علي بن مسعود المعشني|  دولة الكرامة العربية .. الدولة الناصرية أنموذجاً

علي بن مسعود المعشني 

أحاول جاهداً في مجموعة المقالات التي تحدثت فيها عن الديمقراطية كخيار ، وعن الدولة العربية ومعاناة النهوض ، ودور أدوات الديمقراطية المفترضة ــ الأحزاب والنُخب والبرلمانات والمجتمع المدني ـــ في إنتكاسة الأمة العربية بدلاً من ارتقاءها ونهوضها .

وبالتالي البحث عن الأسباب الحقيقية لتعثر دولة الاستقلال العربي والبحث فيها، لمحاولة العثور على ما يمكن أن نبني عليه هذه الدولة وبالتالي سلامة التجارب في الأقطار العربية لاحقاً طالما توفرت لنا بوصلة الاهتداء وطوق النجاة. ولا يمكننا تلمس النهوض الخاص بنا كعرب ، بالهروب إلى الأمام والمزيد من الاجتثاث وحرق المراحل السابقة وطمس معالمها وحقائقها جملة وتفصيلاً بزعم بناء أوطان الغد ، والتي برهنت التجربة الماثلة أمام أعيننا فشلها الذريع كون تلك السياسات ــ إن كانت كذلك أصلاً ـــ ما هي إلا البناء فوق الأنقاض الهشة وليست على أسس راسخة يرجى منها الثبات والإثمار .

لذا فما يهمنا هنا أن نستعرض بكل تجرد التجارب الكبرى والمفصلية في تاريخ أمتنا المعاصر ، ونضعها تحت مجهر البحث والتحقيق لتقييمها، وتحت مشرط الجراحة لتجميل ما أشين منها وعابه الفهم أو التطبيق ، حتى تتكون لدينا حصيلة وزاد حضاريين بما يمكننا من الثبات والرشاد ، ومواجهة أنفسنا قبل أن نواجه الآخرين .

لعل التجربة الناصرية في تاريخنا العربي المعاصر، هي الأكثر جدلاً وتأثيراً، ولعلها كذلك أول تجربة عربية خالصة الأدوات والجهد والفكر ، لإقامة النموذج القدوة وبوصلة الإهتداء نحو الرقي الحضاري وفهم لغة الصراع وأدواته وأساليبه فهماً عميقاً ومواجهته بجسارة وثقة وإرادة صلبة.

ولابد لنا هنا من بعض التشريح لواقع مصر والمفاصل التاريخية للنهوض وأدواته لنقف فيما بعد على أسباب تخلف مصر لاحقاً عن ركب التطور والتقدم والريادة والتأثير ، وبالتالي تخلف الأمة بجميع أطيافها ومكوناتها بالتداعي والنتيجة لدور مصر القلب والنواة .

عرفت مصر أول برلمان عربي عام 1829م في عهد محمد علي باشا (1769 ـــ 1849م) بإسم مجلس المشورة ، ويتكون من كبار التجار والأعيان والعُمد والمشايخ والعلماء .

قام مجلس الشورى في عهد الخديوي إسماعيل (1830 ــ 1895م) عام 1866م وكان يتكون من (75) عضواً ينتخبهم الشعب مدة ثلاثة سنوات من طبقة كبار الملاك للأراضي الزراعية .

عرفت مصر الحياة الحزبية الرسمية منذ تأسيس أحمد لطفي السيد لحزب الأمة عام 1907م ، وتوالت الأحزاب بعد ذلك لتصل إلى 24 حزباً في عهد الرئيس حسني مبارك، وتبلغ اليوم 41 حزباً .عرفت مصركذلك الجمعيات الأهلية منذ عام 1821م ، ويوجد فيها في الوقت الحاضر أكثر من 16800 جمعية . كما عرفت مصر التنوير والتعليم الحديث منذ عقود طويلة ، إضافة إلى دور الأزهر التاريخي ، الأمر الذي يفترض أن يُشكل لها كل ذلك مجتمعًا ، مناخاً سوياً ومثالياً للنهوض والتقدم .

