مفردات اللغة السياسية في لبنان وفشل الساسة في خدمة الشعب

لبنان ..

إننا، إذْ نحاول الكتابة عن موضوع الساسة والسياسة في وطننا لبنان، إنما نقوم بعمل لا لذّة لنا فيه، ولا حماسة، ولا فرح. نكتب بأسف وحزن حتى القرف. غير أننا نكتب بدافع من محبتنا الصادقة لوطننا، لبنان، واقتناعنا العميق بوجوب ديمومته، وأملنا الوطيد بقدرة شعبه على تحقيق وحدته وإزدهاره وقوته ومنعته، وصيانة كرامته. ونكتب بنيّة وغاية التنبيه والتحذير والتوعية والبناء، لا بروح الحقد والغضب والسخرية والإنتقام والتهديم. إننا نعمل بوحي الحكمة القائلة: الساكت عن الحق شيطان أخرس. ونفضّل النّطق بالحقّ على الصمت أو النطق بالباطل، ولو آلَمَ ذلك مشاعرَ شياطينَ الباطل وجَرَحَ كبرياءَهم، ولو لم يحصل التغيير المنشود في نفوس القراء والسامعين والساسة بالسرعة المرجوّة.

 

إن الكلام عن عالم السياسة، إذًا، ليس عملا سهلا، ومريحا، وشيِّقا، لأننا نكتب عن موضوع سيّء، غير سارّ، بمفهومه وممارساته وأخباره اليومية المقلقة والمنفِّرَة والمرعبة. إنه، حقًّا، لَأَمْرٌ محزِنٌ، اليوم، أن نعرف، مثلا، من خلال الإعلام الموثوق بصدقيته، أنّ عددَ الساسة أو القادة الصالحين لشعوبهم، في كل القارات، لا يتعدّى أصابع اليد الواحدة. ويشتدّ حزننا أكثر حين نتوصّل أن نتعلّم، بالخبرة وخيبات الأمل، وبعد زوال كل الأوهام، وأن نعلم علم اليقين، وأن نُقِرَّ، بأن معظم ساسةَ لبنان، منذ الإستقلال حتى اليوم (ساسة وطن قد أحببناه منذ صغرنا، وما زلنا نحبّه بشعبه وساسته وأرضه وتراثه الروحي والفكري والأدبيّ ورسالته الموعودة)، قد أوصلونا، كل واحد على طريقته، بسبب من عجزهم أو جهلهم أو أنانيتهم وكبريائهم وأطماعهم وتواطئهم مع قوى الشر والمال العالمية، وعدم اهتمامهم الدائم بصالح الشعب اللبناني وخدمته بصدق كما يفرض عليهم الواجب، إلى ما أوصلونا إليه من حال إنهيار مالي ونفسي وفساد إجتماعي وأخلاقي وإنقسام وطني، في الوقت الذي يبذلون فيه كل جهدهم (خاصة بعد "إتفاق الطائف")، لكي يحققوا، فقط، إزدهارهم الشخصيّ لهم وحدهم مع عائلاتهم وأقاربهم وأتباعهم، ولكي يعلنوا ولاءهم لبعض دول الخارج من أجل نيل دعمها المالي والسياسي (وحتى العسكري) لإثبات وجودهم الشخصي والطائفي، ولمواجهة بعضهم البعض لا لبناء الوطن الواحد ومجابهة إرهاب العدوّ الواحد. إنّ مفردة "وطن"، مثلا، بمفهومها الحقيقي، السامي، المقدّس، الجامع، غير واردة في قاموس معظم الساسة وأتباعهم في لبنان، وقد استبدلوها بكلمة "بلد" الجافة، البليدة. وكذلك مفردات ك"خدمة" و"تواضع" و"صدق" و"قناعة" و"تضحية" و"محبة"، وغيرها من المفردات والتعابير الجيدة، الجميلة، التي هي من وحي الفضائل، والتي يكررونها كشعارات غبّ الطلب بشكل دائم، ولكن دون أن يعنوها، ودون أن يمارسوها ويبذلوا أي جهد صادق في سبيل تحقيقها، ك"الوحدة الوطنية"، مثلا، و"المصلحة الوطنية العليا"، و"لبنان أولا". من بعض مفردات وتعابير لغتهم السرّية المفضَّلَة التي يتفقون حولها، ويحفظونها عن ظهر قلب، ودون أي جهد فكري، ويحرصون على تحقيقها تحقيقا كاملا، ممتازا، دون أن ينطقوا بها: مصلحة شخصية، طموح، طمع، مال، مشاريع، إستثمارات، عمولات، خزينة الدولة، ضرائب ورسوم على الشعب الفقير، أنانية، كبرياء، قساوة قلب، دهاء، كيدية، باطنية، حسابات مصرفية سرية، خزنات مال خاصة سرية، سلطة، قوة، حصانة، عظمة، شهرة، مجد، بذخ، حفلات، قصور، جنائن، سفر، طائرات، يخوت، سيارات سوداء مُصفَّحة، أملاك، مواكبات، سلاح، رجال...

