خاص عن الجيش الذي حوله أردوغان بعد الانقلاب إلى "ديناصور برأس دجاجة"

الجيش التركي في إدلب

بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا عام 2016، لم يعد الجيش التركي هو نفسه، الذي يحتفظ بهيبة وعراقة تاريخية صدرته  ليحتل المرتبة الثانية من حيث القوة في "الناتو"، والأولى في الشرق الأوسط، والتاسعة بحسب تقييم موقع غلوبال فيروبور الأمريكي، إذ ان الجيش الذي يتجاوز تعداده 735 الف جندي، تعرض لهزة عنيفة عقب سلسلة الإحلال والتغيير التي انتهجها الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي تمت على أسس الولاء والانتماء لشخصه ولحزب العدالة والتنمية، وأغفلت الجانب المهني والعسكري في توزيع الرتب السامية.

الجيش التركي
 

يمكن القول أن مسلسل "تطهير مؤسسة الجيش" من الانقلابيين، كانت سيفاً ذو حدين، فبالنسبة لـ أروغان، هو استراح من هاجس تلك المؤسسة التي كانت تمتلك ذراعاً طويلة تؤثر في الحياة السياسية في البلاد، ولديها قناعات مغايرة للخط السياسي والفكري الذي يتبناه الرئيس الإخواني، وشكلت محاولة الانقلاب تلك، فرصة ثمينة بالنسبة له لكي يعيد الجيش إلى إمرته بشكل كامل، لكنها من جهة ثانية، أضاعت الهيبة التي كانت تحتفظ بها تلك المؤسسة، بوصفها الضامن الذي يمتلك توجهات معارضة، تشكل كابحاً لتوجهات أردوغان التوسعية التي لا يبنيها في أحيان كثيرة على منطلقات تأخذ بعين الاعتبار الحجم الحقيقي لتركيا، بقدر ما تقوده أحلامه الإمبروطورية الطموحة التي لا يقبلها الواقع الاقليمي المستجد في كثير من الأحيان.

ومع أن الجيش الذي يمتلك قوة جوية تحتل المرتبة العاشرة بين أقوى جيوش العالم، وقوة برية من المدرعات والدبابات تحتل المرتبة السابعة، يحوي من مقدرات القوة ما يجعله قادراً بالمنظور العددي والكمي للقدرات، على أن يخوض معاركاً مضمونة النتائج، إلا أن التفحص في الحالة التي وصل إليها لجهة الخبرات والقيادات، يقودنا إلى مقاربته مع الوضيعة التي عاشها الجيش الإيراني عقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وقتها، كان جيش الشاه يمثل شرطي المنطقة الأوحد، وبالنظر إلى تعداده وعتاده، فإن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، كانت تنظر إليه كقوة وكيلة مهمة في انفاد سياساتها، لكن هذا الجيش، الذي تعرض لحملة تطهير عنيفة، اضطرت الثورة الإسلامية فيها إلى عزل قرابة 90 ألف عسكري، منهم قيادات مهنية وخبيرة في إدارة الحروب، وأوكلت قيادته آنذاك إلى شخصيات مستجدة على الصعيد العسكري بسبب ولائها للثورة، قدم في بداية الحرب الإيرانية العراقية، نموذجاً للجيوش الفاشلة، التي تمتلك من المقدرات العسكرية ما يكفي لاحتلال قارة، ومن قوة النار ما يؤهل لفرض النفوذ على دول، لكنه لا يمتلك قيادة مهنية ومرنة، توظف تلك الامتيازات في تحقيق الانجازات على الأرض.

كانت قوات صدام حسين حينها، تحتل المدن الإيرانية الكبيرة في غضون ساعات، وكان الجيش الإيراني الذي فقد قيادته، يخسر الآلاف من مقاتليه قبل أن يستفذوا ذخيرة أسلحتهم الفردية، فضلاً عن الدبابات التي كانت تحترق على وقع ضربات الجيش العراقي المركزة، قبل أن تقوم بشيء من مهام الاسناد والتغطية والتمهيد.

