السياسي والثقافي والقائد والمفكر .. علاقات وتباينات وتكاملات وفوارق واختلافات

بهجت سليمان

1▪ درجت العادة في استخدام بعض المصطلحات ذات الدّلالة على الاحتراف في الكتابات الفكريّة أو في تلك التي تتناول عمليّة "الشّأن العامّ" ، أن ينصرف الحديث إلى الوقوف على العوامل المقصودة لتمييز الصّفات العاملة في أهداف الحديث ، فيكون استخدام الصّفة بدلالة العامل الاشتغاليّ أو الفاعل الضّمنيّ أو المؤثّر الدّلاليّ أو ذي الأثر في إحداث الموقف و النّتيجة و الأثر في موضع الغاية من الكلام. 

 و هكذا تختصر الكتابة ، عند الحاجة الملحّة أبداً إلى الاختزال ، التّعريف بعامل الحركة و التأثير ، أو تخصيص القصد ، في أنّها تلجأ إلى استخدام أهمّ الصّفات بوصفها العامل الغالب في مناسبة البيان ؛ فيُقالُ في سياقات الكتابة ما هو الأرجح أو المقصود في توجّهنا إلى مكمن هدفها في الوقوف على مشارفه عن طريق انتخاب الأكثر تأثيراً من بين عوامل المفعول أو المضمون. 

 2▪ و ليس ممّا هو غريب عن الأسماع أو الأذهان ، ما نقرأه أو نسمعه من أصحاب المقال ، عندما يُحدِّدُ صاحب الخطاب ، في مفاصل الحديث ، مرماه في ضبط الانتباه أو في الاستطراد في لفت الانتباه إلى ما يُشكّل ثقالاتِ غايةِ و منعطفاتِ و اتّجاهات الكلمات ، لحشد تركيز المتلقّي وراء دوافع و حوافز الخطاب ، تضحية من صاحب الخطاب بالبداهة المفهوميّة أو المعرفيّة التي غالباً ما تُصاب بالعطب ، فيما إذا أرسلها إرسالاً استدعائيّاً متواتراً .

 3▪ و للتّقريب بالتّشخيص ، فإنّ استعمال مصطلحات في سياق القول أو الكتابة من مثل "الثقافيّ" أو "المعرفيّ" أو "السّياسيّ"، عادة ما يكون وراءه الإشارة التّخصيصيّة إلى "العامل" الرّاجح في إنتاج الخطاب، و ليس الشّخص بذاته الذي يُمكن أيضاً أن يوصف بمثل هذه الصّفات. و على أنّ هذه "المواضعة" الثّقافيّة المفهوميّة هي الغالبة في إنتاج الخطاب المعاصر ؛ فإنّ الحديث الآن سوف يعود إلى تقاليد الوصف الأصليّة ، إذ أنّنا ، هنا ، سوف نتحدث على هذه الصّفات بوصفها محمولات مباشرة من محمولات الأشخاص ، طالما أنّنا أشرنا إلى أمر التّشابه في حالتي المعطيات الكتابيّة التي تُفضي إلى الدّلالة المتعدّدة الأغراض و المقاصد في إخراج النّصّ و إنتاجه المُحدَّد و المقصود.

 4▪ تُلحّ الأسباب التي تُعيدنا إلى الحديث عن الأشخاص و صفاتهم التّكوينيّة ، من واقع الاختلاطات الوظيفيّة التي تترك أثرها المباشر في المحدوديّة المعاصرة في الفاعلين ، و كذلك من واقع الاعتداءات الموصوفة للمشتغلين في حقل من الحقول ، على حقول أخرى ، بدافع التّمتّع بصفات الموسوعيّة أو بدافع إظهار القدرة ، عند المدّعين و الدّعيين ، على إدراك أبعاد الأمجاد المختلفة التي تدخل في "الملكيّات" الشّخصيّة للأشخاص ، بتأثير واقع طغيان المصلحة الانتهازيّة أو انتحال المواقع و المواضع أو الفشل في تحقيق الوَفرة النظريّة و العمليّة في ممارسة الوصف أو النّعت ، الذي يقع على صاحبه واجب العمل بالمبادئ الأساسّية و الّلازمة و الكافية أيضاً ، ليسوّغ بذلك "وظيفته" المنطقيّة التي تستدعيها أدوار الكلمات و اتّجاهاتها نحو مرامي العمل المتوقّع ، إزاء الوصول الظّاهريّ و الضّمنيّ لمسمّى "الوظيفة" إلى أسماع جمهور الحقل المستهدف و أشيائه المادّيّة ، التي هي الموضوع الجذريّ الذي يقع عليه الفعل و الحراثة الحقليّة و التأثير و التّنظيم.