 

إن أخذنا، مثلا، تعبير "روح الخدمة" التي يتغنّى به معظم الساسة، وحاولنا تحديده، فهو يستقطب ويجمع كل الصفات الحسنة في الإنسان وكل الفضائل. إن روح الخدمة تعني الإستعداد الجيد والدائم لمساعدة الآخرين في أية ظروف وفي أي مجال يحتاجون فيه إلى المساعدة. كلنا نعلم ما معنى خدمة المريض، مثلا، أو المعاق، أو العجوز، أو الطفل، او اليتيم، أو الأرملة، أو الفقير. والمساعدة هذه تأخذ معناها الحقيقي والراقي حين تُقدَّم للشخص المحتاج إليها دون أن يسأل هو نفسه عنها، ودون مِنَّةٍ. إن الإنسان المشبَع بروح الخدمة هو إنسان مرهَفُ الإحساس، واعٍ، صادق، محبّ، متواضع، رحيم، جريء، لا يخاف ولا يتعب من التضحية بوقته، وماله، وذاته، من أجل إسعاد الآخرين، والتخفيف من همومهم وأحمالهم وآلامهم. روح الخدمة تعني، بكل بساطة، روح المحبّة.

 

تدفعنا محاولتنا هذه لتحديد معنى "روح الخدمة" إلى الإعتقاد، وعن حقّ، بأن طلاب الكمال وكّل الذين نذروا أنفسهم لله، وبنعمة خاصة من لدنه، هم وحدهم يقدرون، لشدة تمرُّسِهم بحياة نكران الذات، وحياة التقشّف والزّهد والنّسك، أن يقدّموا هذا النوع من الخدمة، وأنّ الإنسان العادي، المنهمِك بتحصيل معيشته، لا يملك هذه الرغبة أو القدرة في مجال الخدمة، إلا إذا أُجْبِرَ على ذلك بداعي العمل والواجب واستحقاق الأجر والخوف من المحاسبة والملامة، وبدرجات متفاوتة وغير ثابتة بين إنسان وإنسان، باستثناء الأمّهات اللواتي منحهنّ الخالق روح خدمة وتضحية إستثنائية، عظيمة.

 

ونصل، في هذا السياق، إلى طرح السؤال التالي (رغم معرفتنا المسبقة للجواب، وقد ألمحنا إليه لمحا سريعا في البداية):

 

إلى أية درجة يملك ساسة لبنان "روح الخدمة" الحقيقية؟

 

ولنطرح هذا السؤال أيضا:

 

هل نحن واقعيون أم مثاليون في متطلٍّباتنا وتوقّعاتِنا من الساسة؟

 

في الحقيقة، نحن واقعيون ولا نطلب المستحيل من ساستنا، ولا نظلمهم، ولا نحمّلهم فوق طاقتهم. إنّ ما نطلبه ليس أن يتحوّل كل الساسة إلى قدّيسين تُجرى المعجزاتُ على يدهم. إن ما نطلبه في حياتنا الإجتماعية والوطنية هو، بكل بساطة، أن يبذل الساسة قُصارى جهدهم لكي يفوا بوعودهم التي وعدوا الشعب بها، وهي تقديم الخدمات الضرورية لتحسين حياة الشعب من كل النواحي الإقتصادية والصحّية والثقافية والتربوية، وتأمين مستقبله وحفظ كرامته وأمنه، بعد أن ينتخبهم الشعب، وبعد أن يصبحوا نوابا وممثلين عنه في الحكم، وذوي سلطة وحصانة، وينطقون بإسمه ويتحضّرون لخدمته. وهم لا يفعلون ذلك مجّانا، بل يتقاضون، من خزنة الدولة التي يُمْلِئُها الشعب من دفع الضرائب والرسوم التي يفرضها ويرفعها الساسة بشكل دائم، أي من تعبه وعرق جبينه، رواتب وضمانات وتعويضات ضخمة جدا، على أساس أن مهمّة خدمة الشعب مهمّة شاقة تتطلّب التضحية بالذات والوقت، وتستحقّ مكافأة كبيرة.

 

نحن نتفهّم الضعف البشري الطبيعي الذي يمنع الإنسان، اي إنسان، من أن يطبِّق القول بالفعل على أكمل وجه. ولكننا في لبنان، نحن، أبناء الشعب والحكم الديمقراطي، عندنا مشكلة مع من ننتخبهم لأربع سنوات. إنها مشكلة مزمنة، مستعصية، قد طالت كثيرا. إنها مشكلة مرَضِيَّة نعرفها ونفهمها، ونتحدّث عنها، ونتذمّر منها، ولكننا لا نعمل شيئا لمحاولة حلِّها والتخلّص من وطأة نيرها على رقابنا. ونوابنا لا يفعلون شيئا بشأنها، ولا يبدو أن الأمر يهمّهم أو يزعجهم. إنهم، في الحقيقة، لا يريدون أن يشعروا بأن ثمّة أية مشكلة، ولا يقرّون بوجودها.

