الجزائر – خلفيات احتجاجات شباط/فبراير، وآذار/مارس 2019

أزمةٌ، فَغَضَبٌ، فانفجار:

شارك مئات الآلاف من المواطنين في مظاهرات يوم الجمعة، الأول من آذار/مارس 2019، للأسبوع الثاني، على التّوالي، وعمّت المظاهرات كافة مُدُن ومناطق البلاد، لمُطالبة الرئيس “عبد العزيز بوتفليقة” العدول عن ترشحه للإنتخابات الرئاسية المقبلة (18 نيسان/ابريل 2019). 

تُشير هذه المظاهرات والإحتجاجات، إلى وجود أزمة عميقة وقديمة، وشَكَّلت مسألة الترشح للإنتخابات لولاية خامسة، عاملاً مُفجِّرًا للغضب، جراء المشاكل المتراكمة، لأن الدولة لم تستخدم إيرادات النفط، خلال فترات الطّفْرَة، في الإستثمار المُنْتِج، الذي يُتِيح تحقيق الإكتفاء الذاتي الغذائي، والتصنيع، وتشغيل الشباب العاطل، وعندما انخفضت أسعار النّفط (وهو مَسَار ارتفاعات وانخفاضات دَوْرِيّة) أقرت الحكومة برنامج تقشّف، يتضّمّن خفض الدّعم، في ظل ارتفاع نسبة البطالة والفَقر، خصوصًا في مناطق الجنوب والهضاب العُلْيا، وفي ظل الفوارق الطبقية الكبيرة، وعدم المساواة، التي تبرز في تعاظم ثَروات البعض (القِلّة) وتدهور مستوى العيش لأغلبية المواطنين، خصوصًا خلال العقدَيْن الأخيرين (أي فترة رئاسة عبد العزيز بوتفليقة)، وتأثرت شريحة هامة من البرجوازية الصّغيرة، أو ما تُسميه أدبيات البنك العالمي وصندوق النقد الدّولي “الطبقة المتوسطة”، فارتفع عدد الإضرابات في قطاعات الصحة (أطباء الصحة العمومية) والتّعليم، والموظّفين، بسبب انخفاض قيمة الرواتب، وارتفاع الأسعار، وخصوصًا أسعار المواد المُسْتَوْرَدَة، في ظل انخفاض سعر الدّينار الجزائري، مقابل الدولار واليُورُو، بالتوازي مع خفض وإلغاء الدّعم، بذريعةٍ تُرَدِّدُها كافةُ الحكوماتِ (مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) “استفادة الفئات الميسورة من دعم المواد الأساسية” (وكأن البنك العالمي والحُكومات تُمثل مصالح الفُقراء !!! )…

