إعلاميو كعب الأحبار ومرتزقته

بهدوء...ففي زحمة الأحداث المتعاكسة للتاريخ الصحيح  وللمذهب الواضح ظنَّ بعض الجياع في لبنان والثائرين منهم إن دخلوا دار مسجد الأمين فهُم آمنين فكانت أبشع الصور القمعية لأزلام السُّلطة وميليشياتها  من أصحاب الياقات المرقَّطة، فلهذه الغاية كانت تُستباح الدولة بجيوش الموظَّفين العاطلين من العمل وحشْوِهم في الإدارات والمؤسسات لإستخدامهم بعد إقتراب هذه اللَّحظة التاريخية التي يلتفُّ فيها حبْل الحساب على رقاب من سرق ونهَب ووزَّع الرُّيوع من الأموال العامة على محاسبيه ولإستخدامهم في سحْل المتظاهرين وحرق خيمهم التي ظنُّوا أنَّها آمنة، فهم مستعدُّون لحرق البلد  لا بل حرقوه بناسه الجائعة فكيف بخيم التظاهر والإحتجاج..؟؟؟


لا أحد يقدر أن يحدِّد للناس الجائعة والمعترضة خريطة طريق تحرُّكها على كامل الجغرافيا لرمي التُّهم المذهبية والطائفية عليها، فلا أحد منكم كلَّفه الله ولا وليَّ نعمتكم إعطاء شهادات في الوطنية والموقف، خصوصاً من أذناب السلطة ومنتفعيها وإعلامييها المأجورين فلَنا بهم ومعهم موقف آخر سيتمُّ التعامل في حينه.


يُتحفنا بعض الإعلاميين من خريجي مدرسة كعب الأحبار في التنبُّؤات المستقبلية لمصير البلد وسيرورة أبنائه الآخذين لبنان ومنجزات أبطاله من ميليشيا الطوائف والأحزاب نحو الخراب، وكأنَّهم تركوا لنا وطناً وقوىً أمنية وجيشاً ومؤسسات، وكأنَّ هذه الأحزاب في السلطة لم تؤلِّه حكْم المصرف ولم تستبح أموال الناس ولم تسرق خيرات البلد، فلم يتنبأ هؤلاء  من إعلاميي كعب الأحبار عن ثقافة الغزو والسَّلب والغنيمة التي مارسها أهل السلطة وأزلامهم ومحاسيبهم..إنها مأساة العُقْم في لإنتاج والتناسل.


الإنتفاضة في لبنان تسير بخطى الثورة في التغيير، فما حصل قبل أيام أمام المصارف وردَّات الفعل لقوى سياسية بمختلف توجَُهاتها تدين العمل الثوري بحقِّ المصارف وجمعياتها قد أعاد توازن القوى بالمنطق الثوري وتدرُّجاته، وما حصل كذلك من أعمال عنف في ساحة الشهداء أمام مبنى المجلس النيابي  وإستقدام مجاميع من المتظاهرين من محافظات شتى الى بيروت كانت بداياتها مدبَّرة من قوة السلطة المذهبية الحانقة على هجوم المصارف، لكن وفي لحظة غضب ثورية أفلت زمام الأمر من يديها فتنصَّلت من الناس وأدانت أعمال الشغب وإستذكرت بيروت وساحات الحرب وعدم تحويلها الى ساحات دمار.


فكل ما يجري يتم في نسق السياق الثوري المتدرِّج الذي ينزع الشرعية عن أحزاب السلطة ويشلُّ عمل المصارف وتحكُّمها برقاب الناس ويُعيد تكوين تمثيل الشعب من جديد بالدعوة الى إنتخابات نيابية مبكِّرة كحلٍّ أساسي وجذري وفق قانون نسبي خارج القيد الطائفي ولبنان دائرة واحدة، وطبعاً من دون إستخام نظريات كعب الأحبار الإعلامية التي تقيس مزاج الناس وتوزِّع شهادات الوطنية والسلمية في التعاطي مع أحزاب السلطة وميلشياتها التي تلبس على مزاجها تارة ثوب الوطنية وطوراً ثوب التمذهب والتطييف.


إنها معركة التحرر الوطنية التي يخوضها ثوار لبنان ضدَّ حكم المصارف الداعم لقوى السلطة والمشكِّل الواجهة الأساسية لحكمها ولقوى وميليشيا الأحزاب الطائفية الناهبة والسارقة للمال العام والتي تكالبت على الناس الجائعة عندما شعرت بخطورة الإقتراب من سقوط آلهة التمر المصرفية وربها الأعلى...كلا فلن تحكموا بعد اليوم.


  بكل صراحة نقول أن  الأزمة  في الاساس  ليست بحزب الله او بالمقاومة بل بالأحزاب الملتحقة به والمتلحفة بعباءته وتريد الدور المفقود منها حتى ولو على حساب الشعب وبالدم..فهي ازمة عُقم في انتاج سياسي  لأحزاب هَرُمَت وشاخت وتعفَّنت وتريد من المقاومة رافعة دائمة لها من دون أن تساعدها في إجتراح الحلول..وفي كل مرة يطل حزب ما في زاروب أو زقاق ما برأسه يريد مقعداً وزارياً  أو مقعدين أو ثلاثة، وكأن ما يجري منذ ما يقارب المئة يوم من شلل تام وإنتفاضة شعب لا تعنيه بل في فضاء وكوكب آخر.


فالمسار الثوري يسير بخطى واضحة وصحيحة ولكلِّ الحريصين على أموال الشعب ومطالبه المحقَّة ولكلِّ من أتْحفنا بالحرص على منجزات الثورة نقول كفاكم كذباً وتدجيلاً ونفاقاً فأنتم تربى بداخلكم بدويٌّ متمذهب صغير يكبر في كلِّ يوم ولا يمكنكم التخلُّص منه...فلا بتكليف حسان ياب ستئدون ثورة شعب ولا بالمماطلة في التأليف الحكومي ستخرج الناس من الشوارع وعلى الرئيس المكلف اليوم توضيح ما يجري معه من عرقلات حكومية وإلاَّ فإنَّ مدته الزمنية قد تجاوزت الوقت المحدَّد، واليوم لا أحد يستطيع أن يضبط ساعته إلاَّ على توقيت الثورة وحركة تحريرها.

د.رائد المصري/أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت