النظام السياسي العراقي, عيوب التأسيس

 

منذ سقوط النظام عام 2003 رافقت الجمهورية السادسة عيوب تأسيسية بسبب الظروف الاستثنائية من خلال إسقاط النظام بالتدخل العسكري أولاً ، وعبر قوات أجنبية أمريكية بالدرجة الأولى. 

 

عيوب تأسيس الدولة

تأسست الدولة العراقية بعد 2003 في ظل الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق الذي أسقط نظام صدام بالقوة العسكرية. هذا الأمر ألقى بظلاله على المشهد السياسي من خلال تحكم الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر في إرساء قواعد الدولة . وأول تشكيلة إدارية قانونية كان مجلس الحكم الذي تم فيه ترشيح أعضائه على أساس تمثيل المكونات الدينية والمذهبية والقومية. ورغم أن مجلس الحكم بقي أقل من سنة يدير البلاد لكنه أرسى فكرة خطيرة وهي أن العراق دولة مكونات . وبذلك تم عملياً إلغاء مبدأ المواطنة الذي يفترض أن يكون الأساس التي يقوم عليه النظام الديمقراطي. 

وجاء دستور 2005 ليكرس هذه الحالة عندما تحدثت ديباجته عن المكونات العراقية بأسمائها ولغاتها وثقافاتها. فكانت الهويات الفرعية تطغى على الهوية الوطنية التي يفترض أنها تكون أساس بناء الدولة. وصارت المصالح الطائفية والقومية هي الأساس ، وتراجعت المصلحة الوطنية عندما أخذ كل طائفة وحزب يسعون لمصالحهم الفئوية الضيقة، وتحقيق مصالح الحزب والعشيرة من خلال المناصب والتعيينات. وصارت ثلاث محافظات من مجموعة 18 محافظة تملك حق الفيتو في التصويت على الدستور أو في أي تعديل دستوري . وأصبح الدستور بصياغاته الغامضة ونهاياته السائبة وألغامه الكثيرة مصدر مشاكل واختلافات في التفسير والتطبيق. 

أما النظام السياسي فقد اعتمد الديمقراطية التوافقية التي اعتمدت توزيع المناصب والمسؤوليات بين الطوائف أولاً ثم بين الأحزاب ثانياً . فصارت الأحزاب تتقاسم المواقع والمناصب حتى صار توزيع المناصب السيادية الثلاث : رئاسة الجمهورية للكرد، ورئاسة البرلمان للعرب السنة ورئاسة الوزراء للعرب الشيعة. ونزل التوزيع الطائفي والقومي إلى مستوى الوزارات والوكالات والسفارات والهيئات المستقلة . وبذلك ترسخ التقسيم الطائفي والحزبي لموظفي الدولة حتى أصغر موظف.

 

نظام الحكم

أما شكل الحكم فقد أصبح نظاماً برلمانياً أي أن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس البرلمان يتم اختيارهم عبر التوافقية على أن يحصل كل مكون (الشيعة والسنة والكرد) على منصب رئاسي أولاً ، ونواب من المكون في المناصب الأخرى. وبذلك صار المنصب التنفيذي الأول أي رئيس الوزراء يعتمد على التوافقات السياسية والحصص المقررة لكل كتلة مشاركة في الحكومة. وصار عرفاً سياسياً أن رئيس الوزراء ليس بالضرورة هو الفائز بالانتخابات والحائز على أعلى الأصوات، كما حصل مع المالكي عام 2006 الذي جاء بعد انسحاب الجعفري من ترشيحه للمنصب. وحدث أيضاً عام 2014 عندما تمت إزاحة المالكي وتسمية العبادي رئيساً للوزراء وهو لم يحصل إلا على خمسة آلاف صوتاً. وتمت عملية الاستبدال بهدوء وبدون تعبئة الشارع أو تدخل عسكري. 

