من نتائج العمق الإستراتيجي الإيراني في أفغانستان

الرئيس الإيراني ونظيره الأفغاني

لكل دولة في العالم أستراتيجية دفاعية وأخرى هجومية في التعامل مع المخاطرالتي تهدد المجال الحيوي للدولة، فحين ما تحرص الدولة على التغلغل وخلق حلفاء محليين في دول مجاورة  لها تحت ذرائع عقائدية أو أثنية أو حتى تاريخية فأنها تضع نفسها في سياق الاستراتيجية الدفاعية التي تودي في نهاية المطاف أعادة أنتاجها كورقة ضغط تؤدي الى كبح جماح أي هجوم أجنبي قد يستغل البعد الجغرافي كخاصرة رخوة تهدد النظام القائم في الدولة.

 

ومن الدول التي تهتم باستراتيجية الدفاعية، الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث نجحت في ترويض السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة لصالحها خصوصا بعد الإطاحة بنظامي طالبان في أفغانستان وصدام في العراق مستغلتا فشل الاستراتيجية الأمريكية لبناء الدولة الديمقراطية فيهما.

 

وحيث تمخض الدعم الإيراني لحزب الوحدة الإسلامي ذو الميول الشيعية في أفغانستان كردة فعل على استمرارية الاتحاد السوفيتي في أبرام عقود التسليح مع الجانب العراقي أبان الحرب العراقية الإيرانية، من خلال مشاركة الحزب بكفاءة في مقاومة التدخل السوفيتي في أفغانستان لمدة ١٠ سنوات، في حين أستمرت أيران في تدريب و تسليح الأفغان من عرقية الهزارة  و بعض أطياف الأقلية الطاجيكية ، وبعد سقوط النظام الشيوعي في أفغانستان واشتعال الحرب الأهلية بين فرقاء المقاومة الأفغانية، وجدت أقلية الطاجيك والتي تتخذ من وادي بانشيرمعقلا لضالتها في أيران، حيث تمثل هذه الأقلية نحو ثلث سكان البلاد. والطاجيك عرق فارسي يختلف جذريا عن غيره من شعوب وسط أسيا التركية وهم أقرب ثقافيا وفي العادات والتقاليد الى الشعب الإيراني والسمة الفارقة معهم هو أن المذهب الفعلي للطاجيك هو المذهب السني على فقه أبن حنيفة كغيره من شعوب وسط أسيا.

 

فالطاجيك في أفغانستان أقلية متنفذة بفعل مشاركتهم السياسية الفعالة بالأضافة الى أبتعادهم عن الأستقطاب العرقي و التي تقوم به حركة طالبان حيث يمثل البشتون عماد الحركة الفعلي، ولذلك يميل الطاجيك الى التعامل الأجتماعي مع الحكومة من حيث الوظائف الحكومية و التعليم في مدارسها والخدمة العسكرية  و الأستخبارات وهذا ما أدى الى تغلغلهم في مؤسسات الدولة مدنية كانت أم حرجة على مر السنين في حين يميل البشتون وهم العرق المنافس للطاجيك للعيش في الأرياف و المحافظة على أرثهم الثقافي و نبذ التصوف على عكس نظيرهم العرق الطاجيكي.

 

و لما كانت الولايات المتحدة تحاول جاهدتا الحصول على البديل الفعلي المناسب لطالبان، واجهت مصاعب حثيثة من خلال رفض البشتون وهم يمثلون 40% من الأندماج في داخل المجتمع المدني الحديث، ف جرت الأسقاطات الوراثية البشتون الى التحزب و التخندق خلف الحركة، بعيدا عن أي عملية سياسية ، في حين فشلت أقلية الأوزبك و التي تشكل حوالي 8% من تعويض هذا الفارق ولذلك نجح الأئتلاف الهزاري الطاجيكي المقرب من أيران كبديل فعلي و بقدر مكافئ لنظيره البشتوني في أفغانستان.

 

و لما أوقفت الولايات المتحدة المساعدات المالية و العسكرية لباكستان، بفعل شكوك حول دعمها لحركة طالبان بالأضافة الى أتهامات بأحتضانها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، فوجدت باكستان حتمية قطع علاقاتها القديمة مع الجماعة خصوصا في ظل الأنهيار الأقتصادي المتسارع و أختلاف أستراتيجية باكستان في التعامل مع الملف الأفغاني و المنطقة بفعل صعود الهند بالأضافة الى الرضوخ للضغوط واشنطن من خلال الأمال التي وضعتها باكستان  لعودة تلك المساعدات بعد حقبة ترامب.

 

الأمر الذي حذى بجماعة طالبان الى الأرتماء في الأحضان الأيرانية، من خلال تلقي الأسلحة و الأموال.  مستغلة بذلك  طول الحدود الجغرافية و الأمتداد القبلي في منطقة بلوشستان و ضعف تجهيزات الجيش الأفغاني و المحصلة نفوذ أيراني في داخل مؤسسات الدولة الحرجة والناعمة، و تحالف مهادن غير مباشر مع حركة طالبان، الأمر الذي أدى جليا الى فشل أستراتيجية واشنطن في أفغانستان و جرها صاغرة الى مائدة طاولة المفاوضات.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز