اقتصاد مقاوِم.. ينتج خير أمّة

جاءت قمة ماليزيا 2019، كيقظة إسلامية، لبداية نهضة تتيح للدول الصغيرة النهوض من ركام السياسات الاقتصادية المهترئة، عبر إيجاد نُظم مستقلة تتيح التطور وبنيان إقتصاد يشابه تجارب صعود الدول المشاركة وفي مقدمتها ماليزيا، التي لها باع طويل بقيادة رئيس الوزراء مهاتير محمد، فنجاح المؤتمر من عدمه رهن إتحاد الدول الإسلامية المبني على أسس العمل المشترك ولو كان ضئيلاً في بدايته لكنه يفتح الباب نحو قوة هذا العالم تدريجيا.

إحداث الفرق

لقد جمع هذه الدول في هذه القمة الحس الإسلامي، ونظرتهم إلى العالم الإسلامي الذي يتمتع بالقدرات والمقدرات على أن يكون له موقع متميز ومتقدم بين الدول الصناعية الكبرى، بدل التقاتل والتبعيات وعدم إستقلالية الرأي، على الرغم من الملاحظات الكثيرة على بعض المشاركين في الشق السياسي، لكن المهم والأهم، هو إحداث فرق، ولا ضير البدء من الصفر، فرحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، ولو كانت متأخرة جدّاً، إلا أن الإستيقاظ من كبوة طويلة، يحتاج إلى صحوتنا جميعاً عبر الإتحاد، فقوتنا في إتحادنا وإتحادنا صبر ساعة، فعالمنا العربي اليوم مأسور ورهين محابس كثيرة، شعوب مستهلكة تأبى الإنتاج وهي القادرة، شعوب كسولة، لماذا؟
بجوابٍ بسيط، هناك من يريد طمس مقدراتنا، لنبقى هكذا وبأموال إستهلاكنا هم يتطورون ويصلون إلى مرادهم، لكني وعلى الصعيد الشخصي أثق بأمتي وأبناءها، أثق بأننا سننهض ولو بعد حين، آن الأوان لأن نصنع أقدرانا ونرسم مستقبلنا بإعتمادنا على ذاتنا، ودراسة تجارب الغير لا لتقليدها بل للإستفادة منها وتسخيرها في نماذج نطورها، كما شرحت في مقالات سابقة عن التجربة الماليزية والنهضة الصناعية بين الدول الإسلامية الثلاث تركيا وباكستان وماليزيا، مع فصل السياسة الخارجية للجميع عن السياسة الاقتصادية التي هي موضوع بحثنا الذي نتكلم عنه.

شبكة قادة ومثقفين

لا أحد يشك قيد أنملة أن الأمة الإسلامية تعاني إنقساماً حادّاً، لأخطاءٍ سياسية، أو لضغوط خارجية، أو حتى لولاءات وسيطرة غربية، أكرر هناك من يعمل على إضعافنا، فلماذا نكون لقمة سائغة وأن نكون مستعمرين إقتصادياً، أما كفانا ما تعاني منه بلادنا بفعل السياسات الخاطئة، يقول مهاتير محمد: *"إن قمة ماليزيا تسعى لإيجاد حلول جديدة وعملية للمشاكل التي تواجه العالم الإسلامي، والإسهام في تحسين الأوضاع بين المسلمين والدول الإسلامية بعضها بعضاً. كذلك تتطلع إلى تشكيل شبكة من قادة ومثقفين وعلماء ومفكرين مسلمين من جميع أنحاء العالم، والسعي لإحياء الحضارة الإسلامية".
من هذا القول، نشد على أيدي القيّمين على هذا الإسهام، فالدول المجتمعة لم تكتفِ التحالف بينهما فقط، فعملت على إشراك عدد من الدول الإسلامية لتعزيز التبادل الاقتصادي والعسكري والتقني، فكانت الوجهة ماليزيا وباكستان وإندونيسيا، وتوجت جهودهما بقمة إسلامية مصغرة في كوالالمبور، ترجم ذلك بحسب ما جاء في القمة حول إنشاء 3 مراكز مالية عالمية تشمل الدوحة وإسطنبول وكوالالمبور، لتغطية جميع المعاملات المالية الإسلامية حول العالم، وهذا إتحاد لمن لا يعي معنى هذا التكاتف، إنه إتحاد قوة، على الرغم من يقيني أن دول كثيرة ستقف في وجه هذا المد الإسلامي وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لن تسمح بقيام هذا التحالف بأي شكل من الأشكال، لأنها تستمد قوتها من ضعفنا وهذه حقيقة لا يستطيع إنكارها أحد.