ووفقاً لهذه المنهج التوافقي أصبح رئيس الوزراء خاضعاً للكتل السياسية التي عليه إرضاؤها وتلبية مطالبها في السياسات والموزانات والتعيينات قبل الموافقة على ترشيحه. ويبقى خاضعاً لها بعد أدائه اليمين والبدء بعمله.  وبغير ذلك يتعرض للهجمات السياسية والاعلامية والنيابية، بل ويصل الأمر إلى التهديد بسحب الثقة منه كما حصل مع المالكي عام 2012 . 

وهذا يعيد النقاش حول مدى صلاحية النظام البرلماني للبلاد، بينما أغلب نظم الشرق الأوسط تسير باتجاه النظام الرئاسي سواء كان راس السلطة رئيساً أو ملكاً أو أميراً. وحتى الدول المجاورة مثل إيران ألغت منصب رئيس الوزراء، وتركيا التي اعتمدت النظام الرئاسي وأعطته صلاحيات كبيرة. إن وضع العراق والتنوع القومي والمذهبي والديني بحاجة إلى سلطة مركزية قوية مع صلاحيات كبيرة للمحافظات. ويجب انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب ، وبذلك يتخلص من ابتزاز الكتل السياسية التي عادة ما تهدده بسحب الثقة أو الاستجواب عندما لا ينفذ مطاليبها. كما أن رأي الشارع العراقي سيكون واضحاً وأكثر تمثيلاً في انتخاب رئيس الجمهورية. فالجماهير تعرف من تريد ، وتصوت له ، فيصبح رئيساً ، وليس حسب الاتفاقات السياسية التي رافقت عملية اختيار رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية. فيتسنم المنصب من ليس له شعبية ولم يحظى بأصوات الشعب، وهذا ليس إنصافاً، لا للفائزين ولا للشعب الذي لم يصوت له. 

 

التوافقية السياسية

أنتج هذا النظام المحاصصة الطائفية والحزبية بشكل مقيت، وأدى إلى قيام الكتل السياسية بالاستحواذ على مقدرات الوزارة التي يرأسها وزير ينتمي إليها. وصار الدفاع عن هذا للوزير أمراً ضرورياً حتى لو كان فاسداً. وبذلك أصبح الفساد على نطاق واسع، وصارت الحيتان الكبيرة تبتلع قسماً من موارد الدولة المالية. وصارت اللجان الاقتصادية والعملاء والدلالين يلعبون دوراً في العقود والمشاريع الحكومية. وصارت الأحزاب تملك قنوات فضائية ومكاتب وأبنية وقاعات فاخرة تقيم فيها المؤتمرات والاجتماعات السياسية والجماهيرية. كما صارت تنفق المليارات على نشاطاتها وزيارات الزعيم الداخلية والخارجية ونفقات شراء الذمم والحملات الانتخابية والتظاهرات التي تكلف أموالاً طائلة. 

ومن مظاهر الخلل في بناء الدولة هو تعيين شخصيات غير مناسبة في مناصب عليا. إذ استحوذ محازيب الأحزاب وأقرباء الزعماء على مواقع هامة في الحكومة وهم لا يحملون أية خبرات أو شهادات أو حتى لياقات مناسبة لتولي هذه المناصب. في حين يجد كثير من أصحاب الشهادات والكفاءة أنفسهم بعيدين عن المشاركة في بناء بلدهم لمجرد أنهم خارج دائرة الأحزاب السياسية. 

 

الخلل داخل الأحزاب 

عانت التشكيلات الحزبية العراقية ، سواء الاسلامية أم العلمانية ، من ظواهر مثل الحالة الأسرية والرمزية (المجلس الأعلى ، الحكمة ، التيار الصدري، اياد علاوي، الطالباني، البارزاني)  حيث يكون الزعيم وأسرته هو المتحكم بالحزب وجميع مفاصله، التنظيمية، المالية، السياسية والعلاقات مع الأحزاب والحكومات الأخرى. وغلبت الدكتاتورية الداخلية على الأحزاب الاسلامية حيث يبقى الزعيم رئيساً للحزب مدى الحياة ، ولا توجد انتخابات شفافة بل يجري تنظيمها بالصورة التي تحقق رغبات الزعيم . وبرزت أدوار لأفراد أسرة الزعيم فالذي يمثله عادة من أسرته (مثلاً محسن الحكيم، أحمد الصدر، هافل الطالباني، مسرور البارزاني). 

الجدير بالذكر أنه لا توجد قرابات في حزب الدعوة الاسلامية ، لا في القيادة ، ولا في مجلس الشورى ، ولا في المكتب السياسي ولا أي مكتب آخر. وحتى أمين الحزب نوري المالكي لا علاقة لأقاربه وأصهاره بالحزب مطلقاً. ولا يحضر أي منهم اجتماعاً حزبياً حتى بعنوان المرافقة لأن السياق التنظيمي لا يسمح بذلك مطلقاً. ولم يصعد عضو في حزب الدعوة إلى موقع أعلى بسبب قرابته من قيادي حزبي. طبعا يوجد إخوة أو آباء وأبناء في الحزب لكن لا علاقة له في مسؤولياته أو صلاحياته داخل الحزب. 

 

الخطاب الشعبوي

اتسمت بعض الأحزاب الإسلامية بالخطاب الشعبوي والاستقواء بالشارع على حساب الدستور والقانون والأعراف السياسية ، وصارت التظاهرات من خصائص العمل السياسي لهذه الكتل. وبقيت تمارسها حتى لو أدت إلى سقوط ضحايا ( تظاهرات التحرير في 11 شباط 2016) . ووصل الأمر إلى مهاجمة المنطقة الخضراء مرتين والاعتداء على مجلس النواب العراقي وبعض الأعضاء، ومجلس الوزراء ، ومحاصرة الوزارات والطلب من الوزير الاستقالة في مشهد بعيد كل البعد عن مسمى الدولة. وقامت جماعة مسلحة لأحد الأحزاب الإسلامية بمحاصرة مطار النجف لمدة أربع ساعات ومنعت حركة النقل فيه دون تدخل من السلطات الحكومية. 

وبسبب عجز الحكومة عن فرض الأمن تصاعد دور العشائر والجماعات المسلحة حتى صار المواطن يلجأ اليها لحماية نفسه أو استخلاص حقه. وصار الموظف والشرطي والضابط والطبيب والمعلم يخشى من سطوة العشائر والجماعات المسلحة التي تعتدي عليه لأتفه سبب. 

 

خطاب الاسلام السياسي

أما الخطاب الإسلامي فقد تنوع من خطاب ديمقراطي مسؤول إلى خطاب طائفي متشنج يستفز غير الإسلاميين عموماً. و تمارس شتى أنواع التشهير الاعلامي والتسقيط السياسي ضد خصومها ، وافتراء أخبار وقضايا مفبركة ، بل شرف وضمير ولا أخلاق. وقد أدى ذلك وممارسات المحسوبين على الأحزاب ، أدى إلى قطيعة مع الجمهور العريض ، عدا المنتمين لتلك الأحزاب الذين لديهم مصالح مالية وارتباط تنظيمي . 

لقد فشلت الأحزاب الإسلامية في جذب الجمهور وخاصة الشباب إلى الايمان بالمبادئ الاسلامية، وممارسة الشعائر ، والدعوة إلى الالتزام بالقيم والأخلاق الإسلامية . الأمر الذي ينعكس على سلوكهم ومواقفهم اليومية، وفي طريقة تعاملهم مع الأخر وخاصة المختلف، وفي احترامهم للقانون والنظام العام. إذ ما زالت هناك تصرفات لا أخلاقية ولا إسلامية تسود تصرفات الجيل الجديد عموماً. ويستثى من ذلك الشباب الذي تطوعوا كمقاتلين في الحشد الشعبي لمواجهة داعش، وقدموا تضحيات كبيرة ايماناً منهم بضرورة الدفاع عن البلاد. كما توجد تجمعات شبابية تقوم بمبادرات حضارية في المجتمع تدعو للالتزام بالقانون واحترام المكونات والأديان والطوائف ، ورعاية النظافة ، ومكافحة الفساد المال والاداري. 