 

المشكلة هي، أننا، بعد الإقتـراع، لا نعود نرى وجوه الذين انتخبناهم، ولا نعود نسمع أصواتهم إلا في وسائل الإعلام، يطلقون التصريحات بإسم الشعب اللبناني، وينظُمُون له قصائد الغزل والمديح. أما المشاريع التي وعدوا الشعب بها، فلا ذكرَ لها. إنهم يدّعون العمل من أجل خدمة الشعب و"المصلحة الوطنية العليا"، وهم، في الحقيقة، يحصرون خدماتهم بأنفسهم وبناء ثرواتهم وعزّهم، وبأزلامهم: توظيف عشوائي، مثلا، في الدولة (والحديث جارٍ كالنهر الهادر عن الهدر والفساد)، يتخطّى حاجتها وقدرة الخزينة على دفع أجورهم، دون الإعتماد على الكفاءة، وحتى دون الحضور إلى مراكز العمل، وترخيص أسلحة، وتسوية أوضاع إستملاكات غير قانونية، ومخالفات قوانين بناء وسير، إلخ...

 

أما على المستوى الوطني، فالشعب يسمع من أفواه الساسة وإعلامهم جعجعة طحن دائمة لمشاريع قيد الدرس ولتمويل من الخارج، ولكنه لا يرى طحينا ولا يلمس ولا يتذوّق خبزا. الشعب يصبح في واد والساسة في واد آخر. لا تلاقٍ، لا حوار. ثمة طلاق صامت، كامل، بين الشعب والساسة، إلى أن يحين موعد الإنتخابات من جديد، وبسحر ساحر قديم متجدّد لا يقاوَمُ سحرُهُ، إسمه المال والتعصّب حتى العبادة للزعيم والعائلة والطائفة والمذهب، تدبّ الحميّة في النفوس، وتلتهب القلوب حبّا، وينتهي الجفاء فجأة، وتتمّ حفلة زفاف جديدة، حميمة، سريعة، بين الشعب والسياسيين، سرعان ما يليها طلاق من جديد. معظم أبناء الطوائف لهم قاموس مفرداتهم الأساسية، الخاصة (بإستثناء كلمة "وطن")، الغامضة والمبهمة بالمفهوم اللغوي والإنساني والسياسي الصحيح، تحت عنوان "خطوط حمراء": الزعيم، "الواسطة"، الولاء، الحزب، العائلة، الطائفة، المذهب، العِرق، الدين، القومية، الأمّة... الطريف في الموضوع هو أن هذه المفردات هي الجامع المشترك بين كافة الطوائف، والميزة الخاصة لكل طائفة بنسب متفاوتة، وتشكّل "وحدة وطنية" من نوع خاص وبألوان قوس قزح، في جوّ من التنافر الدائم في الواقع السياسي و"الحضاري".

 

نحن، أبناءَ الشعب البسطاء والمساكين بالروح والصادقين، في رؤيتنا للأشياء، لا ننتظر من الذين انتخبناهم أن يزورونا كل يوم لكي "يقفوا على خاطرنا"، كما يُقال، ويدغدغوا مشاعر الكبرياء الشعبيّ فينا، ويخدِّروا عتبنا عليهم ويسكِّنوا غضبنا، ويجعلونا ننسى تقصيرهم ونسامحهم عليه. نريدهم أن يحاسبوا أنفسهم على ما يفعلون قبل أن نحاسبهم نحن، إن حاسبناهم. نريدهم أن يخدموا الشعب، وأن يبيّنوا للشعب، كل فترة، "كشف حساب" عما حققوه، أو لم يقدروا على تحقيقه (مع شرح الأسباب)، أو سوف يحققونه. نريدهم أن يلقوا المحاضرات على الذين انتخبوهم، وأن يزيدوهم علما ومعرفة وفهما وثقافة في مجال الديمقراطية والتاريخ والأخلاق، ونريدهم أن يسألوا الشعب رأيه في مواضيع شتى تعنيه وتهمّه، لا بل نريدهم أن يعلِّموا ويوعّوا الشعب على حقوقه (حقوق الإنسان) وواجباته في المساءلة، وفي كونه هو مصدر السلطات، أي سلطاتهم هم كساسة، وكممثلين له في الحكم.

 

ولكنْ، إن كلّ أو حتى بعض ما يتمناه الشعب من روح خدمة وتفانٍ تجاهه من قبل الساسة، لا يحصل عليه أبدا.