 5▪ فالثّقافيّ ( أو الثقافويّ ) ، على ما تقدَّمَ ، هو "ظاهرة" انتشاريّة من الأشخاص غير نوعيّة ، بحسب ما يُظهر العالم يوماً بعد يوم ، بسبب توفّرها المطّرد في ازديادات رقميّة و زيادات "حقليّة" اجتماعيّة و مظاهر مختلفة التّوتّر تنتشر في الرّقعة الاجتماعيّة الأقلّ إضاءة و الواقعة ، بدرجات متنوّعة ، بين الدّيناميّة (أو الفاعليّة) و الخمول. 
     لقد غدت الثّقافة ، اليوم، كصفة ( نعت ) للأشخاص تتحوّل أكثر فأكثر إلى "نمطيّة" (موديل دارج) تقتفي أثر ما كان يُسمّى سابقاً باللياقة و اللباقة و الكياسة الذّهنيّة ، بعد أن امتدّت هذه السّمات إلى حقول اجتماعيّة و ما فوق اجتماعيّة في امتهان اليوميّات المشتغلة بمضامينها ، الأكثر تأثيراً على التّوجّهات العامّة و الأهداف الشّاغلة للّحظة و التي تتطلّب الحركة و الانتشار و السّطوع و اللمعان ، من أجل العمل على تراكم أو تراكمات عدّة تشكّل في النّهاية تيّاراً اجتماعيّاً محدّداً بتحقيق هذه الأغراض أو تلك.
  و باعتبار أنّ "الظّاهرة" الثّقافيّة ظاهرة منتشرة ، و تتطلّب ، و تهدف إلى ، الانتشار ، بغضّ النّظر عن حجم التّأثير الفاعل و درجة نوعيّته و درجة تأثيره في الكتلة المستهدفة من خطاب "الثّقافة" نفسها ، الذي يتوزّع بالتّوجّه بين الأيديولوجيا و السّيكولوجيا الاجتماعيّة و السّوسيولوجيا بالعموم ، فإنّ المعيار الحاكم في الثّقافة و "الثّقافيّ" ( الشّخص الثّقافيّ ) هو معيار قياسيّ و كمّيّ يتعلّق بالسّطوح الاجتماعيّة و فواصل و مفاصل و أطراف و حدود الحقل الذي يتلقّى الانتشار ، و ينفعل في هذا الانتشار ، فإنّه ، و لهذا بالضّبط ، نحن نألف بعض الأحكام التي تنهال أحياناً على فئة المثقّفين ، فنقبل تحديدات هي الأخرى كمّيّة في نعت المشتغلين بالثّقافة من مثل "شبه المثقف" و "نصف المثقّف" و "ربع المثقّف".. إلخ ..
 و ذلك بالدّرجة نفسها التي يستطيع فيها "المثقّف" ( الثّقافيّ؛ أو الثّقافويّ ) استيعاب موضوعه السّهل أو المُستسهل و توزيعه على مسافات الحقول في التّأثير ؛ هذا و لا يكون ، عادة ، عمق التّأثير و صلاحيّاته الزّمنيّة من الأمور التي تشغل أو تحدّد "طبيعة" المثقّف أو "الثّقافيّ" ، هذا "النّمط" ( الموديل ؛ أو القالب ) الذي ينبني تلقائيّاً على جملة من المحفوظات و التّراكمات و المتراكمات البنيويّة و الأهداف و الأدوات و الوسائل البرغماتيّة التي تسمح له هو ، أوّلاً ، في الانتشار العامّ أو الخاصّ ، و بحسب التّوجّهات الانتهازيّة التي يضعها "الثّقافيّ" في أفقه في تحقيق أهدافه في "الوظيفة" التي حدّدها لنفسه واعياً ، بغريزته ، لجميع مآربه و مآربها ، و كذلك في "الوصول" السّطحيّ إلى أبعد ما يمكن له من الوصول.