انتهجت الدولة في الجزائر سياسة شراء السّلم الإجتماعي، عبر توزيع بعض فتات الريع النفطي، وكانت قد انطلقت مظاهرات احتجاجية، أواخر 2010 وبداية 2011، بالتوازي مع الإنتفاضة في تونس، ولكن النظام تمكن من إخمادها بسهولة، إثر توزيع بعض المساعدات والمَساكن الشعبية… كما انطلقت مظاهرات أخرى في مناسبات أخرى عديدة، ولم تجد الحكومة صعوبات تُذْكَر “لتهدئة الخواطر”، رغم خطورة الوضع أحيانًا في مناطق الجنوب، حيث الفقر المُنتشر، في مناطق استخراج النفط والغاز… أما بعد انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وانخفاض احتياطي البلاد من العُملات الأجنبية، من 194 مليار دولارا بنهاية سنة 2014 إلى أقل من ثمانين مليار دولارا سنة 2018، فقد انخفضت قُدْرَة الدولة على الرّشوة، وعلى شراء الضّمائر، وطفحت مشاكل البطالة والفقر،  إذ قدّرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، بنهاية 2016، عدد الفُقراء بنحو 14 مليون (في مستوى الفَقْر أو على حُدُودِهِ)، ما يمثل نسبة 35% من العدد الإجمالي للسكان البالغ أربَعِين مليون نسمة، بينما يستحْوِذُ نحو 10% من السكان على حوالي 80% من ثَرَوات البلاد، وفق الرابطة، التي تُشير إلى عدم توفير الحكومة مقاييس موحدة أو بيانات رسمية عن نسبة الفقر، إذْ تنشر الوزارات بيانات متضاربة أحيانًا، وتوسّعت رُقعة الفقر إلى الفئات المتوسطة، كما توسّعت من المناطق الرّيفية إلى المناطق الحَضَرية، فارتفع عدد الأحياء العَشْوائية، وعدد المتسولين، والأطفال العاملين في الشوراع والأسواق والورَشَات، ناهيك عن الأطفال العاملين في المَزارِع، وكانت وزارة الداخلية الجزائرية قد قدّرت، سنة 2017، عدد الفُقراء بما بين 1,7 مليون، ومليونَيْ شخص، وهي أرقام دون الواقع، بالنّظر إلى المستوى المنخفض للرواتب (الأجر الأدْنى حوالي 155 دولارا) وتبايُنها مع المستوى المرتفع للأسعار، وورد في ندوة نظّمتها جامعة الجزائر (09/12/2014)، إن نصف سكان الجزائر فُقراء، لا يستطيعون تلبية حاجياتهم الأساسية، وقدّر البنك العالمي، (16 نيسان/أبريل 2018 ) نسبة الجزائريين الفُقراء بنحو 25%ونسبة الواقعين تحت خط الفقر سنة 2018 (إنفاق أقل من 1,5 دولارا يوميا للفرد) بنحو 12%، أو حوالي خمسة ملايين من إجمالي أربعين مليون نسمة، بسبب ارتفاع نسبة البطالة، إلى حوالي 12% من القادرين على العمل، ويتوقع ارتفاع نسبة التضخم (بسبب انخفاض قيمة الدينار وطبْع أوراق نقدية، لا يُقابلها إنتاج، مما يُضْعِفُ قيمتها) إلى 9% بنهاية 2019 أو سنة 2020، ولا يتوقع البنك العالمي (وكذلك الباحثون الجزائريون المُعارضون لسياسات البنك العالمي) تحسّنًا في الوضع، حيث التحق حوالي أربعة ملايين مواطن بصف الفُقراء، بنهاية سنة 2018، لأن انخفاض قيمة الدينار الجزائري بنحو 40% يُؤَثِّرُ مباشرة على الأُجراء والعاملين الذين لا يتجاوز دخلهم الشّهْرِي 200 دولارا، لِيُصْبحُوا فُقراء أو على حافة الفَقْر…

لما ارتفعت أسعار النفط قليلاً، خلال السنتَيْن الماضيتين (2017 و 2018)، استخدمت الحكومة الأموال الإضافية (التي يوفرها تحسن إيرادات النفط) في تمويل عجز الميزانية، وتمويل الواردات، ولم تستثمر جزءًا منها في عملية الإنتاج، مما زاد من حدة المشاكل الإقتصادية للمواطنين، وأظهرت بيانات رسمية ارتفاع معدل البطالة (أي العاطلين المُسجّلين في مكاتب إدارة التشغيل) في النّصف الأول من سنة 2018 إلى 11,1%، ولكن هذا المُعدّل يرتفع إلى نسبة 26,4% بين الشباب دون سن الثلاثين، وتفوق نسبة الشبان ثُلُثَيْ عدد سكان البلاد، وكما أشرنا ويُشير العديد من الباحثين الجزائريين إن هذه الأرقام لا تعكس الحقيقة، بل هي دون الواقع بكثير، ولا يتوقع أن يتحسن وضع الفُقراء والعاطلين ومعظم الأُجراء، لأن الدولة لا تخطط لتنمية الإقتصاد، عبر الإستثمار في قطاعات إنتاجية، خارج النفط والغاز، ولم يستفد الفُقراء والأغلبية الساحقة من المواطنين، من ارتفاع أسعار النفط العالمية بنحو 15% فارتفعت إيرادات الجزائر من صادرات المحروقات إلى نحو 22 مليار دولارا، خلال النصف الأول من سنة 2018، وتُمثِّلُ صادرات الطاقة نحو 95% من إيرادات العملة الأجنبية للدولة، التي استغلت انخفاض أسعار النفط، لتسْرِيع تطبيق برنامج الخصخصة وإلغاء الدعم (المحروقات والغذاء)…