 

أين هي روح الخدمة ومعظم الساسة في أجواء عطلة دائمة وسفر دائم، وعقد صفقات تجارية وسياسية خاصة، وثراء متزايد يكدّسونه في خزناتهم السرية في اقبية قصورهم وقلاعهم وفي مصارف سويسرا، وجلسات ومقابلات ووقفات وتصريحات مدروسة تجاه عدسات المصوِّرين، وحفلات سهر وطرب ورقص وأكل وشرب وهرج ومرج، برفقة كل الطبقات الإجتماعية، باستثناء أكبر طبقة في لبنان، طبقة الشعب البسيط، الفقير، المتواضع، الطيّب القلب، ذلك الشعب الذي انتخبهم ووضع كل آماله فيهم، وهم لا يكفّون أبدا عن تخييب آماله، وإضعاف ثقته بهم، بعد أن استماتوا في استعطاء تأييده وصوته في صندوق الإقتراع؟

 

أين هي روح الخدمة، وهم، إذا اجتمعوا، إنما يجتمعون لا للتنافس على خدمة الشعب، ولحلّ مشاكله السياسية والإقتصادية والأمنية والمعيشية والصحية والتربوية، كما يحاولون أن يوحوا له، بل للتباري فيما بينهم على الصراخ وتبادل تهم التقصير وتسجيل المواقف، ومتابعة إثقال كاهل الشعب بمزيد من هموم الضرائب والرسوم والقلق على المصير، وافتعال الدخول في صراعات حول المصالح الوطنية، في كل المجالات. هذه بعض المواضيع-المشاكل مِمّا نرى، ومِمّا تعكسه وترشح عنه، دوريا، إجتماعاتهم، منذ "إتفاق الطائف" حتى اليوم:

 

-التبعية لدول شتّى، معروفة، غنية بالمال والسلاح. تبعية مبطّنة، حينا، ومعلنة حينا آخر. تبعيّة غير خافية على الشعب والإعلام، في كل الأحوال.

 

-التذاكي والفذلكة والسفسطة في فنون الكلام والبلاغة والخبث والتهكم والمزاح والسخرية والهجاء والجدّية المصطنعة و"تدوير الزوايا" والحفاظ على "التوازن" الدقيق للقوة والأحجام بين عظماء السياسة، وفي فنون تفسير القوانين والدستور والصلاحيات، دون الوصول إلى أي اتفاق حول أي مفهوم لأي شيء، وتحويل لبنان بدولته وساسته وإعلامه إلى سوق عكاظ وبرج بابل، وإلى وكر لألعاب القمار السياسي والمقامرة بحياة ومصير شعب يبحث عن وطن، هو جزء تابع لأوكار القمار السياسي في العالم.

 

-تعطيل المشاريع الإقتصادية والعمرانية والتربوية المفيدة للشعب، بسبب الإختلاف على إحتكار الفضل، وتقاسم الحصص والأرباح.

 

-محاربة أشباح الهدر لمال الشعب والفساد والسرقة في الحكم المجهولي "الهوية"، فقط، لا الفاسدين "الكبار" والسارقين الحقيقيين المعروفي "الهوية" والذين يتداول الشعبُ نفسُهُ والإعلام أسماءَهم، والمحميّين من رؤساء طوائفهم و"شارعهم" المسلّح الخاص.

 

-بحث مشروع إستخراج النفط والغاز (المكتشفَين في بحر لبنان وبرّه من القرن الماضي، كما أصبح معروفا، وبقي الموضوع طيّ الكتمان والتجارب المجتزَأَة والتأجيل). إن المشروع، اليوم، بإنتظار درس المغانم والأرباح بين الساسة بحسب الأوزان والأحجام والحيثيات الشعبية، وبإنتظار القرار الحاسم الآتي، إن أتى، من عواصم القرار المعروفة، وتبعا لتوقيتها ومصلحتها هي وحدها، لا تبعا لتوقيت ومصلحة الشعب اللبناني، من خلال ساسته.

 

-كيفية إيفاء ما يُسَمَّى ب"الدين العام" (نتيجة سياسة الإستدانة الخاطئة، الكارثية، التي مازالت مستمرة حتى اليوم رغم التحذيرات المتكررة لخبراء الإقتصاد)، والذي سبّبه ساسة الصفقات والتسويات (بإسم الشعب ومن أجله)، والدين يتزايد، كل سنة، بشكل مخيف جدا للشعب وحده لا للساسة، ذلك الشعب التعيس الذي يتضاعف فقره وألمه وذلّه، وثمّة، دائما، أمام أعينه، كابوس "خزينة الدولة" التي يُفرِغُها الساسة من أجل مشاريع وهمية، ولا ينسون تذكيره باستمرار أنه من واجبه أن يضحّي ويتخذ قرارا مؤلما من أجل كذبة كبيرة إسمها "المصلحة الوطنية العليا"، ويملأها، أي الخزينة، من مال عرق جبينه، ليعودوا، أي الساسة، فيفرغوها من جديد. وهكذا، الشعب يزيد فقرا وقهرا وتعاسة كل يوم، والساسة يزيدون ثراءا وارتياحا وسعادة.

 

-خلق فرص عمل بالكلام الفارغ والوعود الفارغة لا بالفعل، والبطالة تتفاقم كل يوم، والعملة اللبنانية تخسر من قيمتها، وغلاء المعيشة في ارتفاع مخيف، والفقراء وحدهم يعانون من كل ذلك، والهجرة منتعشة ومزدهرة على الدوام، إلى بلاد الله الواسعة، وإلى دياره الرحيمة.