و لأنّ "الثّقافة" و "الثّقافيّ" ، كلّاً منهما ، ظاهرة في الانتشار و السّطحيّة ، فإنّه لهذا ، أيضاً ، نحن لا نُدهشُ ممّا يُسمّى بخيانات المثقّفين.
 و بالبعد عن التّقويم الأخلاقيّ ، فغالباً ما تشمل هذه "الخيانات" المبادئ المعلنة و المواضع و المواقف التي جعلها "المثقّف" له "ألواناً" من الثّياب يلبسها و يبدّلها حسب الطّلب و حسب رواجيّة السّوق السّياسيّ و الاجتماعيّ و الماليّ ، و حسب المنفعة المتوقّعة أو المستهدفة من نشاط هذا "الثّقافيّ" ، بغضّ النّظر عن موضوعيّة المنفعة و المصلحة و عدالتها الاجتماعيّة و السّياسيّة التي تحدّدها كقيم تقع وراء الأهداف و الغايات.

6▪ ينشأ التّباين النّوعيّ الأوّل ، بالطّبيعة و الدّرجة و الأهداف و الغايات ، بين "المثقّف" ( الثّقافيّ ؛ أو الثّقافويّ ) من جهة ، و بين "المفكّر" ، من جهة أخرى ؛ إذْ غالباً ما يشترك "المثقّف" و "المفكّر" بالأهداف القريبة و الاشتغال النّظريّ و العمليّ ، و لكنّهما يختلفان بالمبادئ و الأهداف الكبرى و الغايات. 
 لا يلتفت "المفكّر" ، عادة ، إلى التّسويق الاجتماعيّ ، حيث أنّه ليس تاجراً ببضاعة تحتاج إلى الانتشار و التّرويج و التّسويق الواسع في الحقل الواحد أو في ما بين مجموعة من الحقول . 
 و لقد يتبيّن ، أحياناً ، أنّ المثقّف و المفكّر يلتقيان وجهاً لوجهاً في الحقول أو في الفضاءات ، إلّا أنّهما لا يلتقيان بحكم المشتركات بقدر ما يلتقيان بحكم الفوارق التي يُحدّدها الالتزام بالأهداف المعلنة لكليهما ، أو بالفوارق المترتّبة على الانقسام في الغايات. 
  عادة ، ينشغل المفكّر بالابتكار الذي يرتّب عليه جملة من الأهداف البعيدة و العميقة في إحداث التأثيرات العمقيّة في بنية المتناقضات البنيويّة للأفراد و الجماعات و المجتمعات و التّصوّرات و الأحكام ، في ما لا يتوجّه المثقّف إلى هذه الجهات ، و هذا إن لم يكن يعمل ، منذ الأصل ، على تكريس تلك التّناقضات و المتناقضات عن طريق إثارتها أوّلاً ثمّ إخمادها في عطالاتها الممعنة في الزّمان و المكان ، بسبب ضعف مصلحة المثقّف (الثّقافيّ) في إحداث التّغيير أو ، بالعكس ، بسبب توفّر مصلحة بعضهم في الإبقاء على "واقع" معيّن ، مستفيداً ، في ذلك ، من الّلعب و الرّقص البهلوانيّ فوق المتناقضات. 
و على النّقيض ، فإنّنا يمكننا الوقوف على أهداف "المفكّر" الأصيل بواسطة ما يمكننا من تلمّس صفاته في الاحتجاج العميق على سُبات البنيات و الحقول و الفضاءات ، و سعيه إلى إحداث و تسجيل و تحقيق الافتراقات و التّباينات الجذريّة في "الأنماط" ، بوصفه ( المفكّر ) نموذجاً جديداً و معاصراً للمشكلات التّاريخيّة التي يعتبرها هدفه الأوّل في خلخلتها أو دكّها ، بما يتناسب مع إلهاماته الفكريّة و مسؤوليّاته التّاريخيّة و المعرفيّة الموسوعيّة التي تجعل منه أميناً على الزّمان كما هو أمين على المكان ، بما حويا ، بتناقضات و منغّصات و عدم انسجام و عجز ، من الإنسان.