 

العلاقة مع المرجعية

وأما علاقة الأحزاب الإسلامية مع المرجعية فكانت علاقة متوترة ، اضطرت فيها المرجعية إلى أغلاق أبوابها بوجه السياسيين والمسؤولين الحكوميين. وكانت خطب الجمعة تبذل جهدها من أجل الإصلاح والتسديد والتوجيه ومعالجة الفساد والفئوية والصراعات السياسية والتجاوز على الدستور لكن كل نصائحها ذهبت أدراج الرياح حتى اشتهرت مقولة (لقد بحت أصواتنا). إن عدم رضا المرجعية عن الأحزاب الإسلامية قد وسع من الهوة بين الأحزاب والجماهير التي تؤمن بأهمية الالتزام بنصائح المرجعية التي لا تهدف إلا مصلحة العراق وشعبه بكل مكوناته. 

من جانب آخر طغت الخلافات بين الأحزاب الإسلامية على وحدتها أو تنسيق مواقفها. ففي كل حدث أو قضية يكون موقف كل حزب مختلف عن بقية الأحزاب. ورغم تأسيس (الائتلاف الوطني العراقي) لكنه لم يستطع يوماً أن يتخذ موقفاً موحداً يعكس مصلحة الشارع العراقي. وبقي الاختلاف والتنافر في المواقف سمة غالبة حتى في القضايا الوطنية . 

كما بقيت أحزاب المكونات تنظر لمصالحها الخاصة دون المصلحة الوطنية، فكانت النتيجة تقاطع المواقف حتى في القضايا الوطنية. ويمكن القول أن الأحزاب السياسية العراقية وخاصة الكبيرة منها لم تتفق يوماً على قضية وطنية واحدة أو تشريع أو قرار إلا اللهم إقرار بعض الاتفاقيات الخارجية التي لا تؤثر على أي مكون أو حزب. 

دور العشائر

ورث النظام الحالي نمو التأثير العشائري في المجتمع العراقي ، وزاد هذا التأثير بعد 2003 بسبب ضعف الدولة عموماً . ولم تتمكن القوى السياسية ولا إجراءات الحكومة من الحد من هذه الظاهرة التي تناقض النظام الديمقراطي وحاكمية القانون. وزاد من ذلك لجوء السياسيين إلى شيوخ العشائر طمعاً في أصواتهم أثناء الانتخابات. كما أن الدستور ضمن الاهتمام بالعشائر حيث أشار المادة (45) إلى: 

(( ثانياً : تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون وتعزز قيمها الانسانية النبيلة وبما يساهم في تطوير المجتمع وتمنع الاعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان)) . 

لقد صار تأثير العشائر واقعاً مؤثراً في المجتمع العراقي ، وصار السنن العشائرية والفصل العشائرة من الظواهر اليومية التي يواجهها المواطن . ووصل الأمر مداه عندما أخذ بعض السياسيين والبرلمانيين يلجأون للعشائر والفصل العشائري في فض منازعاتهم. وطغت الممارسات العشائري حتى صار يُعتدى على الأطباء والمعلمين والقضاة ورجال الشرطة والموظفين من قبل العشائر. كما نشبت نزاعات مسلحة بين العشائر نفسها ، وتستخدم في معاركها مختلف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقذائف والقنابل. كما صار بعضها يقطع الطرق ويوقف الحركة فيه، والحكومة لا تستطيع فعل شيء. وذلك كله أدى إلى تقلص الهوية المدنية والحضارية للمجتمع، وطغت عليه القيم العشائرية حتى صارت بديلاً للثقافة واحترام النظام العام واللالتزام بالقانون.