ساهمت هذه العوامل مجتمعة في ارتفاع حدة الغضب، وفي انفجاره بمناسبة تقديم طلبات الترشح للإنتخابات الرئاسية، وأَدْرَكَ بعض الأثرياء عُمْقَ الأزمة واتساع رقعة الغضب، فحاول أثرياء كبار، من بينهم “يسعد ربراب” (أحد كبار أثرياء الجزائر والوطن العربي وإفريقيا)، الذي يحتكر سوق السكر والزيوت النباتية في الجزائر، ركوب الحراك الشعبي، وكذلك بعض أحزاب الدّين السياسي والأحزاب الموالية للإمبريالية، التي ادّعت إنها “مُتضامنة” مع شعبها (أي إنها ليست جُزْءًا منه؟)… 

جزائر القرن الواحد والعشرين:

كان نضال الشعب الجزائري نموذجا للتحرر من الإستعمار الإستيطاني، بقوة العزيمة، وبفضل التفاف الشعب حول قيادةٍ لها برنامجٌ واضحٌ، يتمثل في التّحرير والإستقلال، ولكن لم يكن لقيادة جبهة التحرير برنامج اجتماعي واضح، أو حائز على إجماع القيادات، ورغم إيرادات النفط والغاز، والإحتياطي الهائل من العملة الأجنبية الذي بلغ 194 مليار دولارا، منتصف سنة 2014، بقي الإقتصاد ريعيا، ويتأثر بانخفاض إيردات النفط، وهو ما أدّى إلى انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر 1988، وما أدّى إلى إقرار سياسات التقشف الحالية (خصوصًا منذ سنة 2016)، في بلد تزايدت فيه الفوارق الاجتماعية واستولت أقلية من الأثرياء “الكواسر” على موارد البلاد…

تزامن إعلان ترشّح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة، مع نَشْر موقع “أفريكوم”، العسكري الأمريكي، خبر مشاركة الجيش الجزائري في مناورات عسكرية بعنوان “فلينتلوك 2019″، تحت إشراف وإدارة القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم) من 18/02/2019 إلى 01/03/2019، في أراضي “موريتانيا” و “بوركينا فاسو”، وبمشاركة جيوش ثلاثين دولة من إفريقيا (الجزائر وبوركينا فاسو والكاميرون وجُزُر الرأس الأخضر وتشاد وغانا وغينيا، وغينيا بيساو، ومالي والمغرب وموريتانيا والنيجر ونيجيريا والسنغال وتونس) وأوروبا (سويسرا “المُحايدة”، وبريطانيا وفرنسا والنمسا وبلجيكا وجمهورية التشيك ودنمارك وإيطاليا، وهولندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا) ومن أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) واليابان، ويدّعي الجيش الأمريكي “إن هذه المناورات تهدف تطوير التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب ولإحْلال السلْم والإستقرار والرفاه في المنطقة المتاخمة للصحراء”، فليتمتّعْ سُكان المغرب العربي، بهذا “السّلم” و”الرّفاه” الذي متّعت به الإمبريالية الأمريكية شُعوب أفغانستان والعراق وسوريا وفنزويلا، وغيرها، عبر الإحتلال العسكري، والحصار، أو التّهديد والعقوبات…  

