الصفقة بين الولايات المتحدة وطالبان.. ما هو ثمن السلام ؟

حذر ألبرت أينشتاين البشرية من التسويات الفاسدة، وقد سعى الفيلسوف أفيخاي مارغاليت لشرح هذا التحذير في كتاب كامل من تأليفه.

ويقول مارغاليت أنه مع استعداد الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان للتوقيع على اتفاقية سلام، أصبح الوقت الآن بحاجة إلى الحذر من "حل وسط فاسد" بشأن أفغانستان أكثر من أي وقت مضى.

والتسويات الفاسدة على حد تعبير مارغاليت هي اتفاقات تنشئ أو تحافظ على نظام لاإنساني، أو نظام يرتبط بالقسوة والإذلال ولا يعامل البشر كبشر. ولكن الحل الوسط الفاسد يشمل جانبين أيضاً، المرتكب الفعلي الذي يرتكب الوحشية، والمشارك السلبي الذي يدعم ويوقع اتفاقاً يحافظ على النظام اللاإنساني والقمعي.

وبقدر تهالك الولايات المتحدة بعد خوضها أطول حرب في تاريخها والتي امتدت قرابة الـ18 عاماً، يوضح مارغاليت أن أفغانستان مرهقة أكثر منها بعد نحو 42 عاما من الصراع المستمر دون توقف تقريبا، مشير الى أنه قد تكون خطوة سحب القوات الأمريكية من هناك ضرورة سياسية للولايات المتحدة في الوقت الراهن، ولكن من الضروري بنفس القدر إيجاد صيغة قابلة للحياة للسلام تتجنب حل وسط فاسد بشأن أفغانستان.

وبعد ما يقارب 18 شهراً من المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية التي أجريت في غياب الحكومة الأفغانية، توشك الاتفاقية على الخروج للضوء في 29 فبراير على الأرجح.

وبعد عشر جولات من المحادثات حول المكونات الأساسية الأربعة للممثل الأمريكي الخاص زلماي خليلي زاد ( ضمانات مكافحة الإرهاب، انسحاب القوات، الحوار بين الأفغان ، ووقف شامل لإطلاق النار) بقيت بعض التفاصيل عالقة، فلن يتم الاتفاق على شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء.

ويضيف مارغاليت أن طالبان وعدت بقطع العلاقات مع الإرهاب الدولي، ومع ذلك تظل هناك تفاصيل كيفية مراقبة هذه العملية المعقدة ومن سيكون الضامن الذي لم يتم تحديده حتى الآن.

كما أن الجدول الزمني لانسحاب القوات لا يدعم سوى استراتيجية "لديك الساعات، لكن لدينا الوقت" لطالبان. وقد تم تقليص هدف وقف إطلاق النار الشامل إلى "انخفاض في العنف" لمدة سبعة أيام.

علاوة على ذلك، فشلت حركة طالبان في تبادل مضمون وتفاصيل موقفها فيما يتعلق بالمسائل المرتبطة بحقوق الإنسان، والتي تم انتهاكها بوحشية أثناء حكم نظامها، والتي أصبحت بلا ثقل سياسي في المناطق الخاضعة لسيطرتها، حسب مارغاليت.

كما أن هناك القليل من الأدلة التي تشير إلى تغيير في سلوك وخصائص حركة طالبان.

ولكن يقول مارغاليت "لنكون منصفين، فليس تاريخ طالبان الوحشي الذي يمكن وصفه بأنه فاسد فقط، ولكن دور الولايات المتحدة أيضا، حيث أنها توقع اتفاقا يدعم موقف طالبان ويحافظ عليه.

كما يوضح مارغاليت في كتابها أن الحجة القائلة بأن الاتفاق بين الولايات المتحدة وحركة طالبان ليس سوى المرحلة الأولى من الصيغة، وأن الأفغان ستتاح لهم فرصة للتفاوض على مستقبل بلدهم بأنفسهم ، تعتبر مشكلة في حد ذاتها، وذلك لأنها تقلل من شأن التأثيرات التي ستحدثها الولايات المتحدة تجاه حركة طالبان في المرحلة الأولى من المحادثات بين الأطراف الأفغانية.

وفي خضم محادثات السلام العام الماضي، شنت طالبان هجومها الربيعي الذي أطلقت عليه اسم "الفتح" لغزو بعض المناطق وتأمين النصر الخاص بها، حيث أعلنت أن الأهداف من تلك العملية كانت: (القضاء على الاحتلال، وتطهير وطننا الإسلامي من الغزو و الفساد، إنشاء نظام إسلامي إلى جانب الدفاع عن مواطنينا المؤمنين وخدمتهم"، ولكن على الرغم من ثقة وقوة تلك الشعارات، إلا أنها مجرد نبرة وصيغ دعائية ليست إلا، كما أنها لا تترك مساحة كبيرة للتعددية و التكيف مع حقائق أفغانستان المعاصرة، حسب مارغاليت.

و لذلك، يرى مارغاليت أن السلام الحقيقي يتطلب حل وسط، فقد تتطلب التسوية السياسية الكثير من العمل للتغلب على الخلافات وبناء أرضية مشتركة لتجنب المزيد من الحروب و الصراعات المسلحة.

وغالبا ما تكون التسويات السلمية على حساب العدالة بطبيعة الحال، ومع ذلك فإن التسوية على حساب الإنسانية وتوسيع رقعة الإذلال تعني رفع العلم الأحمر، ويجب استبعادها والابتعاد عنها حتى من أجل السلام، يقول مارغاليت.

وبدوره كتب الدبلوماسي الأمريكي السابق لوريل ميلر في مقال نُشر مؤخراً في صحيفة النيويورك تايمز: "إن الصفقة الجيدة كفاية هي الصفقة التي يمكنك الحصول عليها. حيث يمكن للمرء دائما الحصول على اتفاق من خلال إعطاء الطرف الآخر كل ما يتطلبه، ولكن بأي ثمن؟.

كما وصرح الكاتب السياسي إيمانويل كانط في المقال الأول من مقالته الشهيرة "السلام الدائم" بأنه "لن تكون هناك أي معاهدة سلام سارية المفعول حيث توجد مواد وموارد محجوزة ضمنيا لحرب مستقبلية. ويجب ألا ننسى هذا التحذير المشؤوم".

النهضة نيوز