كفاءات وخبرات محلية

إن أعمال القمة تركزت على سبعة محاور رئيسية وهي: التنمية الاقتصادية، والدفاع والحفاظ على السيادة، وقيم الثقافة والحرية والعدالة، إضافة إلى مواكبة التكنولوجيا الحديثة، بالإعتماد على الكفاءات والأدمغة الإسلامية دون إغفال إشراك العرب، على الرغم من إنسحاب قوتين لا يستهان بهما، من هذه القمة وأقصد باكستان والسعودية، وبعيداً عن الأسباب التي لن نخوض بها ولا نعلم مدى صدقها من عدمه، لكن أعتقد ان إنسحاب باكستان يضر بها بالمقام الأول، فهي دولة لها ثقلها وهي دولة ذات تطور ونهضة كبيرة حيث أنها من رحم أزمتها حول إقليم كشمير وصراعها مع الهند تحولت إلى دولة نووية وباتت دولة يحسب لها حساب، فلا أعتقد أنها قد تُغرى بأية مبالغ مالية كبيرة أو حتى عقود عمل في دول الخليج أو ما شابه ذلك، وحتى قطر التي عانت من حصار شديد إلى حد ما مؤخرّاً فكانت رب ضارةٍ نافعة لها، أن إستطاعت النهوض ومقارعة كبرى الدول وهي الصغيرة بينهم مساحةً وسكّاناً وحتى في مجال الصناعة المحلية، فمن المعروف أن دول الخليج عموماً هي دول مستهلكة وتعتمد على الواردات أكثر من إعتمادها على الصادرات، وهذا خطأنا الأكبر، من هنا علينا التيقظ والتحول نحو تنفيذ مشاريع بأيدينا وكفاءاتنا وبمد جسور التعاون مع الأشقاء من الخليج إلى المحيط وهذا ما نطمح إليه جميعاً.
قال مهاتير محمد: "لا نريد الحديث عن الدين، ولكن عن شؤون المسلمين في العالم الإسلامي، وذلك في ظل المآسي والأزمات التي تعيشها الأمة الإسلامية، كأزمات اللجوء والحروب الداخلية وفشل الحكومات واحتلال الأرض وظاهرة الإسلاموفوبيا"، هذا ما نردده دائماً ونسعى إليه، لأنه حقنا المشروع، بسواعدنا وبأفكارنا لا الأفكار المعلبة التي يحاول بها الأعداء التربص بنا والإنقضاض علينا من خلال الحلول الجاهزة التي لا تغني ولا تقدمنا بل تجعلنا في تأخر عن مصافِ الدول المتقدمة ونحن الأبرع، ونحن الأمهر، ونحن صنّاع الحضارات والأوابد شاهدة على مقدراتنا، فلماذا يراد لنا أن نبقى متأخرين وأن لا نقف على أرجلنا أسوةً بكل العالم المتطور، إنها سياسة إستعمارية واضحة، فهذه القمة هي مفتاح للتحرر الإقتصادي والإقتصاد القوي يعني أننا دولاً قوية، فمناخ دول العالم كله ليس بأفضل من مناخ بلداننا لتتقدم علينا زراعياً ونحن لا، ونملك من المساحات الواسعة الكثير، فلماذا لا نبني المصانع وكم من الأيدي العاملة لدينا، فلن نضطر إلى إستجلاب العمالة الخارجية.

