن السبب في ذلك هو إدراج الدين في أوامره.  وعلى الرغم من أن العديد من الأفراد في هيئة الأركان العامة بدوا غير مرتاحين بعض الشيء عندما قرأ بينيت صلاته، إلا أنه في هذه المرة لم ينتقد أحدٌ بشكلٍ علني الطريقة التي يتم بها استغلال "اسم الله" لتعزيز الأهداف التشغيلية لجيش الاحتلال.

وجاءت الانتقادات لبينيت بعد أن بدأ في الإدلاء بتصريحاتٍ دون تنسيقها أولاً مع مؤسسة جيش الاحتلال. وحتى أن كبار أعضاء مؤسسة الجيش اتهموا الوزير الجديد بإصدار تلك التصريحات بدافع تحقيق المصالح السياسية والشخصية الضيقة .

أحد القرارات الأولى التي اتخذتها بينيت بعد توليه مهامه، كان  إقامة حيٍ يهوديٍ جديد في مجمع سوق الجملة في الخليل، والذي كان اختياراً متقلباً ومخاطراً للغاية، ولا يزال أمام الخطة طريقٌ طويلٌ قبل الموافقة عليها، وهناك قرارٌ آخر اتخذه بينيت، وهو عدم إعادة الاحتلال جثث الشهداء الفلسطينيين إلى عائلاتهم. الأمر الذي قد يكون له تبعاتٍ كبيرة.

لدى بينيت خطةٌ مدروسةٌ بشكلٍ جيد. فبينما أصدر توجيهاته الأخيرة بناءً على اعتباراتٍ سياسية في محاولةٍ لاسترضاء قاعدة المستوطنين، كما حدث عندما تعلق الأمر بقراره بعدم إعادة جثث الشهداء، فإن اعتباراته الحقيقية تبقى أكثر تعقيداً وخطورة. فبينما يركز الجميع على المنطق الخاطئ للقرار ومقدار ما سيساعد بينيت في الانتخابات المقبلة، فإنه يستخدمه بالفعل لوضع العصي في العجلة لعرقلة تفاهمات التهدئة الناشئة مع حركة حماس.

في الواقع، يبدو أن الاحتلال وحماس في طريقهما للتوصل إلى اتفاقٍ جيد للتهدئة بوساطة مصرية وقطرية وأممية. لم يتضح بعد كيف يمكن أن يحدث هذا، وخاصة في هذه المرحلة السياسية الحرجة، مع انشغال الاحتلال بجولةٍ أخرى من الانتخابات وفي ظل وجود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يتعامل مع لوائح اتهامه واندلاع شرارات التمرد داخل حزبه.

مع ذلك، هناك ترتيباتٌ حقيقية تجرى على الطاولة. إذ أكد نتنياهو نفسه في تاريخ 5 ديسمبر أن الاتصالات المتقدمة التي تؤدي إلى ترتيب طويل الأجل جاريةٌ على قدمٍ وساق، وقد أبلغ رئيس الأركان بتل أبيب كوخافي رؤساء السلطات المحلية في الجنوب بتاريخ 6 ديسمبر بأن عليهم إعطاء هذه التحركات فرصةً ووقتً لتتم، وهو ما يعتقد أنه يمكن أن يوفر الهدوء على الحدود الجنوبية لفترةٍ طويلة.

في هذه الأثناء، يزداد الضغط على حماس أكثر فأكثر. إذ عندما جرى إطلاق صاروخ على إسرائيل ليلة 18 ديسمبر، رد جيش الدفاع الإسرائيلي بقصف أهدافٍ تتبع لحركة حماس وتقييد مساحة الصيد قبالة ساحل غزة. وعندما أطلق صاروخٌ آخر على الجنوب في الليلة التالية، هاجم الجيش الإسرائيلي غزة مرةً أخرى بكل عنف .

إذ بناءً على تصريحات رئيس الأركان، فإن جيش الاحتلال يدعم إجراء ترتيبٍ وتفاهماتٍ مع حماس، ونتنياهو يدعم القيام بذلك أيضاً. لكن المشكلة هي بينيت، إذ أن مثل هذه الترتيبات يمكن أن تكون ضربةً قاتلةً لموقفه السياسي بين قاعدته ومناصريه. صحيحٌ أن بينيت قد خفف من لهجته وأسلوب خطابه وهو في طريقه إلى المنصب الذي كان يتوق إليه، لتتماشى مع سياسة نتنياهو الحذرة مع غزة .

وكان  تعليقه على إطلاق صاروخٍ على سديروت في 3 نوفمبر، بالتغريد عبر "تويتر": " الآن، لست مع القيام بردٍ قوي أو ضعيف. فلا يوجد سببٌ لردٍ أقوى بعض الشيء كما يقترح بعض أصدقائي من اليمين، لأن ذلك سيؤدي إلى جولةٍ غير ضروريةٍ  من القتال "، ومع أنه الآن أصبح يرأس وزارة الجيش، يبدو أنه واثقٌ بما فيه الكفاية لتخريب وعرقلة مثل هذا الترتيب وهذه التفاهمات.

فقرار عدم إعادة جثث الشهداء ليس له أهميةٌ عملية. ولكن من ناحيةٍ أخرى، يمكن لبينيت استخدامهُ لإجراء صفقة تبادل لاستعادة جثث الجنديين الإسرائيليين جولدين وآرون المحتجزين في غزة، وهي القضة التي باتت  على وشك الحدوث حسب العديد من المطلعين والمحللين السياسيين.

بينيت، يعلم  أن حماس سترفض مثل هذه الصفقة، وقد توقف الجيش منذ فترةٍ طويلة عن الحديث عن صفقة واحدة تتضمن ترتيباً بين إسرائيل وحماس وعودة جثث الجنود الإسرائيليين، وذلك لإدراكهم بأن هذا لن يحدث وشبه مستحيل.

أيضاً، ليس لدى بينيت مصلحةٌ أيديولوجية في الأمر، ولا يمكن أن يسمح لنفسه سياسياً بالتوقيع على اتفاقٍ مع حركة حماس، فهو يدرك مقدار الضرر الذي سيلحقه الأمر بحياته السياسية المعقدة بالفعل. وبقراره بعدم إعادة جثث الشهداء، فإنه يحاول قتل عصفورين بحجرٍ واحد: يقنع مؤيديه بأنه يقاتل لاستعادة جثتي الجنديين الإسرائيليين المحتجزين في غزة، بينما يتدخل في الوقت نفسه لعرقلة أي فرصٍ للوصول إلى ترتيبٍ تهدئة طويلة مع حماس.

الخطر الكبير الذي يواجهه هو أن أي شيء سيحدث على الجبهة الجنوبية بدايةً من الآن وحتى انتخابات مارس 2020 سوف يعزى إليه وسيتحمل نتائجه بالكامل، حتى لو كانت حرباً شاملة.