7▪ و أمّا على "السّياسيّ" ( السّياسويّ ) ، و مع "السّياسيّ" ، فإنّنا علينا أن نتشدّد في تحفظّنا على إطلاق الصّفات و الأحكام .
ليسَ السّياسيّ نمطاً أو نموذجاً أو نموذجاً واحداً مستقلّاً يُمكّننا من أيّة سهولة في معرفة كيفيّات و آليّات و كمّيّات الفعل الموزّع على أدوات و أهداف و غايات "السّياسيّين".
"السّياسيّ" ، بما هو يختلف عن "رجل الدّولة" ، هو تعبيرُ "الظّاهرة" المعقّدة الأشد خطراً من بين النّماذج و الأنماط الإنسانيّة المشتغلة بالشّأن العامّ على مرّ التّاريخ.
 و يكفينا أن نسترجع ، هنا ، ذلك النّموذج المبكّر في تاريخ الحضارة المكتوبة المعروفة لنا ، و الذي مثّله "السّياسيّ" في "السّوفسطائيّ" و "بروتاغوراس" لأفلاطون ، و الذي يختلف عن "القائد السّياسيّ" ( في البوليتيكوس) المعروف منذ تاريخ ( أثينا ) الإغريقيّ ، الذي كان محلّ سخريّة و نقد شديدين من قبل عقلاء في التّاريخ كبارٍ من مثل (سقراط) و (أفلاطون). 
 ف "السّياسيّ" اليوميّ و "السّوفسطائيّ" يندغمان ، و لذلك كان هذا الصّنف "السّياسيّ" محل ترفّع عنه و نقد شديد الإيحاء ؛ فيما أفصح إفصاحاً شديداً عن نوع "الملك" أو "القائد السّياسيّ" العادل ب "معرفته" (في البوليتيكوس) أو "رجل الدّولة" الحقيقيّ العادل.
و على أنّنا يمكننا استخلاص العبرة في الحكم على "السّياسيّ" اليوميّ من خلال الحكم على "السّوفسطائيّ" – "السّياسيّ" باعتباره كياناً تاريخيّاً إعلاميّاً و دعائيّاً و "منطقيّاً" ، أكثر منه كياناً جادّاً و مخلصاً في خدمة العدالة و الفضيلة مسوّغيّ السّياسة الأكثر شرفاً ، مع عدم نسياننا الأهمّ في بناء شخصيّة "السّياسيّ المنطقيّ" و إعداد كيانه الذّاتيّ ، في قيامه أساساً على "الادّعاء" و اتّباع "المصلحة" الشّخصيّة ، الفرديّة و الضّيّقة ، و الأكثر أنانيّة و مغالطة في استعماله و سلوكه في المنطقيّة الدّعيّة في مهنة "السّوفسطائيّ" بما هو سياسيّ في تدريبه "الطّلاب" المرشّحين للوظائف العامّة ، على الانتهازيّة الإقناعيّة في الخطابيّة و الجدل الفارغ ، و بأنّه الأكثر كذباً و نفاقاً و وصوليّة و تضحية بكلّ عقلانيّة و عدالة و فضيلة و معرفة ، و في محاولته ظهوره مصطنعاً بصفة "المواطن" الصّالح المُلهِم للأفراد و الآخرين ..
     فإنّ ما تركه التّاريخ السّياسيّ لنا من عِبرةٍ نظريّة و عمليّة ، ثمّ من آثار باقية و معاصرة من سلوك "السّاسة" و "السّياسيين" الدّارجين ، لا يبتعد بنا كثيراً عما قدّمه لنا ( أفلاطون ) من تحديده لنعوت "السّياسيّ" ( السّوفسطائيّ ) و خصائصه الأكثر واقعيّة و حقيقيّة حتّى باطن هذه "الظّاهرة" التي لا تكلّ عن كونها لغزاً سخيفاً لا يسمح لنا ، و حتّى بالخطأ ، بأخذه على محمل الجدّ. 
و "السّياسيّ" ( السّوفسطائيّ ) ، على هذا ، هو الشّخص الذي يتنوّع تنوّع الضّحالة الموسوعيّة في الكثير من الاتّجاهات و الصّفات و النّعوت و المواقف غير الواضحة و الهزليّات المنطقيّة التي تعتمد في ثباتها و عملانيّتها ، و فاعليّتها له ، على عجز "الآخرين"، مضافاً إلى ذلك الولع الشّديد بالأمجاد الشّخصيّة و على طريقته الاستسهاليّة و بأيّ ثمن أخلاقيّ.