فقد كانت في مصر عام 1898م تصدر (169) جريدة ومجلة ، وبلغ عددها عام 1913م (282) المنتظم منها المُقطم ، الأهرام ، اللواء، المؤيد، الوطن، والجريدة . وكانت تُعبر عن أراء سياسية وأعمال فكرية ذات قيمة عالية (1)

تأسست جامعة القاهرة عام 1820م في عهد محمد علي باشا وأصبحت تُعرف عام 1908م بإسم الجامعة المصرية ثم جامعة فؤاد الأول ، فجامعة القاهرة بعد ثورة يوليو 1952م ويتخرج منها سنوياً – في العقود الأخيرة -  ما يزيد على 155 ألف طالب وطالبة .

يوجد في مصر اليوم (23) جامعة حكومية و(10) جامعات خاصة ، ويبلغ عدد الطلاب المقيدين في التعليم الجامعي والعالي مليونان و413 ألف و38 طلب وطالبة لعام 2010/ 2011م .

مجموع الخريجين من الجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد العالية والأكاديميات والثانويات التخصصية يفوق الـ 800 ألف طالب وطالبة سنوياً (وفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بمصر) ناهيك عن أعداد الخريجين من أبناء المصريين المغتربين في الخارج وهذه الأرقام بمجملها (جامعات ومؤسسات تعليمية ومخرجات)لم تتغير منذ بضعة عقود إلا بنسب طفيفة .

المتأمل في هذا المشهد التاريخي والواقعي والمعطيات لابد أن تصيبه الدهشة والإستغراب ، من عدم نهوض مصر رغم كل هذا الموروث الكبير والمكونات الثرية والأدوات الضرورية للنهضة واشتراطاتها إضافة إلى تنوع التجربة وعمقها التاريخي فلو كان هناك من إقليم عربي أولى وأحق بالنهوض والتقدم لكانت مصر وبلا منازع أو جدال !! ولكن يبدو إن هناك عوامل أخرى غير مرئية وأقرب إلى مضمون المثل الإنجليزي : "الشيطان في التفاصيل "!! وهو ما سنقف عليه لاحقاً .

حين نستحضر المشهد التاريخي والسياسي لمصر المعاصرة منذ عهد محمد علي باشا ، إلى عام 1952م ، نجد مختصراً مفيداً له في أهداف ثورة يوليو 1952م ، وقبلها أسباب الثورة .

والتي تمثلت في الآتي :

1ـ الهزيمة في حرب فلسطين عام 1948م .

2ـ إنتشار الفساد والرشوة في الجيش .

3ـ عدم إستقرار الحكم .

4ـ تآمر الخونة والمرتشين .

5 ـ تولي أمر الجيش رجال فاسدون .

أهداف الثورة :

1ـ القضاء على الإستعمار وأعوانه

2ـ القضاء على الإحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم

3ـ القضاء على الإقطاع

4ـ إقامة عدالة إجتماعية

5ـ إقامة جيش وطني قوي

6ـ إقامة حياة ديمقراطية سليمة

أهم إنجازات ثورة يوليو 1952م :

1ـ تأميم قناة السويس عام 1956م وجعلها تحت السيادة المصرية الخالصة بعد إن كانت ملكيتها لفرنسا ، وتمويل السد العالي من دخلها (والذي أختير من الأمم المتحدة كأعظم مشروع في القرن العشرين)

تأميم قناة السويس

ففي 26 يوليو1956م أعلن الرئيس المصري جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس ونقل ملكيتها من الحكومة الفرنسية إلى الحكومة المصرية مقابل تعويضات تمنح للأجانب المالكين لحصص التأسيس وأسهم بقيمتها مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون في بورصة الأوراق المالية بباريس ويتم دفع هذا التعويض بعد إستلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة (من المادة (1) من قرار التأمين) .

ــ رداً على هذا القرار قررت الحكومة البريطانية تجميد الأرصدة المالية لمصر في بنوك إنجلترا .

ــ يعتبر قرار التأميم متفرداً في التاريخ السياسي إزاء مرفق حيوي وإستراتيجي وهام كقناة السويس ، بعد أن عرفت البشرية سابقاً ولاحقاً قرارات تأميم بداخل جغرافية البلدان وبحدود سيادتها كذلك ، كشركات : نفط أو تأمين أو بنوك وخلافه.

