الشّحَادة الأوريجينال: تدجين الشَّعب

لبنان

من مآسي ما نحن فيه أن تقوم بعض الشاشات لدينا بحملات تجمع التبرعات المالية كي لا نقول التسَول من جيب مواطن إلى آخر  تحت شعارات عاطفية : كلنا لبعض ،  أخوة في الوطن ، سوا منعيّد ، أنت أخي ... الخ... وكأننا استَسْلَمنا لفكرة استحالة استرداد الاموال المنهوبة ، وتخاذَلْنا أمام مواجهة الطبقة المتحكمة بالبلد المتنعّمة بمليارات الدولارات التي هي حق معروف وموصوف للناس والتي تُغْنينا عن عراضات التسوّل .

هذا فضلاً عن إيحاءِ السّلْطة الخبيثِ للشّعب أننا جميعاً هم ونحنُ مجموعةُ مساكين يتقلَّبون على أنواءِ الحرمان في مركبٍ واحد ، بل ومتساوون في وضاعةِ العيش اللاكريم : الغلاء والعوَز وفقدان الدواء والمأكل والسكن  !! وكأنّ أحداً لم يسرق مالَ أحدٍ في لبنان !

بل وصلتْ الوقاحةُ بهذه السلطة أنْ يشترك بعض نوابها ووزرائها في جمعِ تلك التبرعات لزرعِ فكرة " الحرمان الواحد " لكلا الحرامي والمعتّر ، والسارق والمسروق ، وجمعهما في مجازٍ أخلاقيٍّ مُوحّد يتماهى فيه أوادم المُهمّشين والمسحوقين اجتماعياً  واقتصادياً بَلْ وسِياسياً أيضاً من شرفاء الوطن مع أرتالِ المارقين ناهبي ضرائب النّاس ومقدّرات وطنهم . 

إلى ذلك فلا عجب أنّ من أهداف ما يحصل اليوم  يؤكد أن للسلطة خطة جهنمية بتجويع الناس ( الغلاء ، تدهور العملة الوطنية ) عقاباً لهم بسبب ثورتهم  النبيلة التي تؤسِّسُ أقلّهُ لبناء مفهومٍ جديد يليقُ بالفرد اللبناني في كرامته وهويته الانسانية والاخلاقية ، إلى توكيدٍ آخر منبثقٍ عن تلك الأهداف هو تكريس مُعطًى غريبٍ جَمْعيُّ الإرادة ( تمذهباً وتسييساً وكلٌّ في جمهوره ) أنّهُ لا تراجع عن سرقة المال العام ولا من يحزنون ، بلْ وربّما ولوقاحتهم أنهم أصلاً كطبقة حاكمة لم تنهب البلاد وتسترقّ العباد .

إن تحويل الثورة الى بروباغندا اعلامية تتمثل في "  استعراض خيري "  للتسوُّل هاتفياً على شاشات هذا الاعلام المُدجّن في غمرة هذه الظروف الصعبة اليوم لَهُوَ ترويض خبيث لأفكار وأهداف من انتفضوا لكراماتهم ،  وقتلٌ سلطوي مُمنهج لمبادىء التغيير المنشود واستغلال رخيص لعَوَز الناس وفاقتهم بعيداً من  التحوّل الى دولة مدنيةٍ في مواجهة الفساد بأذرعهِ الخطيرة سواءً الظاهرة منها أو الباطنة واللّتان لا تقل خطورةُ إحداهما عن الأخرى في التقنيات والأساليب التي تكونّت وتكرسّت على امتداد عقودٍ طويلة لصالح النهب والسلب والهدر في اتحادٍ بِنيوي مَقيت يحتاجُ ما يكفي من زخَمِ المواجهة حتى استرجاع مليارات الشّعب المُكدّسة في مصارف الداخل والخارج .

 

أرفض هذا الاعلام الذي بدأ يتساوق مع نيّات السلطة السيئة ببث برامج " الشحادة الاوريجينال " على شاشاته تحت شعارات الرحمة والشفقة :  استحضار أم وأبنائها الفقراء بامتياز ،  او والد وزوجته وابنهما المريض او الدخول الى منزل عائلة متهاوي البنيان كي يُمنِّنوه بمبلغ مالي بتنمُّرٍ ومجاملة لاستمالة الناس وعواطفهم .

 

اللبناني ليس فقيراً ، ولا شحّاذاً ، من سرقُوه أفقروه ، ودعسوه كالدُّوَيبة بلا هوادة .

رُدّوا أموالَ المقهورين والمسحوقين ، ولتذهب برامج " الشّحَادة " الى الجحيم . أعطوا باحترام  الحقوق الكاملة للمواطن  " وانقبروا "  حلّوا عن بهدلة عائلته وأولاده وذويه ،  وجَعْلها مصدر شفقة مُهينة على الشاشات :

هل يجب ان يبكي رجل وزوجته واولاده كي يتبرع أحدٌ ما بماله من اجله ؟! هل المطلوب نشر  أحوال ذوي الاعاقات والأمراض أمامنا كي نُطلق الكلمة الشهيرة لبنانياً " يا حرام " ؟

أيها اللبناني الحزين ، المسكين ، المنهوب ، الفقير المعذّب ، كفكف دموعك بكرامة موقفك ، واخرُج ممّا أنت فيه فالحقّ حقُّك أنت ، والمال مالك أنت .

 

 

 

 

النهضة نيوز