لم تُصْدر الحكومة الجزائرية أي بيان رسمي، بشأن هذه المناورات، ونقلت بعض الصّحف غير الحكومية، عن موقع “أفريكوم”، الخبر، باقتضاب، دون تعليق، لكن تعددت مشاركة الجيش الجزائري في المناورات مع الجيش الأمريكي، منذ قرابة عقديْن، إلى جانب الكيان الصهيوني، في بعضها، ومن بينها مناورات “أكتيف أنديفور” لحلف شمال الاطلسي (آب/أغسطس 2009)، وتدريبات أخرى في البحر الأبيض المتوسط، بذريعة التدريب على الإغاثة والإنقاذ، وشاركت المؤسسة العسكرية الجزائرية (بصفة مراقب)، مع الكيان الصهيوني في اجتماعات حلف شمال الأطلسي، وتنشر المواقع الأمريكية والصهيونية مقالات وصُورا، ومن بينها لقاء يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2006، وأيار/مايو 2014، وغيرها، ويشارك جيش الجزائر في “التّدريبات العسكرية السّنوية، التي يُشْرِفُ عليها الجيش الأمريكي منذ 2005، إلى جانب جيوش دول شمال وغرب إفريقيا”، وفق موقع “أفريكوم (شباط/فبراير 2018)، وتُشير العديد من البيانات إلى التقارب بين النظام الجزائري والولايات المتحدة (رغم بعض الإختلافات، وحتى الخُصُومات)، منذ عقد التسعينيات من القرن العشرين، ويشمل هذا التقارب جميع المجالات (القضاء والتعليم والأمن…)، ونفذ الجيشان الجزائري والامريكي مناورات عسكرية بحرية مُشْتركة في سواحل مدينة “جيجل” (شمال شرقي الجزائر)، خلال الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس 2018، مما يعني رضوخ الجزائر (وغيرها من حكومات الدول الإفريقية)، وترسيخ دور قيادة “أفريكوم”، في إفريقيا، بعد أن كانت الجزائر وجنوب إفريقيا ونيجيريا، قد عارضته وأحبطت إقامة قواعد أمريكية عَلَنِيّة جديدة، في إفريقيا، سنة 2007، وورد في موقع أفريكوم (18/02/2019) إن القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، تقوم بمرافقة الجيوش الأفريقية، وتدريبها على الخطط العسكرية الجديدة، والحرب على الإرهاب…”، ويُشارك الجيش الجزائري منذ سنوات عديدة (منذ 2005) في مناورات بإشراف الجيش الأمريكي، من بينها “الأسد الإفريقي”، و”فونيكس إكسبرس” البحرية و”سيركات” الجوية، وسمحت حكومة الجزائر، سنة 2013، للطيران الفرنسي والأوروبي (ألمانيا وبريطانيا…) والأمريكي، باستخدام الأجواء الجزائرية، لقصْف أراضي جمهورية “مالي”، مما يُدْرِج الخطاب الرسمي الجزائري عن “السيادة”، وعن “الإستقلال”، في باب التّضْلِيل الإعلامي، والديماغوجي… 

الأسباب العميقة لاحتجاجات شباط/فبراير 2019:

انطلقت المظاهرات ضد ولاية خامسة للرئيس بوتفليقة، يوم 22 شباط/فبراير 2019، إثر إعلان حزب جبهة التحرير الوطني، يوم 10 شباط/فبراير 2019، ترشيح عبد العزيز بوتفليقة (81 سنة) لولاية خامسة (منذ 1999)، للإنتخابات الرئاسية (18 نيسان/ابريل 2019) رغم حالته الصحية التي تدهورت منذ سنة 2005، قبل إصابته بجلطة دماغية، بقي على إثرها ثلاثة أشهر في مستشفى فرنسي، سنة 2013، وفقد القُدْرَة على النّطق السليم وعلى الحركة، ويعود آخر خطاب له إلى سنة 2012، ثم، وبعد سنَتَيْن، بدا مُتلعثِمًا عندما أعلن باقتضاب عن ترشحه للإنتخابات الرئاسية، خلال شهر نيسان/ابريل 2014 (الولاية الرابعة من 2014 إلى 2019)، ومن يومها لم يسمع الجزائريون صوْتَهُ…  