 

-تجاهل و"تسييس" مسألة التشويه لطبيعة لبنان بالكسارات والمحافر والمرامل وقطع الأشجار، ومسألة مشاريع البناء لسدود غير سليمة وغير مفيدة وغير آمنة للسكان، ومسألة تراكم النفايات وتلوّث البيئة بهوائها ومائها وبحرها وترابها وزرعها وغذائها، في الوقت الذي تكثر فيه أمراض السرطان، ويكثر فيه الموت المبكر، ويكثر فيه الكلام الباطل، العبثيّ، عن هدر المال على جمعيات وهمية وإيجارات خيالية لمباني حكومية، وفساد الساسة والدعوة إلى محاكمتهم، وعن عشوائية الطمر والحرق والمكبّات وإعادة التدوير... وهم، أي الساسة، قد طمروا الشعب في تربة النسيان، وحرقوه بجمر إنتظار الخلاص والأوهام، ورموه في مكبّات القرف والفقر والذلّ، واعادوا تدويره، آلاف المرات، في الإنتخابات النيابية، ولا من يسأل أو يحاسب ولا من يحزنون.

 

-مشكلة التلوّث المهمَلَة لأخلاق الشباب وتفكيرهم بتعاطيهم للمخدِّرات وكسرهم للقوانين، وغياب تربية مدنية وطنية سليمة في البيت والمدرسة والجامعة، وارتفاع نسبة الإنتحار والهجرة والبطالة.

 

-مشكلة الكهرباء والمياه، وفرض زيادات مالية دائمة على الشعب الفقير.

 

-عدم تأمين الضمانات الصحية والتعليمية لكل أبناء الشعب، وتكرار الوعود الكاذبة التي عمرها من عمر الإستقلال.

 

-تعطيل وتأجيل دائمَين لإنتخاب أي رئيس للجمهورية، وأي تأليف للحكومة، واتهام بعضهم البعض وبعض دول الخارج بتعطيل عمل مؤسسات الدولة، والتفنّن في أساليب الإتهام والهجاء وتبرئة الذات.

 

-عدم القدرة على العمل كفريق واحد منسجم من أجل ازدهار وسعادة الشعب اللبناني.

 

بالمختصر المفيد، إن ساسة لبنان يعشقون، لصالحهم الذاتي (وهذا من ضمن مفردات قاموسهم)، إفتعال الخلافات فيما بينهم، بشكل عنيف، على كل شيء: تحديد الهوية الوطنية، تحديد الأصدقاء والأعداء، تأييد ودعم المقاومة، تسليح الجيش، تقاسم حصص الحكم، محاربة الفاسدين (لا شبح الفساد)، ومحاكمتهم وسجنهم، من يحكم لبنان، إلخ... إنهم، (لصالحهم الذاتي)، لا يتفقون، ولا يتحابّون، ولا يفيضون ويذوبون حنانا وعطفا ولطفا ورقّة، ولا يبتسمون لبعضهم البعض وللشعب، إلا حين يقرّرون، معا، وأكثر من مرّة، التمديد لولايتهم في الحكم، ورفع رواتبهم بحجة غلاء المعيشة، على حساب إفقار وقهر وإضعاف شعب الوطن، وفرض المزيد من الضرائب والرسوم عليه، وتجميد أجوره، والتلويح بتخفيض أجور القطاع العام باستثناء أجورهم هم، والإستدانة الدائمة من الخارج لمشاريع تبقى، بمعظمها، وهمًا، وحبرًا على ورق، وتتبخّر أموالها بشكل سحريّ في كهوف الجنّ، ولكنّ الديون والفوائد لا تتبخّر، وتنزل كالصواعق على رأس الشعب وأكتافه وحده. فهذه هي الأمور الحيوية الوحيدة بالنسبة لهم، التي لا يجوز أن يختلفوا عليها، ولا أن يفرِّطوا بها، بعكس مسألة خدمة الشعب. إنهم يصبّون كلّ اهتمامهم، بحماسة وبغَيْرَةٍ رسولية، على مصلحتهم الشخصية الأنانية، في الوقت الذي يحتلّ فيه الإرهاب والموت والفقر والحزن والخوف أرضنا، ويدمّرون شعبنا، وفي الوقت الذي تقرّر فيه دول أخرى لا تريد لنا الخير، مصيرَنا، في عُصْبَة، أو بالأحرى، "عِصابة" الأمم المتحدة (ومن ضمنها الكيان التلمودي الصهيوني اليهودي القومي العنصري في فلسطين)، بقرارات مشؤومة، مُذِلّة، بتوطين ضحايا حروب الأمم في فلسطين وسوريا، والتلويح بضمّ أراض لبنانية محتلة إلى الكيان العنصري الإرهابي بعد الجولان السوري. إنها قرارت قد سمح بها ساستنا، مع مرور الزمن، بتخاذل وجبن، وسكوت مريب، وباطنية رهيبة، وسهّلوا طريقها إلى وطننا، مع الإكتفاء بتسجيل مواقف كلامية. ولولا قوّة المقاومة وانتصاراتها على العدوّ، ولولا إعلان نيتها واستعدادها لإسترجاع الأراضي اللبنانية التي احتلّها الكيان العنصري، بقوة السلاح وبسالة المقاومين، وفي الوقت المناسب، لتمّت عملية الضمّ من زمان، ولما توقفت أعمال العدوّ الإرهابية ضدّ لبنان.