ــ بدء العدوان الثلاثي بحرب صهيونية على مصر في 29 أكتوبر1956م تلاه تهديد بريطاني / فرنسي بإنسحاب الطرفين المتنازعين لمسافة 10 كيلو مترات على ضفتي القناة (أي تسهيل إحتلال جديد للقناة بالقوة المسلحة) الأمر الذي رفضته مصر فتدخلت الدولتان مباشرة ويعتبر تأميم قناة السويس ومن واقع النتائج كالبقرة الحلوب التي تدر ذهباً على مصر والمصريين لعقود طويلة(3 مليارات و700مليون دولار سنوياً )

2ــ الإنتصار في العدوان الثلاثي على بريطانيا / فرنسا / الكيان الصهيوني عام 1956م .

3ــ تأكيد قدرة مصر على الوقوف في وجه القوى الكبرى .

4ــ تأكيد حق الدول في السيطرة والسيادة على مواقع إستراتيجية تملكها كقناة السويس .

5ــ قدرة دولة صغيرة على مواجهة قوى كبرى وبسط ذلك كثقافة بين دول الجنوب على وجه الخصوص .

6ـ سقوط حلف بغداد والذي أسسته بريطانيا عام 1955م بزعم الوقوف بوجه المد الشيوعي وضم حينها كل من بريطانيا ، العراق، إيران ، وباكستان . وفي حقيقته نواة لمشروع الشرق الأوسط (القديم الجديد) والذي يرمي إلى بسط النفوذ والسيطرة الغربية المطلقة وتفوق الكيان الصهيوني على هذا الكيان الحلم تفوقاً مُطلقاً وقيادة.

وقد عُرف بإسم "منظمة حلف الشرق الأوسط " .

7ــ إنسحاب فرنسا من شمال أفريقيا وإنتصار ثورة الجزائر .

8ــ فتح أبواب التغيير في أفريقيا وبزوغ حركات التحرر في العالم .

9ــ بزوغ نجم القومية العربية وتأكيدها كهوية ومشروع حضاري .

10ــ إنطلاق التنمية الإقتصادية على قاعدة مصرية خالصة .

11ــ إلغاء إتفاقية الجلاء مع بريطانيا .

12ــ تأميم البنوك والشركات البريطانية والفرنسية .

13ــ إلغاء الملك حسين للإتفاقية الأردنية / البريطانية عام 1957م.

14ــ قانون الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية .

15ــ التوسع المظطرد في الصناعات التحويلية .

16ــ التوسع في التعليم المجاني في جميع المراحل .

17ــ تعزيز دور الأزهر الشريف العلمي عبر توسعه في تدريس العلوم التطبيقية إلى جانب العلوم الشرعية .

18ــ تعزيز دور الأزهر الدعوي لنشر الإسلام والتعريف به حتى أصبح دوره في ذلك واضحاً وجلياً في قارتي آسيا وأفريقيا وبلغ نسبة المهتدين إلى الإسلام 7 من كل 10 أشخاص وفق تقرير للمجمع الكنسي العالمي .

19ــ الإهتمام بالقرآن الكريم ودعم طباعته وتفاسيره وتسجيلاته بعدد من اللغات ونشرها العالم .

يبدو جلياً بأن ثورة يوليو 1952م ، كانت مصرية خالصة في اسبابها وأهدافها، ولكنها بحكم التاريخ والجغرافيا ولغة الحضارة وأدوات صراعها، تحولت قسراً إلى ثورة عربية ومارست مصر / عبد الناصر دور القلب والنواة والهامة للأمة فإستجابت الأطراف كمفعول السحر لتلك المعادلة الجوهرية التاريخية .

في التاسع من مارس عام 1954م كادت الثورة أن تعيد إنتاج الفشل لو إستجابت لحشد الأخوان المسلمين للجماهير والتي زحفت على قصر عابدين مطالبة الثورة والثوار وتحديداً العسكر العودة إلى ثكناتهم وتسليم السُلطة للمدنيين .

أعتقد جازماً بأن الثورة لو إستسلمت لتلك المطالب بزعم عودة الحياة السياسية والمدنية للدولة، لفقدت عبقريتها وسر عظيم من أسرار نجاحها وتألقها في سماء العروبة والعرب والقومية العربية لـ 18 عاماً يستحيل إنجازها أو محوها أو تجاوزها تحت أية ذريعة أو سبب أو إدعاء .