من رحم المعاناة نتطور

وبنظرة سريعة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعاني حصاراً خانقاً منذ فجر الثورة الإسلامية في العام 1979 إلى يومنا هذا، فتراها تحولت بزنود أبناءها إلى دولة نووية وباليستية وزراعية وصناعية وقوة إقتصادية أربكت العالم كله من رحم حصارها نهضت وأحدثت فرق، بدل أن تكون دولة ضعيفة.
لكن على المقلب الآخر، نتطلع إلى محور المقاومة القوي على الصعيد العسكري، لكن ما الضير إن درس المختصون نهضة الدول سواء في قمة ماليزيا أو غيرها، دون مكابرات، فقط للإستفادة وتطبيقها على أرض الواقع، فلكل مقاوم عائلة وكل عائلة تحتاج العمل للإستمرارية، وهذا عتب على محور المقاومة الذي يجب عليه إرفاق نهضة إقتصادية إلى جانب المقدرات العسكرية، محلياً وأنا العارف بهم وبمقدراتهم وفكرهم وثقافتهم وأخلاقهم، فاليوم يجب إحداث ثورة صناعية ونهوض إقتصادي بعيداً عن ثورات سياسية فلن ينفع تغيير إسم في حكومة ما أو إسقاط نظام ما، طالما البناء الاقتصادي ضعيف ويكاد يكون هش، فأين نحن من إتفاق نافتا بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وأين نحن من إتفاقيات الإتحاد الأوروبي، تراهم موحدون في عملتهم وفي إلغاء الحدود بينهم وحتى الرسوم الجمركية، ونحت كلنا تربطنا الجغرافيا البرية والبحرية، دون أن نعي أننا بإقتتالنا نطورهم ونجعلهم يتقدمون أكثر على حساب تراجعنا.

أخيراً، نحتاج لنواة حقيقية لعمل إسلامي يركز على التنمية والأمن والدفاع والأمن الغذائي والصناعي، للذهاب نحو لمرحلة جديدة يمكن للعالم الإسلامي أن يدخلها، بحيث يمكن أن تشكل الكتلة الإسلامية المؤهلة للعودة إلى قيادة العالم والتأثير، وألا تبقى مجرد تابع لتكتلات أخرى، ونحن كما ذكرت، الكثير من الإمكانيات المادية والثروات، والطاقات البشرية، ورأس المال، والخبرات، فهل ننكر أو نختبئ خلف إصبعنا بأن تركيا دولة رائدة صناعياً، فها هي تصنع أول غواصة تم الإعلان عنها قبل يومين من الآن، فالدول التي إجتمعت في القمة، التي تمتلك مؤهلات تؤسس لعمل إسلامي حقيقي، حيث هناك تجارب إسلامية ناجحة، كتجربة مهاتير محمد الذي نقل بلاده من مرحلة لأخرى، وكذلك تركيا انتقلت خلال 15 عاماً إلى مكان آخر، وتمتلك باكستان خبرات تقنية في المجال الدفاعي، وإندونيسيا لديها كثافة سكانية وقدرات، وقطر لديها الإرادة السياسية والمبادرة والرغبة الصادقة للنهوض بالعالم الإسلامي، مع ضخ استثمارات في هذا الجانب.
وبناءً على ما سبق، إن تحصين البيئة الداخلية يبدأ من بناء إقتصاد مقاوم ومتين، ورأس ماله الأساسي هو محاربة الجهل والفقر والفساد، فأمة لا تصنع غذاءها ولا سلاحها ولا دواءها هي أمّة ميتة.
وأختم بالقول: "لا يبلغ الإنسان الكمال، ولكن جهاده في طريق الكمال.. كمال".

*كاتب وحقوقي كويتي.

 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز