تحليل خبير اقتصادي أردني: الذعر في الأسواق المالية الأمريكية من فيروس كورونا

لم تواجه الأسواق المالية الأمريكية رُعباً كالذي تواجهه في الوقت الحاضر من فيروس كورونا الذي أثبت أنه أقوى من الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والهزّات الأرضية. هذا الفيروس قضى عليها  بالضربة القاضية، ووضعها في زاوية وتركها ترتجف ولا تعرف ماذا تفعل وكيف. هذه التطورات تزامنت مع وصول عدد الاصابات الى 98000، وعدد الوفيات الى 3347 على المستوى الدولي. أما في أمريكا، فلقد وصل عدد الاصابات الى 205 وعدد الوفيات الى 15.
لا يمكن القول أن ما يحصل في أمريكا وصل لدرجة الوباء، فالأرقام ليست كبيرة، وهي قريبة من تلك الخاصة بألمانيا، لكن التطورات المالية مرعبة، والمستثمرين لا يعرفون الى أين يهربون فليس أمامهم من منأى سوى الذهب والعقار. لقد تراجعت الأسواق المالية في الولايات المتحدة بتاريخ 5 آذار2020 (الخميس) بشكل لم تشهده منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، حيث انخفض كل من داوو جونز Dow Jones و S&P 500 ونازداك NASDAQ بالنسب (3.6%) و (3.4%) و (3%) على الترتيب، هذا التراجع لم تشهده الأسواق منذ 14 عام فقد انخفض داوو جونز يوم الخميس بما مقداره 969 نقطة.
هناك حالة من الرعب والخوف والتردد والتوهان في الأسواق المالية والأحداث تتسارع مثل كرة الثلج، صحيح أن فيروس كورونا لم يكن تأثيره كبير على الولايات المتحدة، وأن حجم التطورات المالية لا تتناسب مع حجم الضرر من الفيروس، لكن الخوف عليه ينبع من الدول الأخرى، حيث من المعروف أن للولايات المتحدة علاقات دولية اقتصادية قوية وخاصة مع الصين، وتُعتبر هذه العلاقات هي مصدر الخطر الرئيسي والمُسبب. من زاوية ثانية، فقد تراجع عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات، تلك السندات التي تُعتبر مرجعاً لأدوات الدخل الثابت، الى أقل من 1%، وحيث وصل العائد الى (0.9%)، وهو الأقل في تاريخ الولايات المتحدة أقول أن هذه الأحداث مرعبة جداً، ناهيك عن الأثر النفسي حيث أن العديد من المستثمرين سيحاولون الهرب ليس لأسباب جوهرية وانما بسبب حالة عدم التيقن وقلة المعرفة.
لقد قام الفيدرال ريزرف يوم الثلاثاء، 3 آذار 2020 بإجراء تخفيض طارىء على سعر فائدة الفيدرال المستهدف بما مقداره 50 نقطة أساس، حيث اجتمعت لجنة عمليات السوق المفتوحة اجتماعا طارئً لهذا الهدف. واعتبر هذا التخفيض كبيراً جداً قُصد منه تهدئة الأسواق ووقف حالة الانهيار بعد أن كانت مع النظرة الاقتصادية في كانون الثاني ايجابية جداً، واستطاع هذا الفيروس أن يقلب الأمور رأساً على عقب. المشكلة أن الاسواق ليست معتادة على التعامل مع قضايا من هذا النوع وهو ما زاد الطين بلّة.
ان التخفيض على سعر الفائدة لم يكن له أثر يُذكر على الرغم من كبر حجمه وسرعته وتوقيته المفاجىء، فالمفروض أن تشهد الأسواق المالية صعوداً قوياً، لكن ما حصل هو العكس: خسائر كبيرة ومتتالية، والأغرب من ذلك هو تراجع أسعار سندات الخزينة لأجل 10 سنوات لأنها يُفترض أن ترتفع، فهناك علاقة عكسية وقوية بينهما، لكن هذه السندات سجّلت بدلا من ذلك انخفاضاً تاريخياً، ليصل عائدها الى (0.9%). من الواضح ان البنك المركزي لا يستطيع أن يقضي على الفيروس ولكن عليه اتخاذ اجراءات مناسبة، ولذلك يتوقع أن يقوم بإجراء تخفيض مماثل في اجتماع لجنة عمليات السوق المفتوحة الدوري القادم بتاريخ 18 آذار 2020، وبذلك تتجه أسعار الفائدة الى الصفر. وبذلك تصل السياسة النقدية الامريكية الى حالة الافلاس!