 

ما لا يجرؤ الساسة وزعماء الطوائف على فعله، حين يجتمعون، هو درس عميق ونقاش جدّي للتخلّي عن النظام الطائفي الفاسد، الفاشل، والتوقف عن النقاشات السخيفة، العقيمة، العبثية، حول جنس الملائكة، وخلق نظام حكم عادل، مُشَرِّف، للشعب اللبناني، يكون علمانيا صرفا، لا لوثة تعصّب طائفيّ ومذهبيّ فيه، ويشكّل ميثاقا وطنيًّا جديدا ونهائيا، ومدخلا إلى حياة جديدة للشعب اللبناني، وبداية لإستقلال حقيقيّ لا مزيّف. إن النظام العلماني في حال تجرّأَوا (مع كل نخب لبنان) على البدء ببحثه، يريح الشعب اللبناني، ويحرّره من النظام الطائفي الموروث من أيام الإستقلال، والمُجدَّد له، قسرا، في اتفاق الطائف، والذي أصبح مجرّد سلعة تجارية للبيع والشراء وتقاسم الحصص والأرباح بين ساسة الطوائف الذين أفسدوا ما هو فاسد أصلا. ولكنهم لن يجرؤوا أبدا على التفكير بأي نظام علماني، في الوقت الحاضر، لأن في ذلك نهاية لعروش مجدهم وعزّهم وصولجانات طغيانهم، وتيجان ألقابهم وثرواتهم وجنون عظمتهم.

 

مع كل ذلك، فإن الشعب، بأفراده ونخبه وإعلامه، لا يحاسب ساسته أبدا محاسبة رصينة، متواصلة، فعّالة، منتجة، على تقصيرهم الفاضح في أداء واجب خدمته، ولا يوبّخهم على عنادهم ورفضهم للهداية. إن محاسبته لهم تبقى محاسبة مزاجيّة، موسميّة، مؤقّتة، غير موحَّدَة تحت قيادة سياسية وفكرية واحدة، وغير مدعومة بقوّة من الإعلام الإيجابي البنّاء، الموضوعيّ. إن قسما من الشعب اللبناني يكتفي بالإعتراض من خلال التظاهر السلميّ، حينا، والصاخب والعنيف، حينا آخر، ومن خلال الإعتصامات في الساحات وحول المراكز الحكومية، ومن خلال الشتم والإنتقاد والتهكّم والسخرية والصراخ والغضب، وقطع الطرقات وحرق الدواليب، وتكسير واجهات المحلات التجارية والمصارف، والصدام مع المواطنين وقوى الأمن والجيش. "الحِراك الشعبي" في الشارع، كما يُسَمَّى، الذي طالت مدّته كثيرا هذه المرة، قد تعرّض (ولا عجب في ذلك) للإستغلال من بعض ساسة الحكم، ومن أولياء نعمتهم في الخارج، تمويلا وتحريضا وتوجيها. والدولة قمعته هنا، وغضّت النظر عنه هناك، بطريقة إستنسابية، ثم خدّرته، مؤقتا، وتكرارا، بالوعود، وادّعت أنها تتفهم حاله وحاجاته. والشعب، بين وعد ووعيد ومماطلة ساسة الحكم في الإستجابة لمطالبه، ما يلبث أن يملّ ويتعب من نفسه ومن الدولة، وسرعان ما ينسى ويهدأ... ولكن، إلى حين. ثم يستفيق من جديد ويجدّد صراخه واعتصاماته وثورته في الشارع وضغوطه على الحكم، دون أن يحقق أي نجاح سريع في الحصول على مطالبه المحقة، وأوّلها إيقاظ ضمير الساسة من سباته العميق، وإجبارهم على تغيير تفكيرهم وسلوكهم، وعلى تخليهم عن كبريائهم وأنانيتهم ولغة الكذب والخداع والكيدية، والإتفاق فيما بينهم على العمل الجدّي الصادق، معا، في خلق حكومة جديدة (بعد مناورات وتمثيليات إستقالة الحكومة القديمة تحت ضغط الشارع) أعضاؤها غير مُتَّهمين بالفساد، وغير مرتبطين برموز الفساد المعروفين في الداخل والخارج، حكومة توحي بالثقة لكل أبناء الشعب، يعمل أعضاؤها كفريق عمل واحد منسجم، من أجل "المصلحة الوطنية العليا"، أي وقف الهدر والسرقات وكسر القوانين والكذب والفساد في الدولة، واسترداد المال المنهوب، ومحاسبة الفاسدين على يد قضاة نزيهين، أحرار، غير خاضعين لمال وسلطة الساسة، ووقف إستغلال المصارف (التي يملكها بعض الساسة) والصرافين والتجار والشركات (وكلهم حلفاء للساسة) لألم الشعب الفقير ولقمة عيشه، من أجل تحقيق أرباح هائلة جراء تلاعبهم بقيمة الليرة اللبنانية بالنسبة للدولار. ثم...يأتي دور الساسة العظيم في التضحية الطوعية بشيء يسير من "مكتسباتهم" وثرواتهم الهائلة (كما طلبوا مرارا من الشعب الفقير)، لإنتشال هذا الشعب المعذّب، الثائر، الذي لا "مكتسبات" له إلا في مخيلة وأوهام الساسة، من بؤر الفقر والبؤس والقهر والظلم والمذلة والقرف والحزن واليأس والغضب. إنها مجموعة إنجازات، هي بالأحرى معجزات، كم نتمنى لو تتحقق بالسرعة التي يريدها الشعب الثائر.