عبقرية ثورة 23 يوليو 1952م ــ وفق قناعتي وقراءتي لنتائجها تمثلت في القطيعة التامة مع موروث مصر من الديمقراطية الليبرالية بكل أشكالها وأدواتها ، وبالتالي نجحت الثورة نجاحاً باهراً في قطع جميع الأقنية والشرايين والعيوب التي تسلل من خلالها العدو التاريخي للأمة وهو الغرب ، والذي وجد نفسه - ولأول مرة في تاريخ الأمة العربية المعاصر- خارج التاريخ والجغرافيا والتأثير والتبعية والتقليد والمحاكاة . 

 هذه الكارثة التي حلت بالغرب من جراء نجاح ثورة يوليو، أصابته بالسعار بكل معنى الكلمة وهذا ما لخصه هارولد ماكميلان( 1894ــ 1986م )رئيس وزراء بريطانيا (1957ــ 1963م) في مقولته الشهيرة : (إن نجاح عبدالناصر شجع فجأة الحركات القومية وجعلها تتصور أنها قادرة أن تسحق بريطانيا . ولو أن جمال عبدالناصر " إشتغل بمصر وحدها" لما كان الخطر كبيراً على مصالحنا في العالم كله . وإنني أقول لكم بصراحة إن جمال عبدالناصر كان أخطر على مصالحنا من الإتحاد السوفيتي ، ولم تستطع كل جهود روسيا إضعافنا كما إستطاع أن يفعل عبدالناصر ).

من هنا يمكن القول بأن عبدالناصر لم يكن خطيراً بالنسبة للغرب لو ألغى الحياة السياسية ومدنية الدولة المصرية ، ولن يكون خطيراً كذلك لو أمم قناة السويس وبنا السد العالي ، ولن يكون خطيراً أيضاً ــ وكما قال ماكميلان ــ لو إشتغل بمصر وحدها ، بمعنى حتى لو طرد الإنجليز والفرنسيين وأعوانهم وألغى الإتفاقيات معهم .

الخطورة الكبرى لعبدالناصر أنه لامس الجرح وفهم مفتاح الصراع وأدواته وإحتكم إلى نواميس التاريخ والجغرافيا وأحكامها لمصر التاريخ والحاضر والمستقبل ، بأن قدرها أن تكون القلب والنواة للأمة العربية وبالتداعي الأمة الإسلامية ، من هنا فقد أيقن عبدالناصر بأن العودة إلى الثكنات هي العودة إلى المربع الأول وإستدعاء الفشل وإنتاجه ، وبالتالي لا نهوض ولا عزة ولا كرامة لمصر، ومن ثم تجلت له الصورة الأشمل وهي لا عزة ولا كرامة لمصر دون تغيير واقع الأطراف والنهوض كجسد واحد، والذي مزقه الغرب وتكالب عليه بوعود بلفور وسايكس بيكو لأن الغرب يعلم جيداً بأن عافية هذا الجسد تعني إعتلاله وزوال عرشه وسطوته ومجده . وحين باغتته ثورة يوليو كالعنقاء من تحت الرماد شعر بمنيته وزواله رغم أن جميع الأطراف تحت سيطرته وإحتلاله أونفوذه !!

المتأمل في الحقبة الناصرية ، يجدها سنوات تحدٍ وكرامة وكبرياء بكل جلاء ، رغم المؤامرات الداخلية والخارجية والتي لم تنقطع يوماً واحداً عن مصر وثورتها لزعزعتها والإنتقاص من تأثيرها ومدها وتألقها ، فقد أصيب الغرب بفضل ثورة يوليو في صميم كبره وكبرياءه .

لهذا لم تكن مصادفة أو عبثاً أن يلجأ الغرب إلى سياسات تجفيف الناصرية وثقافتها بإصرار ومثابرة منذ عام وفاة الزعيم جمال عبد الناصر في 28/9/1970م وإلى يومنا هذا .

ولو قُدر لمن خلف عبد الناصر أن يمضي على نهجه ويُهذب خطاه ويُقوم ما أعوج فيها وينقح أخطاءها وعثراتها ككل خلف صالح ، لكان لمصر وللعرب وللمسلمين من خلفهم شأناً عظيماً اليوم ، ولما تكالب علينا اللئام وجعلونا حقل تجارب وأضحوكة بين الأمم .

وبالشكر تدوم النعم

مسقط :2012 – 10 – 13م

النهضة نيوز - بيروت