ميزان الوطنية ومعيارها في لبنان

بهدوء...فَمَن الذي أعطَى لنفسه آلة قياس وفحص الوطنية ومختبر الدَّم ليلاحِق الثوار والثائرين في لبنان لحفظ كرامتهم بالعيش الكريم وفي كلِّ زاوية ومفرق وشارع..؟؟؟ وبعيداً عن الحسابات السياسية في الربح والخسارة صارَ هناك مشروعان سياسيان في لبنان:الأول مشروع بناء الدولة الخالية من الفساد والمفسدين وسماسرة المال والنهب ، والثاني مشروع بقاء ميلشيا الطوائف ومحازبيها وأزلامها والتي لا زالت تنازع اليوم للحصول على الثِّقة علَّها تستطيع إكمال مشروعها القاتل للشعب اللبناني والذي بات على حافة القبور...ولا ثالث لهما.


لا نريد هنا الإكتفاء بجلد الذات بعد إنطلاق ثورة 17 تشرين وما وصلت إليه البلاد بفعل تعَنُّت السلطة السياسية وأحزابها وخوفها من الإقدام على البدء بالإصلاحات لأنَّ رؤوساً كبيرة ستسقط وسيسقط معها كبار السماسرة الدوليين في أوروبا وأميركا وغيرها من بلدان المافيات المالية والإقتصادية،وهنا تكمُن حقيقة موقف حزب الله وعجزه عن السير بمشروعه الذي طرحه قبيل الإنتخابات النيابية النيابية الأخيرة ووعد فيها ناخبيه والشعب اللبناني بالإستدارة صوب مكافحة الفساد...فتثبَّتَت صحَّة رواية ثورة 17 تشرين وطروحاتها التي أشَّرت مبكراً لعدم إئتمان هذه السلطة الفاسدة والتي جُرِّبت على مدى ثلاثن عام وكذبت.


لا دخل لنا بحكومة الرئيس حسان دياب ولا بكل الوزراء المنضوين تحت لواء الحكومة غير القادرة أصلاً على إجتراح أيِّ حلٍّ يتعلَّق بالمال العام المنهوب أو بوضع أصغر سارق داخل قضبان السجن، فهي حكومة تمرير الوقت ومعبر سياسي للطبقة الحاكمة التي أهانت وأذلَّت الناس كي تتهرَّب من المساءلة والمسؤولية أمام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي إذا بقي فيها من عدالة بحدِّها الأدنى لتأخذ بحقِّ الفقراء من أبناء بلادي الذين يتَّمتْهُم أيادي السلطة الطائفية التحاصصية ونهَشَت من لحمهم ضِباَع البنك الدولي وأدواته المحليين، وها هو رياض سلامة أوضح ترجمة لمدرسة الإفقار والقتل حيث لم يكتفِ بسياساته وهندساته المالية منذ عام 1993 الى اليوم، فهو يريد تدفيع الشعب اللبناني فوائد اليورو بوند والتي بلغت مقدرات أرباح الفوائد للمصارف اللبنانية ما يفوق 84 مليار دورلار أميركي .


 لا زال التآمر جارياً ما بين المصارف وجمعيتها وحاكم المركزي في لبنان وبين الطبقة السياسية على نهب لبنان وإيداعات المواطنين التي بلغت 186 مليار دولار دون حسيب أو رقيب، وعليه نقول :اننا أمام نظام إقتصادي حر ومفرط في حريته وتعولمه وعدم إنضباطه متزاوج ومتواطىء مع نظام برلماني طائفي مفرط في عنصريته ومبالغ في تحاصصيته، أعطى هذا الإقطاع السياسي المتوارَث وأصحاب المصالح المالية الكبرى فرص السيطرة الدائمة على الحكم وتسخيره لمصالحهم.