 

إن الشعب، كل الشعب، لا يحاسب ساسته وجها لوجه، بعد انتخابهم. لا يلاحقهم دائما، ليضعهم تجاه مسؤولياتهم، ويجبرهم جبرا على تحسين أدائهم وممارسة مهنة الخدمة بإخلاص وصدق، ويهدّدهم بالتوقف عن انتخابهم إن لم يتوبوا. ولكن الشعب (ولو أقل من نصف الشعب اللبناني) يعيد انتخابهم من جديد. الشعب هو، في الحقيقة، شاء أم أبى، الخادم المطيع لساسته الأسياد، لا العكس كما تفرض الروح الديمقراطية الصحيحة المفقودة عندنا في لبنان. كلمة "إنتقاد" و"محاسبة" الساسة لا وجود لهما في القاموس الطائفي لمعظم أبناء الطوائف وعابدي أصنامها، والويل لمن يحاول أن يتخطى "الخطوط الحمراء".

 

إنه من واجب الإعلاميين أن ينطقوا بإسم الشعب وأن يُعلِموه بما يجري، وينوٍّروه بالخبر الصادق والرأي الصائب، وأن يقيّموا أداء الساسة وأن يحاسبوهم، بإسم الشعب. غير أنهم، بمعظمهم، يجسّدون مصالحهم ومصالح الساسة، ويعكسون اصطفافاتهم المالية والسياسية والطائفية المتنوعة، بالنسبة لحكومات الخارج. كلمة "حقيقة" غير موجودة في قاموس معظم الإعلاميين، ولا كلمة "صدق".

 

وأما الساسة، فهم لا يخطر على بالهم ابدا بأن يحاسبوا أنفسهم على استلشاقهم واستهتارهم بمصالح الشعب، وهم لا يخافون أبدا من محاسبة ضميرهم لهم، ومن محاسبة الشعب المسامح، القصير الذاكرة، أي أبناء طوائفهم. قاموس الساسة خال من كلمة "خدمة شعب الوطن"، وخال أيضا من كلمة "وفاء للشعب". إن ساسة لبنان، القديمي النعمة وجديديها، هم، بالنتيجة، محظوظون جدا بمراكزهم الأبدية على عروش الحكم والعظمة والمال دون منافس، وهم من أسعد الساسة إطلاقا على وجه الأرض، في تاريخ البشرية جمعاء.

 

نودّ ، هنا، أن نطرح على أنفسنا سؤالا يشغل بالنا ويقضّ مضاجعنا، نحن، أبناء الشعب اللبناني الساذجين:

 

كيف السبيل إلى توعية الساسة اللبنانيين إلى حقيقة مأساة واقعهم المشين، ودفعهم إلى تغيير أنفسهم ونهجهم، وإلى الإتفاق على حلّ مشاكلهم ومشاكل الوطن بأنفسهم، بالحوار الصادق والإصغاء بتواضع إلى بعضهم البعض، وإلى التخلّص من سلطة الخارج المذلّة لهم جميعا ولشعب وطنهم، وإلى مقاومة رائحة المال والسلطة، وإلى خلق روح الواجب والصدق والخدمة والمحبة في نفوسهم تجاه شعبهم لا تجاه مصالحهم ومصالح شياطين المال والسلطة في الخارج؟

 

ونودّ طرح سؤال أخر:

 

كيف السبيل إلى إيقاظ الشعب اللبناني من سباته الأبديّ، ومن تطنيشه عن سلوك ساسته، وتستيره على أغلاطهم وعيوبهم وإهمالهم لواجباتهم في مجال خدمته، وكيف السبيل إلى إقناع الشعب بوجوب التنبّه الدائم لأداء الساسة، وبوجوب محاسبة السيئين منهم بعدم انتخابهم مرة ثانية وثالثة ورابعة، وإلى الأبد؟

 