ان ارتباط الولايات المتحدة بعلاقات اقتصادية وتجارية ومالية مع العديد من دول العالم هو بحد ذاته مصدر الازعاج والقلق والتدهور في الأسواق المالية الأمريكية، خاصة العلاقات مع الصين حاضنة الفيروس لأن حركة هذه الأسواق أكثر ما تتأثر بالتطورات الاقتصادية للشركات المدرجة في السوق، فتلك الشركات لها تعاملات مع بقية دول العالم وخاصة الصين. وتعتبر الصين الشريك التجاري الاول للولايات المتحدة حيث بلغ حجم التجارة معها من السلع (صادرات + مستوردات) 559 مليار دولار في عام 2019. فلقد بلغت الصادرات 107 مليار دولار في حين بلغت المستوردات 452 مليار دولار.
صحيح ان تخفيض سعر الفائدة سَيُخفّض أيضاً من قيمة الدولار الأمريكي ويعطي دفعة للاقتصاد الأمريكي من جهة التعاملات الدولية، حيث سترتفع الصادرات الأمريكية وستخفض المستوردات وبذلك يتحسن وضع الحساب الجاري، وسيكون لذلك أثر ايجابي على التطورات الاقتصادية، لكن اثره على الاسواق المالية سيبقى محدودا. هناك أصوات مرتفعة وكثيرة في الولايات المتحدة  تطالب بالتدخل الحكومي من خلال زيادة الانفاق الحكومي لإعطاء دفعة للإقتصاد والأسواق لأنهم يرون بأن تخفيض أسعار الفائدة لم يكن مجدي وفشل في تخفيض العرض الكبير في الأوراق المالية. وتجدر الاشارة الى أن أسهم شركات النقل والطيران هي التي قادت حالة الانهيار في الاسواق المالية متأثرة بإنخفاض وتراجع نشاط السفر ناهيك الى حظر السفر من و الى بعض الدول. ومن الامثلة على ذلك، تراجع سهم شركة American Airlines بما نسبته 13.4%، وكذلك انخفاض سعر سهم شركة United Airlines بما نسبته 13.1%.
الى أين الهروب؟ من المعروف أنه في مثل هذه الحالات، على المستثمر أن يتجه الى الذهب أو العقار هروباً من الأسهم والسندات وبقية الأوراق المالية. أي الهروب من الأصول المالية الى الأصول الحقيقية وبخلاف ذلك، يكون الخطر كبير ولذلك شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً كبيراً وسوف تستمر بنفس الاتجاه طالما استمر الفيروس بنشاطه المعتاد. خلال فترات الأزمات، تحصل حالة نزوح من الأصول المالية الى الذهب والعقارات لأن قيمتها ضمنية، لكن الأصول المالية تنبع قيمتها من قيمة شركاتها و مرونتها مرتفعة للطلب والعرض.
في الاردن، على الحكومة التحرك باتخاذ اجراءات وقائية قبل تفاقم الأزمة. البنك المركزي خفّض أسعار الفائدة لديه بما مقداره 50 نقطة اساسية وهي خطوة ضرورية وبالاتجاه الصحيح لكنها غير كافية. البنوك في الأردن لا تستجيب الا بعد أشهر وسوف تبدأ في تخفيض أسعار الودائع من منطلق الجشع، وبعد فترة من الزمن تُخفّض أسعار القروض ولكن حتى مع تخفيض السعرين يبقى الهامش بحدود 6%- 8% وهذه مستويات مرتفعة جداّ يتحمل وزرها المواطن والمقترض.
البنك المركزي لا يتدخل بأسعارالفائدة السائدة بالسوق، لكن في الظروف الصعبة يستطيع الالتقاء بادارات البنوك والتحدث اليهم بضرورة تخفيض الهامش. ففي الظروف الاستثنائية الطارئة كل شي جائز. البنك المركزي مؤسسة رائدة استطاعت الحفاظ على جهاز مصرفي سليم ومعافى بالاضافة للاستقرار النقدي، لكن هذه لظروف تستدعي اجراءات من خارج الصندوق. ويقع على عاتق الحكومة البدء باتحاذ اجراءات وقائية مستفيدة من تجربة الولايات المتحدة حيث ان الاجراءات النقدية لا يمكن ان تكون كافية في مثل هكذا ظروف.

الدكتور مروان الزعبي
خبير مالي واقتصادي
جامعة الزيتزنة الأردنية
 

النهضة نيوز