 إنّه ذلك الصّنف الذي يجمع إليه ، في المنطلق ، "ضحالة المثقّف" إلى "يقظة المعرفة"، ليجعل كلّ منهما في ، الغاية، و إلى هذه الغاية، وسائل من المركزيّة و الاستبداد و الجشع و التّسلّط و احتقار عقول و نباهة الآخرين من "العامّة" ، و كلّ ذلك بأدوات و مناهج و فرضيّات و نظريّات "منطقيّة" تُعجز العامّة و ينأى عن نقدها أو يتجاهلها و يأنف النّزول إلى مستواها حفنة المفكّرين.
8▪ و مع "القائد"، و بمفهومه التّاريخيّ و المعاصر ، فإنّ الانتقال شاسع بين الضّفة الأولى التي يرسو عليها "الثقافويّ" و "السّياسويّ"، من جهة، و بين "المفكّر" ، من جهة أخرى ؛ و تلك الضّفة الأخرى التي يُقيم عليها "القائد" التّاريخيّ. 
نحن فصلنا ، هنا ، في الضّفاف ، بسبب أنّ "القائد" غالباً ما لا تسمح له ظروف المسؤوليّات التّاريخيّة الكبيرة و الجسام - وفق "توفيقات" و "توقيفات" قدريّة - بالعناية باليوميّات الاجتماعيّة و السّياسيّة ..
و لهذا يجد "القائد" نفسه بكلّ صفاته و نعوته الكبيرة و العظيمة ، في حومة من الاستهتار و الاستخفاف ، يقوم بها نفر من غير الفاعلين المجرّبين و المفكّرين المموّلين بالخبرة المعرفيّة النّظريّة و العمليّة في التّشريع و الرّأي و صناعة مقدّمات القرار الحكوميّ في الدّولة ، و اتّخاذ القرارات التي تمسّ مباشرة أمن و حياة المواطنين الاجتماعيّة و المعيشيّة و السّياسيّة و الحضاريّة الضّروريّة للمحافظة على المجتمع ، الذي يُعتبر المكوّن الأوّل و الطّبيعيّ لموضوع اشتغال "القائد" و ضرورته التّاريخيّة في الظّروف العاديّة أو الاستثنائيّة من حياة الدّول و المجتمعات و الأمم و الشّعوب. 

     9▪ ومن البديهي أن يتّصل "القائد"، في فضاءات العمل، بالفكر و المفكّرين، أكثر من اتّصاله بالثّقافويّ و السّياسويّ ، و أعني من حيث طبيعة البيئة و الظّروف التي تسمح بفاعليّة خاصّة للقائد من بين مختلف الحقول الاجتماعيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة.

 و القائد يحتاج إلى وجود المفكّرين في جنبات السّلطة و النّفوذ و جولة السّياسة بوصفها ، كما يراها المفكّر أو الفيلسوف ، الفضيلة التي تكمن في أقصى العدالة . فجمع السّلطتين السّياسيّة و المعرفيّة هي أهمّ مسؤوليّات القائد في التّدبير. 
و عليه تبقى مهمّة "السّياسيّ" و "الثقافيّ" محصورة بإدارة المعطيات التي تقرّرت أوّلاً في منطلقات الفكر و القيادة و المزاوجة بين النّظرة التّاريخيّة إلى العقل و بين النّظرة التّاريخيّة إلى الوطن في الشّأن العامّ. 
و حيث لا انفصال بين هاتين النّظرتين ، نجد أنّ الضّرورة التي تَحتَّمَتْ عليها قضايا الانتقالات الحضاريّة و التّاريخيّة
هي الضّرورة التي تعزل ، نظريّاً ، نشاطات و ممارسات "الثّقافيّ" و "السّياسيّ"، من طرف، و نشاطات "المفكّر" و "القائد" في طرف آخر ؛ حيث لا بدّ من هذه القسمة الأوّليّة ، و النّظريّة في الأقلّ ، في سبيل الأحسن فالأحسن ، و الأفضل فالأفضل ، من إمكانيّة تحويلها إلى واقع عمليّ. 
غير أنّ قولنا : "نظريّاً"، لا يعني أبداً أنّ "النّظريّة" منفصلة بالمرّة عن التّطبيق ، إذْ غالباً ما تحتوي النّظريّة على أوليّاتها من العمل و الممارسة و التّطبيق ، و هو الأمر الذي يرفع من شأن الفكر و المفكّر في التّنظير. 