نحن، أبناء الشعب اللبناني الساذجين، البسطاء، الأنقياء القلوب، في حالة حزن شديد. نخاف أن نقول، علنا، ما نقوله سرًّا، بأننا قد فقدنا الثقة بساستنا، ولم نَعُدْ نصدّقهم حتى لو صدقوا، لفرط ما عانينا، وما زلنا نعاني، حتى الساعة، من قلة صدقهم، ومن سوء أدائهم، ومن خبثهم وأنانيتهم وغرورهم وكبريائهم، ورفضهم لنور النصح والهداية. غير أننا لم نفقد الأمل والرجاء بمستقبل أفضل، ولا ننتظر معجزات من ساسة قد فُطِروا وتربّوا على حبّ المال والألقاب والمراكز والعظمة والباطنية، في بيئة طائفية هي في حال تنازع دائم للبقاء، تنازع مرير وعنيف. لذلك، نحن في حال رجاء صالح، وإصغاء كامل لمن عندهم الحكمة والأجوبة والحلّ من النخب الواعية كافة، خاصة النخب الروحية والتربوية والفكرية والإعلامية والنقابية والسياسية، ولجميع من بيدهم حبل النجاة وخشبة الخلاص لشعب مقهور، هَلِع، مُخدّر بثقته العمياء، المسحورة، بزعماء طوائفه. إن الشعب (بأكثريته الصامتة)، وحده، دون قيادة نخبه الصالحة، الحكيمة، له، لم ولن يحرّك ساكنا لإيقاف عواصف أطماع زعماء طوائفه، وطيشهم، وعمى بصائرهم، من خلال توحيد صفوفه وصوته في الإعتراض والتظاهر السلمي والصراخ وحتى العصيان والتمنّع عن دفع الضرائب.

 

إن سفينة الوطن لها أكثر من قبطان واحد. كلّ الزعماء يريدون، بإصرار، الإمساك بدفّة القيادة، ويتناتشونها بعناد وكبرياء وشهوة وكيدية، والأمواج العاتية تتقاذف السفينة في كل الإتجاهات. كل قبطان يعتمد على بوصلته الخاصة التي تدلّه على نجمه الساطع في سماء مجده الشخصيّ لا مجد الشعب والوطن، وعلى منابع قوته، ومناجم المال والماس والذهب في نعيم دول الخارج. كل قبطان يشدّ باتجاه مختلف ومعاكس بحسب ما تشتهي رياح مصالحه هو وحده لا مصالح الشعب اللبناني الغارق في بحار الفقر والقهر والوحشة. أما سفينة الوطن الممزّقةُ أشرعتُها، فإنها تبعُدُ، كل لحظة، عن ميناء الأمان والسلام، في لجّة بحرٍ خَطِرٍ، مجهولِ الآفاق والأعماق، يعجّ بأشداق الحيتان وكلاب البحر الجائعة.

 

ثمة قول شائع في لبنان يردّده الجميع: إذا غرقت السفينة فسيغرق معها الجميع. في الحقيقة، إن ساسة لبنان لا يغرقون أبدا، في حال غرقت سفينة الوطن. إن الشعب وحده يغرق. الساسة يملكون دائما كل وسائل التنقل الخاصة، السريعة، جوًّا وبرًّا وبحراً، وكل سبل النجاة الآمنة بأنفسهم هم وعيالهم وحلفاء المال والأعمال. إن مالهم وحصانتهم يأخذانهم إلى حيث يشاؤون. إن قلبهم موجود حيث كنوزهم مخبوءة. وهم يخبئون كنوزهم في بلدان الخارج الآمنة، التي سرعان ما تصبح أوطانا جديدة، مؤقتة، لهم، ريثما تعود الأشياء إلى طبيعتها في الوطن المعذَّب. ثمة شواهد كثيرة على هذا الواقع المحزن في تاريخ لبنان الحديث، لمن يقرأ التاريخ ويعتبر بأمثولاته.

 

أجل، نحن، أبناءَ الشعب اللبناني الساذجين، البسطاء، الأنقياء القلوب، ما زلنا، رغم كل شيء، نأمل بنعمة الخلاص من الغرق في بحور الشرّ. وما زلنا نأمل أن ينتهي درب الآلام الطويل للشعب اللبناني وهو يحمل صليبا ثقيلا يتناوب الساسة على صلبه عليه كل يوم، وعلى جلده وطعن جنبه بحربة، وإعطائه مُرًّا وخلًّا في ذروة عطشه وألمه ونزاعه، أجل، ما زلنا نأمل أن ينتهي درب الآلام وعمليات الصلب بفجر قيامة للشعب اللبناني، وسوف تحدث معجزة القيامة، لا محالة، بقوة إيماننا وصبرنا ووحدتنا، وبقوة جهادنا الروحيّ الصادق من أجل الكمال، وبقوة جهادنا السلميّ بالعقل السليم والكلمة الطيبة والإرادة الحسنة، من أجل تحرير أنفسنا وعقولنا وإرادتنا ولغتنا ووطننا من أصفاد الجهل والتعصّب والخوف والكسل والإنحطاط ونزاع الموت الروحي والحضاري البطيء، ومن تقاليد عبادة الأوثان، أوثان الذات والزعيم والطائفة والعائلة والمال، ومن طغيان وظلم ساستنا وساسة العالم واستعبادهم لنا، وبقوة العناية السماوية الأمينة، وسهرها الدائم على الوطن المعذّب، لبنان، لمساعدته على تحقيق ذاته، وتحقيق رسالته، رسالة المحبة والسلام، في أدغال عالم مفترس، متوحّش.

 

 

النهضة نيوز