جنود من الجيش التركي يتعرضون للاعتداء والإهانة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016
 

ولعل الجيش التركي اليوم، وهو يمتلك كل تلك المقدرات المهولة، يشبه كما -وجد نارام سرجون- ديناصوراً هائلاً، لكن ما يحركه رأس دجاجة، فقد بلغ عدد المقالين من أجهزته 160 ألف شخص، بينهم قادة عسكريين تاريخين يمتلكون حضوراً وتأثيراً كبيراً في قوات الجيش.

وكان مجلس الشوري العسكري الأعلى قد أعلن في عام 2017 اقرار جملة من الترقيات العليا كانت من نصيب الرتب الدنيا والمتوسطة في الجيش، فيما أحال عدد كبير من أصحاب الرتب العليا إلى التقاعد، كان من بينهم قادة القوات الأساسية الثلاثة البرية والبحرية والجوية، ناهيك عن محاكمة المئات من القيادات التي زُج بها في السجون عن نحو مهين.

هذه التغيرات الجوهرية في بنية الجيش، انعكست بلا شك، على قراراته الحاسمة وأدائه في الميدان، إذ أن أردوغان الذي ليس ابناً لمؤسسة الجيش، صار المتحكم في القرارات، التي لا يبدو أنها تخضع لدراسة معمقة للوقائع الميدانية في الساحات التي يقاتلون فيها.

وبدا هذا التخبط واضحاً في التعامل مع تحدي الملف السوري، إذ أطلق "أردوغان" العنان لإطلاق تصريحات وتهديدات أكبر من قدرة جيشه في الميدان، وعمد بشكل متسارع للزج بقرابة 10 آلاف جندي في مساحة ميدانية ضيقة كـ محافظة ادلب، علماً بأن عديد مقاتلي حزب الله الذين قاتلوا على مساحة الميدان السوري خلال الحرب، لم يتجاوز في خضّم سنوات المواجهة 10 آلاف جندي، كما ارتكب الجيش التركي تذاكياً لم يكن في محله، عندما خلط بين قواته والمجموعات السورية المسلحة التي يصنف جزء منها "كمجموعات إرهابية" ما قدم ذريعة مشروعة للطيران الروسي باستهداف جيشه على أنه مجموعات "إرهابية" اطلقت في يوم من الأيام طائرة مسيرة على قاعدة حميميم !

ولعل من المؤشرات التي تحمل سوء تقدير كبير أداء الجيش التركي، هو تغاضيه عن توازنات الصراع في تزويده المجموعات المسلحة أسلحة محمولة على الكتف مضادة للطائرات، ولحظ هؤلاء المسلحين العاثر، أنهم استخدموا الأسلحة التركية تلك يوم أمس، في استهداف طائرات روسية، ما فتح الباب أمام ردة فعلٍ (سورية – روسية) عنيفة، كانت على في شكل مقتل واصابة عشرات الجنود الأتراك في قصف استهدف رتلاً عسكرياً.

أخيراً قدم هذه الجيش الكبير الذي تنقصه القيادة الخبيرة في أمور الحرب، نفسه رهينة للجيش السوري، فقد دفعه الغرور وشعور الاستعلاء على الجيش السوري، لإقامة عشرات نقاط المراقبة ظناً منه أنه سيتسنى لهذه النقاط أن توفر الدعم للمجموعات المسلحة بدون أن تكون عرضة للاستهداف من الجيش السوري، الذي قدم من خلال استهدافه لها رسالة بأن لا خطوط حمر لديه، بينما يتمثل الكابوس الأكبر لتلك النقاط، أن الجيش التركي أضحى محاصراً وعديم القيمة في العشرات منها، بعد أن حرر الجيش السوري ما يحيطها من الجهات الأربع من قبضة المسلحين، ولعل هؤلاء المحاصرين، سيصبحون في وقت ما، ورقة للتفاوض أو أسرى حرب لدى الجيش السوري،  سيتنازل أردوغان عن كثيرٍ من طموحه وهيبته لتحريرهم.

المقال: بناء صحافي لفكرة قدمها الكاتب السوري المجهول المعروف جداً نارام سرجون 

النهضة نيوز - بيروت