الإقتصاد الإيراني وانعكاسات السياسة, مشاهدات الرحلة الأخيرة.

 

كان لابد لي من زيارة أخرى لطهران وتبريز هذه المرة لكي أتمكن من الإحاطة ولو بقدر قليل من دهاليز الإقتصاد الإيراني، وللحديث عن الشق الإقتصادي فإن الأمر  يتطلب الإعتراف أولا، أن الدول العريقة والتي تمتلك تاريخا طويلاً يمتد لآلاف السنين لم تكن لتمتلك هذا الحضور والعظمة، لولا وجود شعب بحجم هذا التاريخ وتكامل أدواته وأعني أن الشعب الإيراني من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب هو أهم أداة من أدوات الإنتاج في الإقتصاد الإيراني مع عدم إغفال ما تيسر له من القدر الكافي من المواد الخام والموقع الجغرافي والأرض المعطاءة، إذن فالشعب الإيراني لاينقصه شيء لكي يعود المحرك الأول للإقتصاد في غرب آسيا، كما كان التاريخ، حيث الصين في الشرق وامبراطورية فارس في الغرب، وهذا الأمر بالتحديد هو الذي يشكل أكبر هاجس سياسي وإقتصادي لدى الشعب والحكومة مجتمعين، وهذا طبعاً ما لن تسمح له أمريكا وحتى روسيا بأن يحدث في ظل وجود قوى إقليمية على إستعداد لمحاصرة إيران حتى على حساب أمنها القومي في الجزء الإقتصادي منه. إيران كقوة إقتصادية قادمة، أمر مفروغ منه إلا إن الحصار الإقتصادي الذي عاودت أمريكا فرضه من جديد كبح جماح قوة هائلة من الإنتاج وساهم في تكديس البضائع لدى المنتجين الذين مابرحوا ينتظرون الفرصة لغزو أسواق المنطقة، وبدوره شكل أداة ضغط داخلية ضد الحكومة الإيرانية وسياستها في المنطقة، حتى لو لم يذكر الإعلام ذلك، إلا أن هذا الحنق والتذمر بدأ يرتفع من البازار ومسيريه من التجار، ومتى ما أرتفع صوت البازار فإن التغيير قادم لامحالة.

 النقطة الأخرى في مجال الإقتصاد هو تدهور العملة وعدم ثبات سعر الصرف بأتجاه معروف وهو مايفسد كثير من العمليات التجارية مع المستثمرين الخارجيين ويضر بسمعة الإقتصاد ومتانته على جميع المستويات، عدا عن أنه ساهم في اتساع الطبقة الفقيرة التي لايكاد يصل معدل الدخل الشهري لديها لأكثر من مئتي دولار وانحسار القدرة الشرائية لديها وهو معدل متدني جدا في دولة يفترض أن يكون معدل الراتب الشهري للفرد بحدود ثلاثة آلاف دولار شهرياً.

 أحد اهم الأسباب أيضا هو أنعدام الحلول أمام الحكومة الإيرانية في تحريك عجلة الإقتصاد وخلق فرص عمل جديدة للشباب والشابات من الخريجين الجدد، لكي لا ينضموا لطوابير العاطلين ويشكلوا أداة من أدوات التمرد والإعتراض على الحكم والحكومة.

بقي أن نعرف أن إيران بعد أربعين سنة من عمر الثورة، باتت، ثالث أكبر إقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، تقوم بتصنيع ٦٠ إلى ٧٠ بالمائة من المعدات الصناعية محليا بما في ذلك التوربينات المختلفة والمضخات والمصافي وناقلات النفط والمنصات البحرية،والأبراج والأنابيب وأدوات الإستكشاف، وتمتلك إيران ١٦ بالمائة من إجمالي الإحتياطات في العالم للغاز الطبيعي.

رافق كل هذا النهوض الإقتصادي إن صح التعبير، النهوض في مختلف مناحي الحياة، كالرياضة والصحة والفن والعلوم الأخرى. 

لن أسهب أكثر من هذا القدر عن الشق الإقتصادي، لأعود وألخص الموضوع في النقاط التالية:

1- عدد الساخطين من الشباب على الحكومة يزداد يوما بعد آخر وهناك مؤشرات على تنامي التمرد عند هؤلاء الشباب.

٢- الحصار الإقتصادي بدأ يضغط على اهم أدوات الإنتاج وهما القوى العاملة والتاجر على حد سواء.

٣- تبدوا الحكومة عاجزة عن إيجاد حلول مقنعة تدفع بعجلة الإقتصاد نحو الإزدهار من جديد.

٤- اتبع وجود العوامل السابقة تراخي القبضة الأمنية والإجتماعية وساهم في إضعاف هيبة الدولة اتجاه خطوط حمراء كان من الصعب الإقتراب منها، مثل الإنتقاد العلني للمواقف المبدئية للجمهورية في الدفاع عن فلسطين ولبنان أو حتى من الناحية الإجتماعية فيما يخص سلطة علماء الدين والدعوة إلى إخراحهم من المشهد السياسي نهائياً.

٥-لايبدوا أن هناك ضوءا في نهاية النفق مع الضجيج الإعلامي حول شبح الحرب في المنطقة، وهو مايجعل إيران في عنق الزجاجة، وفي وضع سياسي وإقتصادي لاتحسد عليه.

٦-التحول نحو الحريات والديمقراطية أصبح ضرورة وليس خيارا ولم يعد منة من الحكومة بأتجاه الشعب.

٧-لم يعد مقبولاً بعد أربعين سنة من عمر الثورة وجود هذا الكم من المعارضين في الداخل والخارج، ووجود المعتقلات والإقامة الجبرية للعديد من الرموز الوطنية، والتضييق على الحريات الطبيعية، تشكيل الأحزاب، حرية النقد العام، الخ،،،. 

٨-بات على القيادة والحكومة الإلتفات إلى الداخل أكثر وتوجيه مداخيل النفط والتجارة نحو التنمية المستدامة وتقليل الإنفاق العسكري.

٩-تمتلك إيران الأمن القومي المتمثل في وحدة الشعب وتعاضده وقدرته على الوقوف ضد  أي محاولات للفتنة والهيمنة من أي قوة إمبريالية.

١٠- على إيران أن تجد مخرجاً مشرفاً أمام العقوبات الأمريكية بحيث تتجنب المواجهة العسكرية من جهة وتعاود تقويم العلاقة مع المحيط الخليجي والدولي، بما يفتح لها بوابة إقتصاد بسيطة التكاليف، ويضمن إستقرار المنطقة.

أعود فأقول أن لدى إيران شعبا يعتد بنفسه، ويفتخر بتاريخه، يحب وطنه، يناكف حكومته، يحترم قيادته، وهو بالتأكيد يستحق أفضل مما هو فيه الآن.