 10▪ ربّما لا يتحوّل الانتباه إلى مثل هذه "التّصنيفات" المعرفيّة الدّقيقة في الأحوال و الظّروف الطّبيعيّة التي تمرّ فيها البلدان و الأمم و المجتمعات و الدّول ؛ و هذا صحيح. و ربّما أيضاً لا يُقَرِّرُ الانتباهُ اليوميّ إلى العالم المحيط القريب و البعيد من التّحدّيات المركّبة التي تعترض الحاكميّة و العمل و الإنجاز ، أهمّيّةَ الوقوف على مثل هذه "التّصنيفات" الدّقيقة و الحاسمة ، بسبب ما يشغل الاهتمام القياديّ باتّجاهات عامّة و شاملة من طوارئ و معضلات و حساسيّات و هموم ثقيلة و اهتمامات أخرى ، لا تقلّ بطبيعتها عن هذه الهموم و الصّعوبات ؛ و هذا أيضاً صحيح.

 و لكن تزداد باطّراد مخاطر إهمال هذه "الحقائق"، في النّظريّة و العمل ، بقدر ما تُبدي الظّروف العينيّة نفسها الحاجة إلى مثل هذه النّظرة التّاريخيّة إلى المكوّنات الفاعلة ، في أطرها ، في مجال التّطوّرات و الانتقالات في عالمنا اليوم حيث تتّسع فيه الاختلاطات المرضيّة في الظّاهرة السّياسيّة الوطنيّة ، لتجعل هذه الاختلاطات من "الأشياء" جميعها مظاهر متشابهة و شبه واحدة ، كانعكاس عن المجاهيل التي تخترق وقائع ظاهرة الدّولة المعاصرة و المجتمعات التي تنضوي تحت هذا التّعقيد المريع الذي سطا على بداهات التّلقائيّة و الاسترسال. 
 و إلى كلّ ذلك من حقيقة تلك "التّصنيفات" ، فإنّه ليس من الواضح في التّوزيع و القسمة و التّقسيم ، عمق عقابيل القيادة السّياسيّة غير المفكّرة ، في الأحكام العامّة و قضايا المجتمع و الأفراد، بإتقانٍ و حذرٍ شديدين

 و لذلك يتحتّم على "الفكر" أن يُضيف إلى شروط القيادات التّاريخيّة ، أيضاً ، ما هو يمكن أن تجري المحاججة به بدقّة معطيات التّجربة و الخبرة ، من أنّ الآثار السّلبيّة و المدمّرة للبنية التّاريخيّة للمجتمعات و الدّول ، لا يُمكن تفسيرها و تعليلها على المدى البعيد إلّا بواسطة ارتفاع أو ترفّع القائد عن الضّلوع و الاضطلاع ب "الواقع" ، فيسمح ، بذلك ، بتحقّق و سوادِ سكونيّة الحدود السّلبيّة بين المظاهر المختلفة للظّاهرة الإنسانيّة الواحدة ، في الدّولة و المجتمع ، و تحقّق عطالة توتّر طاقة الفوارق الكامنة بين حدود مختلف هذه "التّفاصيل" الغامرة للمشهد اليوميّ و لآفاق هذا المشهد العريض.

 و عدا عن كون "القيادة" المحترفة، في أيّ نوع من أنواع الحرفة القياديّة، و الاحترافيّة المختصّة و المنشغلة بالشّأن العامّ ، هي فنٌّ و براعة و مهارة و إلهام ، فإنّها أيضاً تعتمد على وتجمع إليها علوماً سياسيّة و اجتماعيّة و اقتصاديّة متنوعة ، يُعتبر الاستغناء عنها تفويتاً حقيقيّاً لفرصة الإبداع في التّدبير ، و في واجب بناء الدّولة على مرّ الظّروف و الأزمان.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر موقع النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت