صحيفة أمريكية: روسيا ترى أن اغتيال سليماني سيكون له نتائج مدمرة

أفردت صحيفة المونيتور الأمريكية مساحة واسعة على صفحتها الرئيسية لمناقشة القراءة الروسية لاغتيال الولايات المتحدة للقائد الإيراني قاسم سليماني.

ورأت الصحيفة أن روسيا ستشعر بالخسارة الكبيرة لمقتل سليماني، خصوصاً لأنه مهندس التدخل الروسي في سوريا، والمتحكم في عدد كبير من المجموعات المسلحة في كل من سوريا والعراق وحتى اليمن وغزة.

ورأت المونيتور في مقالها أن "أمريكا" لجأت إلى اغتيال قاسم سليماني، وهي الطريقة الوحيدة التي تتقنها في تشخيص المشكلات الدولية، وربطها بوجود قيادات، تقوم باغتيالها في وقت لاحق، دون أن تحقق هذه الاستراتيجية أي نجاح.

وخلص تقرير المونيتور الذي ترجمته النهضة نيوز إلى أن "أمريكا" قدمت لإيران فرصة ذهبية للانتقام منها بعد تفلتها من الاتفاق النووي على طبق من ذهب، وأن نتائج عملية اغتيال سليماني ستكون كارثية ومدمرة على الولايات المتحدة.

وفيما يلي نص التقرير:

أحدث اغتيال اللواء قاسم سليماني صدمة كبيرة في جميع أنحاء المنطقة؛  ففي موسكو، أثارت الأخبار دهشة السياسيين والدبلوماسيين، إذ تقاتل روسيا منذ أكثر من أربع سنوات في سوريا إلى جانب إيران وحكومة الرئيس السوري بشار الأسد.

و قد أدان بيانٌ صادرٌ عن وزارة الخارجية الروسية العمل المغامر الأمريكي، واصفاً خطوة واشنطن بأنها محفوفةٌ بعواقب وخيمة على السلام  والاستقرار الإقليميين والعالميين،  وأضاف البيان: " نعتبر هذه الأعمال ضارةً بإيجاد حلول للمشاكل المعقدة في الشرق الأوسط و بدلاً من ذلك المساهمة في تصعيد العنف، و قد خدم سليماني بشكلٍ مخلص المصالح الوطنية لإيران".

كما وكتب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الروسي كونستانتين كوساتشيف على فيسبوك حول معنى الاغتيال بالنسبة للرئيس دونالد ترامب والولايات المتحدة  والمنطقة، موضحاً ان مقتل الجنرال سليماني في بغداد لا يسهم بأي حال من الأحوال في تحسين الوضع في العراق والشرق الأوسط بأسره، ولكن سيكون ذو آثار سيئة ومدمرة .

و أضاف: " أولاً: الرد الإيراني آتٍ لا محالة، لا أريد أن أتنبأ ولكن المواطنين الأمريكيين قد يتعرضون للقتل و بشكلٍ عنيفٍ للغاية، فلا عجب في أن الكونغرس يشعر بالقلق وأن رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي تطالب بتقرير ترامب عن سبب عدم إبلاغ الكونجرس بالضربة.

ثانياً: "هذا يعني أن ترامب يعجز عن حل قضاياه الداخلية، فإذا أسفر التصعيد عن خسائر أمريكية ستنخفض شعبيته بشكلٍ كبير.

 ثالثًا: "حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل، يناقشون بالفعل الآثار المترتبة على مقتل سليماني.

 أخيراً: " فإن الآمال الضعيفة التي لا تزال قائمة بالنسبة لإتفاق JCPOA النووي قد تم نسفها بالكامل، وقد تقوم إيران الآن بزيادة إنتاجها للأسلحة النووية حتى لو لم يكن لديها مثل هذه الخطط من قبل ".

وفي أواخر يوليو من عام 2015، كان سليماني قد وصل إلى موسكو في زيارةٍ سرية بمهمةٍ حاسمة لإشراك روسيا عسكرياً في الأزمة السورية. وعند هذه النقطة، كان الجيش السوري يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقد كانت قوة القدس و حزب الله اللبناني ومجموعات شيعية أخرى مدعومة من إيران تساعد دمشق، لكنهم افتقروا جميعًا إلى القوة الجوية لإحداث نقلةٍ حاسمة على أرض المعركة؛ لذلك احتاجوا إلى الدعم الروسي. لذا، اعتبرت رحلة سليماني علامةً فارقة لمشاركة روسيا النشطة في المنطقة .

كما قام سليماني برحلةٍ أخرى على الأقل إلى موسكو، كانت في فبراير 2017؛ لمناقشة التعاون الثنائي لروسيا مع الأنظمة الملكية السنية في الخليج العربي، حيث اكتسبت اجتماعاته مع كبار قادة الاستخبارات العسكرية الروسية شهرةً في موسكو لكونه مفكرًا و مخططاً استراتيجيًا بارعًا.

إن السؤال المهم الذي تطرحه موسكو حالياً هو ما إذا كانت طهران قادرة على إيجاد بديل مناسب له والذي سيقود الآن عشرات من الجماعات المسلحة العاملة في سوريا .

يقول قنسطنطين بوغدانوف وهو زميل معهد الاقتصاد العالمي و العلاقات الدولية في الأكاديمية الروسية للعلوم السياسية، لصحيفة المونيتور: " كان سليماني مسؤولاً عن العمليات العسكرية والسرية الإيرانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
لكن إحدى مهامه الأساسية كانت تنسيق وإدارة مجموعات فضفاضة ومتنوعة من الميليشيات الإيرانية التي تقاتل في سوريا إلى جانب الرئيس الأسد. و قد نصب سليماني وأثبت نفسه كقائدٍ فعال و موثوق يمكن للجيش الروسي بمساعدته حل القضايا العملية على أرض الواقع ".

و أضاف بوجدانوف: " تجدر الإشارة إلى أن العدد التراكمي للمقاتلين في المجموعات الموالية لإيران يكاد يكون مساوياً للجيش العربي السوري وفي قدراته القتالية، وقد يتفوق على الجيش السوري حتى. فوجود هذه المجموعات يعقد قضايا السيادة السورية وحرية الحركة لدمشق، ولكن على الأقل و لبعض الوقت، من المرجح أن يؤدي فقدان سليماني إلى تعقيد قدرة إيران على التأثير على الأسد. ففي هذه الظروف، ربما يتعين على روسيا اتخاذ موقفٍ أكثر نشاطًا من خلال ترسيخ نفسها كوسيطٍ رئيسي في التسوية السورية ورعاية الاتفاقات بين الأطراف المتحاربة ".

و قال العقيد المتقاعد فيكتور موكراخوفسكي وهو رئيس تحرير المجلة العسكرية أرسنال أوتيتشستفا (الترسانة الوطنية) ، أن قرار ترامب بقتل سليماني يفتح فصلاً جديداً في المواجهة بين إيران و الولايات المتحدة ، مضيفاً: " قتل سليماني كان بمثابة قتل رجل دولة، وهو ممثلٌ رسمي لبلده العضو في الأمم المتحدة  والتي ليست في حربٍ رسمية مع الولايات المتحدة ، كما أنه قُتل على أرض دولةٍ ثالثة، وهذا ليس صراعاً سرياً بين أجهزة المخابرات. فقد اعترفت الولايات المتحدة علانيةً بالعمل انتقامي و تفخر به واصفةً إياه بالإنجاز المهم . وهذا العمل يختبر رد فعل المجتمع الدولي بشكل عام والقيادة الإيرانية بشكل خاص ".

و قال موكراخوفسكي: " بعد الإخفاقات في فنزويلا و سوريا و المحادثات مع كوريا الشمالية، وبعد فقدان السيطرة على الوضع في أفغانستان والتنازل عن العراق للمجموعات الإيرانية، تحركت القيادة الأمريكية لرفع المخاطر التي تحيط بها من كل مكان ".

و قال ماكسيم شيبوفالينكو، نائب مدير مركز تحليل الاستراتيجيات والتقنيات في موسكو، لصحيفة المونيتور: " ما فشلت الولايات المتحدة في فهمه سيكون على مسؤوليتها وعليها تحمل مخاطر ما قامت به، و ما لم تفهمه الولايات المتحدة هو حقيقة أن الجنرال قاسم سليماني لم يكن أمير حرب أو زعيمًا، بل كان رجلاً يتمتع بالسيادة، سواء كرهته أم لا. فالإيرانيون أذكياء بما فيه الكفاية لفهم أن الانتقام هو الطبق الذي يتم تقديمه على أفضل وجه للولايات المتحدة في هذا الوقت".

تقوم روسيا حالياً بحساب التداعيات المحتملة لكل من وجودها الإقليمي  ومواجهتها مع الولايات المتحدة في النزاعات المستقبلية المحتملة. حيث أشار كوساتشيف إلى المواجهات الأمريكية على مر السنين مع رجالٍ أقوياء في دول مختلفة مثل صدام حسين في العراق،  وسلوبودان ميلوسوفيتش الصربي، والأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، والعقيد الليبي معمر القذافي.

و قد كتب كوساتشيف حول مقتل سليماني: " هذا خطأٌ كبير ينبع من عادة أمريكية النموذجية التي تتمثل في تخصيص أي مشكلة، فقد كانوا يعتقدون أنه يجب إزالة صدام، ميلوسوفيتش، يانوكوفيتش، القذافي؛ لتستقر الأمور، لكن هذا هو المنطق الخاطئ، وليس منطقاً سياسياً ".

 و خلص كوساتشيف إلى أن الخطوة الأمريكية باغتيال سليماني سترتد على أصحاب القرار في الولايات المتحدة بنتائج مدمرة للغاية.