سلطة الطوائف وأحزاب الميليشيا والمذاهب تآمرت مع حاكم المصرف المركزي وجمعية المصارف وإتَّفقت على نهْب أموال المودعين من المواطنين اللبنانيين التي بلغت ما قيمته 88 مليار دولار أميركي فهذه السلطة وحاكمها المالي:
رفعت وتلاعبت بالدولار صعوداً وهبوطاً إشترى خلالها حيتان المال كلَّ العملات الأجنبية الموجودة في المصرف المركزي وبعد إرتفاع الدولار عادوا لشراء الليرة اللبنانية حيث بلغت أرباحهم 1200% بعدها يصدر رياض سلامة سندات خزينة بالليرة اللبنانية بفائدة 45% ولا  زالت الى اليوم ،فيتم على أساسها إستنزاف خزينة الدولة بما نسبته 90 الى 95% من موجوداتها.


هذه السلطة فاقدة الشرعية إلاَّ من قبل البؤر المذهبية ودكاكينها أبْرمت الصَّفقات بالتراضي وتضخيم المصاريف والمدفوعات العامة وعجوزات الكهرباءالمنظمة والمقصودة بحرفية متناهية، فجمعت ضرئب بقيمة 150 مليار دولار وإستدانت من الخارج 90 مليار دولار مع فوائد عالية ولديها أعباء ديون على الخزينة كالضمان الإجتماعي والمدارس والمهجرين والصناديق المالية(مجلس الجنوب، والإنماء والإعمار) بلغ ما قيمته 15 مليار دولار أي ما يفوق بالنهاية 250 مليار دولار وكل ذلك من دون قيود وبلا حسابات..إذن فالسنيورة ليس وحده المسؤول عن نهب وسرقة المال العام والعَبَث به....فلديه شركاء صاروا معروفين كمافيات دولية.


سلطة طوائف ومذاهب أنفقت 25 مليار دولار على الكهرباء ولا تزال أقل من 12 ساعة باليوم بالإضافة الى جباية 13 مليار دولار أي ما مجموعه حوالي 40 مليار دولار وليس هناك من كهرباء...بينما كلفة إنشاء معامل ومطابخ لها تبلغ مليار دولار أو مليارين بشكل دائم.


سلطة التحاصص وأحزابها أنْفَقت بدل فوائد ما قيمته 85 مليار دولار بعد أن قام حاكم المصرف المركزي بهندساته المالية بتقديم قروض طويلة الأجل للمصارف بقيمة 2% فتعود هذه المصارف لتودعها في المصرف المركزي بفائدة 6% و8% و10% و12%، ضمن سلسلة السرقات المقوننة بأسلوب هندسي حيث فقدت خزينة الدولة حوالي 80 مليار دولار.


ليس لدينا مع حكومة الرئيس حسان دياب شيء سوى أنَّها طبعة منقَّحة تختفي خلفها الوجوه الكالحة للطبقة السياسية وأحزابها التي نهبت البلد ولا تزال..فها هم يهدِّدوننا بدفع الفوائد على اليورو بوند في آذار المقبل وهي ذاتها الفوائد التي تسبَّب لنا بها حكم المصرف المركزي جراء هندساته المالية ولا يريد أن يوقفها أو إعاة جدولتها على الأقل..
حقيقة الإنتفاضة أو ثورة الشعب اللبناني اليوم هي حضوره في الساحات وإثبات قوته وجماهريته، حتى لو أخذت حكومة الرئيس دياب الثقة من برلمان فقد شرعيته علمياً  وعملياً ،فعندما يتسلَّل أصحابه الى الجلسة خلسة أو بحماية الأطواق الأمنية والعسكرية أو عبر إقامة الجدران والمتاريس التي عرفناها من جدران الفصل العنصري في فلسطين المحتلة...تبقى الثقة الحقيقية والشرعية المفقودة من الشعب وفي الساحات، وغير ذلك عبثاً تحاولون الإستمرار في الحكم، فهو ليس إلاَّ تمريراً للوقت وتشكِّل حكومة الرئيس دياب ممراً أو معبراً إجبارياً لها كي يهربوا ويتهربوا من المحاسبة في الأموال التي نهبوها وأودعوها المصارف في الخارج.

د.رائد المصري/أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

النهضة نيوز - بيروت