تشكل فئة الشباب دون سن الثلاثين قرابة 60%من الشعب الجزائري، وتشكل هذه الفئة أغْلَبِيّةَ المتظاهرين، أي من وُلِدُوا خلال العشرية الدامية (الأخيرة من القرن العشرين)، أو قبلها، أو بعدها بقليل، وبرزت للعيان، المشاركة المُكثّفة لطلبة الجامعات منذ يوم الثلاثاء 26 شباط/فبراير 2019، وخصوصًا يوم الجمعة أول آذار/مارس 2019، وقد يعود سبب هذه المشاركة الكثيفة، إلى تدهور مستوى التعليم، وإلى النسبة المرتفعة جدا لبطالة خريجي الجامعات، وقد يُشكل ذلك منعرجًا، إذ تجاوزت الاحتجاجات فئات العاطلين، والفئات الشعبية، إلى “النُّخب” من الطلبة والصحافيين والفنانين والمحامين، كما سجّل المثقفون حضورهم، خصوصًا في العاصمة، وندّد الصحافيون (بمن فيهم صحافيو المؤسسات العمومية) بالرقابة والتضييقات التي تُعرقل عملهم (اعتقلت السلطات عددًا منهم، ثم أَطلقت سراحهم)، مما قد يُؤشِّرُ إلى مرحلة جديدة من الحراك الإجتماعي، ومن اتساع رقعة المُعارضين للفئات الحاكمة، وإن كانت الشعارات لا تتجاوز، سوى نادرًا، ضرورة “التّغْيِير”، أو رفض “الإستمرارية”، وهو شعار فضفاض، قد يتبناه العديد من المقربين للحكم، أو حتى الأحزاب والفئات الحاكمة، وهو شعار يمكن لأي قوة انتهازية الإستحواذ عليه، مثلما حصل في تونس وفي مصر…

يشْكو الشبان والشابات أساسًا من البطالة (التي تُنْتِجُ الفقر) ويشكو معظم المواطنين من ارتفاع الأسعار، مقارنة بمستوى الرواتب، ومن شح السّكن، وارتفاع قيمة الإيجار، خصوصًا في المُدُن الكُبْرى، وأنجَزَت الدولة برامج سَكن اجتماعي، خلال العقدين الأخيرين، لكنها غير كافية، ويتطلب الحصول على مسكن وساطةً مع تسديد مبالغ متفاوتة (بحسب مَوقِع ونوعية السّكن) لإرشاء القائمين على توزيعها… 

يتوقع صندوق النقد الدولي ارتفاع معدل البطالة في الجزائر من 11,16% سنة 2018 إلى 12,91% سنة 2020، بسبب ارتفاع عدد الشبان الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وبسبب عدم توفير الإقتصاد وظائف للعاطلين السابقين، كما يتوقع الصندوق أداءً ضعيفًا للإقتصاد، وانخفاضَ نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي من 1,98% سنة 2017 إلى 1,84% سنة 2020 وصولاً إلى 0,66% سنة 2022، مما يزيد من تفشِّي البطالة.

قدّمت الحكومة تسهيلات عديدة وحوافز للقطاع الخاص، دون مقابل، سوى وعد بخلق فُرص عمل، مقابل الحصول على الإعانات الحكومية، والأراضي المُهيّأة، والقروض، بضمانات الدولة، والإعفاء من الضّرائب، وتسهيلات أخرى حصل عليها القطاع الخاص، الذي يتذرع (بعد الحصول على الإعانات الحكومية) “بعدم ملاءمة خبرات الشباب لمُتطلَّبات العمل”، أما في القطاع الحكومي، فتُشغل الدولة عددا من الشبان، بعقود مؤقتة، وخصصت الدّولة قروضًا من “وكالة دعم تشغيل الشباب” التي لم تظهر نجاعتها في الحدّ من البطالة، ولا في تأهيل الشباب المُشارك في هذه البرامج، وقد تتسبب هذه السياسات في إحباط الشباب، وانسداد الأفق، وإمكانية استغلال المنظمات الإرهابية وقوى الدين السياسي هذا الإحباط، لتوجيه الشبان العاطلين نحو الأعمال الإرهابية (الإرهاب الفكري، أو الإرهاب المادّي والمُسلّح، في الداخل أو في الخارج)، مما قد يؤدّي إلى حرب اهلية جديدة… 

أدى ارتفاع نسبة بطالة الشباب إلى ارتفاع عدد المهاجرين (غير النّظاميين) الذين خاطَرُوا بحيواتهم، وعبروا البحر الأبيض المتوسط، ليصلوا إلى إسبانيا وإيطاليا واليونان، وبلغ عدد من وَصَلُوا إلى سواحل أوروبا، نحو 7300 جزائري وجزائرية، سنة 2018، وتقدر نسبة الإناث من بينهم بنحو 15%، بحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين… 

أما السبب المباشر للإحتجاجات، فهو طريقة حكم البلاد، حيث تحكم مجموعة من المقربين، باسم الرئيس، وترفع صورته، أو تُظْهِرُه أحيانًا مُقْعَدًا، على كرسي… أُصيب الرئيس الجزائري بجلطة في الدماغ سنة 2014، ويقضي معظم السنة في جنيف (سويسرا) للعلاج، وانطلقت المُظاهرات عندما كان في جنيف، منذ 24/02/2019، “لإجراء فحوصات طبية دورية”، وفق الوكالة الرسمية، عن بيان  الرئاسة الجزائرية، وكتبت صحيفة “لاتريبون دي جنيف” إن  السلطات الجزائرية اشترت مَسْكِنا شاسعا، سنة 2008، مقابل حوالي ثلاثين مليون دولارا، ومع “الفيلا” حديقة شاسعة (35 ألف متر مربع)، وأصبحت “الفيلا” مقرًّا رسْمِيًّا للقنصل الجزائري وعائلته، ولكنها تُسْتَخْدَمُ مكانًا لاستراحة الرئيس، وتملك الدولة الجزائرية أيضًا عقارات في مناطق قريبة أخرى، في بلفيو (حيث القنصلية) وأنير، بحسب الصحيفة السويسرية…

بعض ملامح الوضع الإقتصادي:

تزامنت الفترة الأولى لرئاسة عبد العزيز بوتفليقة (المدعوم من فرنسا ومن الإمارات) مع ارتفاع أسعار النفط، وارتفعت معها مُسْتَوَيات الفساد إلى حدود عالية أيضًا، وربطت الدعاية السياسية رئاسته ب”الإنتعاش الإقتصادي”، حيث تجاوزت عائدات الجزائر من النفط والغاز، خلال الفترة 2002 – 2013، تريليون دولارا، لم تَسْتَفد منها القطاعات المنتجة (الفلاحة والصناعة) ولا الخدمات العمومية (الصحة والتعليم والسّكن الشّعْبي والنقل العمومي)، سوى بفُتات، وبالمقابل استفادت قطاعات مُقرّبة من الحكم، من رجال الأعمال، وضُباط الجيش، الذين استحوذوا على رُخص التوريد، وقاموا بتأسيس شركات مَشْبُوهة، تستفيد من صفقات الدّولة (الصفقات العمومية)، فتراكمت ثرواتهم (من التعامل مع الدّولة)، وزاد نُفُوذُهم الإقتصادي، والسياسي، وزاد ارتباطُهُم بالشركات الأجنبية، متعددة الجنسيات، وأصبحوا يُمثلون مصالحها في الجزائر، عبر عملية وساطة، أو عملية “الوكالة” (تمثيل مصالح شركات السيارات أو الإتصالات أو التجارة…)… وزاد نُفُوذ هذه الشبكة الفاسدة والمُرْتَشِيَة بعد العجز التام للرئيس (منذ سنة 2013)، وفي ظل غياب مؤسسات شفافة، وخاضعة للمراقبة، حيث أصبحت القرارات الهامة تُتَّخَذُ من قِبَل “نُخْبَةٍ” سَطَتْ على أجهزة ومؤسسات الدولة، وهي نُخبة الأثرياء، ذوي العلاقات الوثيقة بالشركات العابرة للقارات، وبحكومات أوروبا (فرنسا بشكل خاص) والولايات المتحدة… 

قَرَّرَتْ هذه “النّخبة” إعادة ترشيح الرئيس المُقْعَد لولاية خامسة، لأنها تريد مواصلة عملية السّطو على الدولة، وعلى ثروات البلاد، دون رقيب أو حسيب، ولكن شِقًّا من السّلطة (من النظام) عارض هذه الخطّة، لأن في تنفيذها إقصاءٌ له، في ظل انخفاض عائدات النفط، وانخفاض الثروة التي كان اقتسامها موضوع توافق، أو رهن موازين قوى داخل السلطة، وانفرط عقد الوفاق، بعد انخفاض الرّيع، وظهر ذلك جَلِيًّا، من خلال تصريحات بعض القادة في ائتلاف الحزبَيْن الحاكِميْن “جبهة التحرير الوطني” و”التجمع الوطني الديمقراطي”، الذين اعتبروا التظاهر حق من حقوق المواطنين (رغم قرار حَظْر التظاهر في العاصمة منذ عشرين سنة)، كما ظهر في عدم تدخل الشرطة بعنفها المعهود، بل تجنب قادة الشرطة مواجهة المظاهرات، بشكل منهجي (كما كانت تفعل باستمرار)، وهذا لا ينفي اعتقال العشرات، ومن بينهم الصحافيين الذين يحتجون على الرقابة في وسائل الإعلام الرسمي… شكّل إذًا هذا الخلاف داخل أجنحة السلطة (خلاف، غير مَبْدَئِي، بين المستفيدين من الرّيع)، سببًا من أسباب توسّع رقعة الإحتجاجات، وعدم مواجهتها بالشكل المَعْهُود…  

في الجزائر، الغنية بالنفط والغاز، لا يَقل حجم الإقتصاد الموازي عن 40%، وفق البنك العالمي، وقد يَصِلُ إلى حوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بعض الدراسات، أو ما يعادل أكثر من مائة مليار دولارا، ويصعب تقدير حجمه بدقة، لأن الإقتصاد الموازي، بطبيعته، غير مُعْلَن، فهو أحيانًا ظاهر للعيان، لكنه غير مُصرّح بِه، ولا يخضع للترخيص، وهو بطبيعته خارج المنظومة المصرفية، ولا يخضع للضرائب (رغم استخدامه البُنية التحتية والمرافق والخدمات العمومية)، ويُحْرَمُ العاملون به من الحماية الإجتماعية، وقَدّر المكتب الوطني للإحصاء عدد هؤلاء العاملين، سنة 2012، بحوالي أربعة ملايين، في جميع القطاعات (باستثناء الفلاحة)، من الإنشاء والبناء، إلى التجارة والخدمات، ويعني هذا الرقم، إن أكثر من 46% من قوة العمل بالجزائر، تَعْمَلُ في ظروف سيئة جدّا، ولا تتمتع بالضمانات أو الحماية الإجتماعية، ويتضمن الإقتصاد الموازي أيضًا، تهريب المحروقات نحو البلدان المجاورة، وكذلك السوق الموازية لصرف العملات، التي تتطلب رأسمالا هائلا، ويحتكر هذه التجارة بعض المُضاربين الأثرياء، ويُقدّر حجمها بأكثر من عشرة مليارات دولارا سنويا، وهو مبلغ كبير، يخرج عن سيطرة المصرف المركزي، والنظام المصرفي، بشكل عام، وتعمد أجهزة الدّولة، إلى شن بعض الحَمَلات التي تستهدف صغار الباعة الجائلين، وهم في أسفل سُلّم الإقتصاد الموازي، والتّهريب، وإدخال السلع الاجنبية بدون ترخيص قانوني، ويَبْتَزُّ جهاز الأمن هؤلاء الباعة الجائلين، ويستخدمهم كمُخْبِرِين، مقابل مواصلة عَملهم…  

خاتمة:

تَبْدُو ثورة التحرر من الإستعمار (1954 – 1962) بعيدة، ولم يبق من الثوار سوى القليل منهم على قيد الحياة، في بلد يُشكل الشباب أكثر من 60% من عدد سكانه، لكن الإستعمار الفرنسي لا يزال حاضرًا بقوة من خلال اللغة، واللغة ليست أداة اتصال فحسب، بل هي وعاء ثقافي وحضاري، كما ازداد حضور الإستعمار من خلال السلع المُستوردة، ومن خلال ملايين المُهاجرين المُسْتَقِرِّين في فرنسا، والآلاف الذين يغامرون بحياتهم، هَربًا من الفقر والبطالة في بلدهم، الذي تحرّر من الإستعمار بقوة السلاح، وبفضل التفاف الشعب حول ثورة التحرر الوطني… هذا البلد الذي يُنتج النفط والغاز، منذ قرابة خمسين سنة، لكن الإقتصاد بقي ريعيًّا ولم يتحول إلى اقتصاد مُنْتِج، بل يتقاسم جزء صغير من أثرياء الدولة والمجتمع هذا الرّيع، ولا يرى الشعب غير الفُتات، مما رفع نِسَب الفقر والبطالة، خصوصًا لدى الشباب، الذي يُطالب بحقه في ثروات البلاد، عبر خلق الوظائف… 

إن النّظَر إلى الجزائر اليوم، بعيون سنة 1962 أو حتى نهاية سبعينات القرن العشرين، يُعتبر خَطَأً يجعلنا نرى الحاضر بعين الماضي، فجزائر اليوم تختلف كثيرًا عن مرحلة طَرْح “النظام الإقتصادي العالمي الجديد”، وعن مشاركة الجيش الجزائري في صد العدوان الصهيوني… 

لا علاقة لجزائر اليوم بجزائر حرب التحرير وحركة عدم الإنحياز، والنظام الإقتصادي العالمي الجديد، إنها الجزائر الرسمية اليوم (أي الدّولة)، هي التي خصخصت شركات القطاع العام، وباعت مُركّب “الحَجّار” للحديد والصّلب، وغيره للشركات متعددة الجنسية، وتُشارك في مناورات حلف شمال الأطلسي، بإشراف الجيش الأمريكي، وبمشاركة جيش العدو الصهيوني…     

كان بوسع الحكومة إنفاق الأموال لبناء المستشفيات والمساكن الشعبية، بدل إنفاقها في بناء أحد أكبر المساجد في العالم، من أموال الشعب الذي يبحث عن سكن، وعن عمل، ويؤدي انسداد الآفاق إلى “الحَرْقَة” (أي حَرْق الحُدُود، أو الهجرة غير النّظامية)، رغم مخاطر الموت غَرَقًا في البحر الأبيض المتوسّط، أو إلى بيع واستهلاك المُخدرات، أو إلى الإنضمام للمليشيات المُسلّحة لقوى الدّين السياسي، مثلما حصل خلال الحرب الأهلية…

إن الجزائر، مثل جميع البلدان، تنقسم إلى طبقات، إلى مُسْتَغَلِّين ومُسْتَغِلِّين، إلى أثرياء وفُقراء، ومن يتظاهرون في الشوارع منذ عُقُود هم من الفُقَراء، لكن ينقُصُهم التنظيم الخاص بهم، الذي يُدافع عن مصالحهم وينقصهم برنامج ثوري، نقيض للوضع القائم، ويستخدم النظام القائم، وكذلك بعض فئات البرجوازية وأثرياء التوريد والتصدير، تاريخ البلاد ومرحلة الثورة الوطنية، وحرب التحرير، لغايات في نفس يعقوب، لأن دِينَ البرجوازي، في أي بلد، هو الربح والإثراء وتكديس المزيد من الثروات، ومن واجب التقدّميين والثوريين في العالم، دعم مطالب المتظاهرين الإقتصادية والإجتماعية، أما مسألة انتخاب عَمْرو أو زَيْد، فلن تُغَيِّرَ الوضْع، لأن القوانين الحالية من وضْع الأثرياء، وميزان القوى الحالي لصالح الأثرياء، لذا فإن الإنتخابات لن تُغَيِّرَ الوضع، الذي لن يتغير سوى بثورة اجتماعية، من أجل إعادة توجيه الإقتصاد نحو الإكتفاء الذاتي الغذائي (الجزائر ثاني أكبر مستورد للقمح في العالم، بعد مصر)، واستثمار أموال النفط في مشاريع منتجة، وخالقة للوظائف، مع توزيع ثمرة الإنتاج وثروات البلاد، بشكل عادل، يُلبِّي حاجة المُواطنين…